أن تكون عالِماً : المُتعة والمزايا والعقبات

Tuesday 5th of July 2022 11:22:28 PM ,
العدد : 5220
الصفحة : عام ,

مارسيلو غلايسر

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

مارسيلو غلايسر Marcelo Gleiser : أستاذ الفلسفة الطبيعية والفيزياء والفلك في كلية دارتماوث الامريكية. ولد في البرازيل عام 1959.

زميل في الجمعية الفيزيائية الأمريكية،وحاصل على جائزة تمبلتون عام 2019. أسس (بمعية آدم فرانك) موقع 13. 8 الالكتروني المختص بالعلاقة بين العلم والثقافة العامة. ألّف الكتب التالية :

- الكون الراقص The Dancing Universe، 1998

- النبي وعالم الفلك The Prophet and the Astronomer، 2003

- دمعةٌ على حافة الخلق A Tear at The Edge of Creation، 2010

- جزيرة المعرفة The Island of Knowledge، 2014

- الجمال البسيط لما هو غير متوقّع The Simple Beauty of the Unexpected، 2016

- العقول العظيمة لاتفكرُ بطريقة متماثلة Great Minds Don›t Think alike، 2022

المادة التالية منشورة بتأريخ 22 آذار (مارس) 2022 في موقع Big Think الألكتروني. أدناه الرابط الألكتروني للمادة لمن يريد الرجوع للنص الأصلي :

/ https: //bigthink. com/13-8/being-a-scientist

المترجمة

غالباً مايسألني الناسُ عن السبب الذي جعلني أعتزمُ أن أصبح عالِماً، ويتركّز هذا التساؤل بخاصة بين حلقات الطلبة الشباب غير الواثقين من مساراتهم المهنية المستقبلية. إنّه لأمرٌ شاق تماما أن يتخذ المرء قراراً سيكون له – من ناحية المبدأ في أقلّ تقدير – مفاعيلُ سيترتب على نتائجها شكلُ حياته المستقبلية، والامثلة في هذا الشأن كثيرة : من سيكون زوجاً (أو زوجة) لك؟ أين ستعيش؟ أية مهنة ستمارس؟،،،،، إلخ. الحياة تتغير على نحو مضطرد بالطبع، ومعها تتغير الأحوال والظروف. قد تبدأ حياتك المهنية طبيب أسنانٍ ثم لاتلبثُ بعد زمنٍ أن تتأكد بأنّ من الأفضل لك أن تكون موسيقياً. نحنُ في العادة عندما نعتزمُ اختيار دراسة رئيسية في الكلية فإننا نتخيلُ أنفسنا نعيشُ حياة أحد المهنيين المتخصصين بحقل معرفي ما، والخيالُ ليس كواقع الحال.

هنا نواجه هذا التساؤل الجوهري : لماذا تختارُ أن تكون عالِماً؟ وماالعوائق التي يمكنُ أن تعترض مسار الشباب اليافعين الذين يعتزمون اتخاذ خيار أن يكونوا علماء في المستقبل؟ ماأراه أنا – وأنا على ثقة كاملة بأنّ العديد من زملائي العلماء يشاركونني هذا الرأي – هو أنّ الكثرة الغالبة من الأطفال والمراهقين والشباب اليافعين لايمتلكون أية فكرة رصينة عمّا يعنيه أن تكون عالِماً. هم لايعرفون كيف السبيلُ ليكون المرء عالِماً، فضلاً عن أنهم لايعرفون ماالذي يفعله العالِم. أقولُ هذا، وأضيفُ له – بكلّ ماأوتيتُ من نزاهة وصدق – بأنّ الأمر ذاته نرى له مصداقاً مع الناس البالغين؛ فَهُمْ والأجيال الأكثر شباباً سواء بسواء. أستطيعُ القول بثقة كاملة ومن واقع خبرتي المهنية أنّ مايقاربُ 5% فحسب – وربما أقلّ من ذلك الرقم المتدني – من الجمهور الامريكي بكلّ أطيافه العمرية والتعليمية يستطيع تسمية ثلاثة (ثلاثة فقط ! !) من العلماء الأمريكيين الأحياء. السؤال الأساسي الذي يتوجّبُ سؤاله هنا : ماالذي يمكننا فعلهُ لتغيير هذه الحالة الكئيبة؟ أرى أنّ ثلاث عقباتٍ جوهرية تعترضنا في هذا المسعى :

العقبة الأولى : أن نجعل العلماء شخوصاً حقيقيين :

العقبة الأولى تكمنُ في أنّ العلماء يفتقدون كونهم صوراً مرئية حقيقية أمام الآخرين. إذا كان معظم الناس لايعرفون عالِماً حقيقياً (بلحمه ودمه كما يقالُ في الأمثال المتداولة)، وإذا كانت مرجعياتهم الثقافية عن العلماء هي مايرونه في الأفلام والعروض التلفازية فسيكون من العسير على هؤلاء الناس أن يتطلعوا لمهنة في الحقل العلمي في المستقبل. كم عالِماً تعرف (إذا كنتَ أنت عالِماً فيمكنك إسقاطُ هذا السؤال عنك)؟ كم عالِماً حصل أن إلتقيتَهم في حياتك (دع عنك هؤلاء الذين إضطلعوا بمهمّة تدريسك في الكلية)؟ في مقابل هذا الحال تفكّرْ ملياً في الأعداد الكثيرة من الأطباء وأطباء الأسنان والمعلّمين ورجال الشرطة والمحامين الذين هم جزء متأصلٌ في حياتنا اليومية. نحنُ في العادة نتواصلُ مع الكثير من هؤلاء على نحوٍ منتظم ولأسباب كثيرة. ليس ثمة من مجال للمقارنة بين الأعداد الضئيلة للعلماء الذين نلتقيهم مع الأعداد المتعاظمة لمن نلتقيهم من غير العلماء.

يمثلُ العلمُ الخلفية التي تتأسسُ عليها حياتنا اليومية. قد يبدو العلمُ معظم الوقت خبيئاً عن أنظارنا وبعيداً عن حاجاتنا اليومية ولانتعامل معه إلا لماماً عندما نسمعُ – على سبيل المثال – بشأن مذنّب يقترب من الأرض، أو عندما نتطعّمُ بنوع جديد من اللقاحات ؛ لكننا في الغالب لانعرفُ شيئاً عن العالِم الذي إكتشف ذلك المذنّب مثلما لانعرف شيئاً عن الفريق البحثي الذي طوّر ذلك اللقاح (الغريب في الأمر أننا قد نعرفُ أشياء كثيرة عن الشركة المتخصصة بالمصنّعات الصيدلانية التي سوّقت ذلك اللقاح، وقد نعرفُ قيمة أسهمها في سوق تبادل الأسهم ! !). عندما يتخيلُ شاب يافع عالِماً ما فإنه في الغالب يراه واحداً من هؤلاء الصبية الذين شاهدهم في مسلسل The Big Bang Theory. سيكون العالِمُ تأسيساً على هذه الرؤية شخصاً ذا قدرات عقلية خارقة لكنه بارد يفتقد الكياسة وغير كفوء من الناحية الإجتماعية. قد يتخذ البعضُ الآخر من اليافعين صورة نمطية للعالِم جوهرها شخصٌ بشعر منفوش على طريقة آينشتاين الذي يُخرِجُ لسانه خارج فمه ويتحدّثُ لغة إنكليزية متكسّرة تشوبها لكنة ألمانية ثقيلة.

سيكون الأمر مبعث دهشة كبرى بالتأكيد لمثل هؤلاء الشباب اليافعين لو حصل أن قاموا بزيارة أحد أقسام الفيزياء أو الكيمياء في جامعة معاصرة؛ إذ أنا موقنُ بأنهم لن يلتقوا أياً من الآينشتاينات منفوشي الشعر أو شيلدون (الطفل العبقري بطل المسلسل المعروف الذي ظهر بمواسم عديدة، المترجمة) أو دوك بطل فلم Back to the Future. نعم، قد يكون بعضُ العلماء متمركزين حول ذواتهم وأفكارهم Eccentrics؛ لكن الأمر ذاته يصحُّ مع بعض الأطباء والمحامين، والكثير من الفنانين، والعديد من البليونيرات، ليس في الأمر دلالة إحصائية تفيدُ بأنّ العلماء يجب أن يكونوا متمركزين حول ذواتهم، ولايعدو الامر أن يكون نمطاً من التضخيم الدرامي والمبالغة الاعلامية الزائفة.

كيف السبيلُ إلى حلّ هذه العقبة؟ أرى أنّ الحلّ يكمنُ في تكريس الصفة الحقيقية للعلماء (أي بمعنى زيادة مساحة الزمن الذين يظهر فيه العلماء أناساً حقيقيين يهتمون بأمر معضلاتنا البشرية وليسوا محض كائنات مريخية أو خرافية تهتم بشؤونها الخاصة البعيدة عن المجال العام). يتوجّبُ على العلماء المهنيين (وكذلك الطلبة الذين أنجزوا دراساتهم العليا) أن يكثروا من زياراتهم للمدارس العامة والخاصة، ومن المهمّ لكلّ واحد من هؤلاء أن يخصص عدداً من الساعات السنوية التي يتحدثُ فيها إلى طلبة المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية. ربما لن يحقق بعضُ هؤلاء عملاً عظيماً مثلما نتوقع؛ لكنّ الكثير منهم سيفعلون وسيكون بوسعهم بعثُ روح الالهام في الاطفال واليافعين، وفي المقابل سيحصل العلماء على الإلهام من هؤلاء. هكذا هي روح التعليم : إلهام يسري في اتجاهين متكامليْن ومتعاضديْن.

ينبغي لهؤلاء المتحدثين (من خريجي الدراسات العليا حديثاً) أن يخبروا الأطفال والشباب عن السبب الذي دفعهم للمضي في الدراسات العليا في حقل العلوم (والرياضيات كذلك)، وماالذي يفعلونه في حقل البحث العلمي الخاص بهم، ولماذا بات العلم (والبحث العلمي بخاصة) ضرورة حاسمة من ضرورات المجتمع الحديث، وكيف يمكن للعلم إحداثُ تغييرات جوهرية في العالم مثلما فعل مرات عديدة في أزمان سابقة. ستكون لمفاعيل هذه الاحاديث نتائج مبهرة في تغيير الصورة النمطية لعلماء تكرّسهم بعض المسلسلات التلفازية على أنهم علماء كيمياء لاهمّ لهم سوى تصنيع عقاقير ذات تأثيرات سحرية، أو علماء فيزياء وأحياء يعملون على حبكاتٍ مدمّرة من شأنها وضعُ حدّ للحياة في هذا العالم.

العقبة الثانية : الصور النمطية Stereotypes

العقبة الثانية تتمثلُ في خصيصة “ المجتهد المهووس بالعمل Nerd “ الذي يبدو منعزلاً عن معرفة السياقات الاجتماعية السائدة والأعراف السلوكية المعتمدة. الخصيصة النمطية هنا ذات ميزات معروفة: العلماء ذوو شعر أشعث، ولاأصدقاء لهم سوى أشخاصٍ بصفاتهم ذاتها، وهم منسحبون إجتماعياً ويُبدون نمطاً من الجبن والتخاذل في المواقف التي تتطلبُ تفاعلاً اجتماعياً مؤثراً، وأنهم ماصاروا علماء إلا ليكون لهم العلم مهرباً يختفون فيه من عبء مواجهة الواقع ومتطلبات الحياة الحقيقية.

لطالما سمعتُ مثل هذه الأقاويل مرة بعد أخرى وأنا طفلُ لازلت في البرازيل، وظلت هذه الأقاويل تخدش مسامعي حتى بعد أن اعتزمتُ اتخاذ الفيزياء حقلاً معرفياً ومهنياً لبقية حياتي. قد ترون الحالة صعبة وباعثة على الرثاء هنا في أمريكا ونحنُ في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ولكم أن تتصوّروا كيف كان الحال معي وأنا في البرازيل أواخر سبعينيات القرن الماضي. كانت حالة لاتطاقُ بالتأكيد؛ حتى لكأنّ المرء يكاد يختنق! !.

إنّ علامة «المهووس المنسحب إجتماعياً» التي يرادُ إلصاقها قسرياً بكلّ عالم ليست سوى لغو كامل وزيف مصطنع اصطناعاً. صحيحٌ ثمة بعض العلماء من المهووسين الذين يُبدون أعراضاً إنسحابية من الاهتمامات الاجتماعية؛ لكن في المقابل يوجد الكثير من العلماء هادئي الطباع والذين يعشقون ركوب الدراجات النارية أو تسلق الجبال (أنا أفعلُ هذا. يالسعادتي! !). هناك علماء آخرون يتلذذون بركوب الأمواج Surfing أو يجدون سعادتهم الغامرة في العزف على الغيتار الكهربائي. قد تجدُ بعض العلماء مؤمنين مكرّسين مثلما يوجد آخرون لايؤمنون بأي دين، وقد يكون لبعضهم شغف حقيقي بكرة السلة أو الهوكي. بعضُ العلماء محافظون في الوقت الذي يبدي فيه آخرون توجهاً سياسياً راديكالياً نحو أقاصي اليسار، وقد يكون بعض العلماء مفكرين على أرفع درجة من الاصالة والنزاهة المثالية؛ في حين أنّ آخرين منهم ذوو توجهات براغماتية تميلُ لتعظيم الأرباح المالية.

ماأريدُ التأكيد عليه هو أنّ التعميمات شكلٌ بائس من التوصيفات الاختزالية الجامعة؛ فالمجتمع العلمي له من الخصائص المتباينة والمتعاكسة مثل تلك التي نشهدها عند أي مجتمع آخر من المهنيين.

العقبة الثالثة : رومانسية العلم

العقبة الثالثة تختصُّ بالدافعية Motivation. لماذا نختارُ العلم مهنة؟ هذا هو التحدي الأصعب، والتعامل مع هذا التحدّي يتطلبُ اهتماماً زائداً والكثير من الحذر والدقة.

السبب الاولُ الذي يدفعُ المرء لاختيار العلم مهنة هو شغفه المُعْلَنُ بالطبيعة (هذا رأيي الشخصي). إذا رغبتَ في العلم مهنة مستقبلية فأتوقّعُ منك شغفاً لايبارى في إستكشاف ومساءلة أحجيات الكون، ويستوي هنا الكون مفرط الكبر (المجرات) مع الكون بالغ الصغر (على المستوى الذري ومادون الذري). قد يبدو هذا الشغف رومانسياً بعض الشيء لامحالة؛ لكنه شغف أساسي لكلّ محبّ للعلم وطامح لمهنة علمية. نحنُ نختارُ العلم مهنة لأن ليس بوسع أية مهنة سواه أن تتيح لنا قضاء حياتنا في محاولة معرفة كيف يعمل العالَمُ الذي نعيشُ فيه، وكيف يتناغم وجودنا الانساني مع المخطط الكبير للأشياء في هذا العالم. قد يحصلُ أن يبلغ عالِمٌ ما إكتشافاً عظيماً أو يحقق إنجازاً ذا مفاعيل مستديمة لاتخفت مع الزمن؛ لكن مع ذلك حتى لو كانت مساهمة بعض العلماء صغيرة بالمقارنة مع المساهمات العظمى للبعض الآخر فإنّ مايهمُّ في نهاية المطاف هو أن نكون جزءً من الصيرورة التطورية للعلم، وأن نكون جزءً من مجتمع العلماء الذين كرّسوا حياتهم لإكتشاف الحقائق الجوهرية والقوانين الحاكمة للعالم ولأنفسنا.

لايقتصرُ الأمرُ على هذا الجانب الرومانسي في العلم؛ إذ يوجد للعلم بالتأكيد جانبه العملي المرتبط بتطبيقاته التقنية الكثيرة. تخيلْ حياتنا المعاصرة من غير أشعة سينية أو مضادات حياتية، أو من غير كهرباء أو شبكة اتصالات عالمية (إنترنت)، أو من غير تقنية رقمية أو طائرات. خيالك هذا سيصفُ لك بالضبط ماكانت عليه حياة البشر قبل قرن ونصف القرن من يومنا هذا.

الشغف هو المفتاح لأن تكون عالِماً

الطريق لأية مهنة علمية طريق طويل تكتنفه مصاعب شتى؛ لذا كان الشغف عنصراً أساسياً في هذه المهنة. من غير الشغف، ومع تزايد وعورة الطريق سيفقد المرء حماسته وستضيع بوصلته. إذا اردتَ أن تكون عالِماً ستحتاجُ بالتأكيد لإكمال دراساتك العليا ثم يتوجبُ عليك أن تتبعها بدراسات مابعد الدكتوراه، وعليك أن تتوقع قدراً من المداخيل المالية أقلّ ممّا يكسبه محلّل نظم حاسوبية أو سمسار أوراق مالية في البورصة أو مهندس في أي حقل هندسي. سيكون شاقاً عليك في بعض الأحايين أن تمضي حثيثاً في تحقيق أحلامك والإبقاء على شعلة تطلعاتك حية متوهجة بفعل ضغوطات شتى؛ لكن لامناص من تدريب نفسك على مواجهة مثل هذه الضغوطات لأنك تعرف أنّ بوسعك إحداثَ فرقٍ في هذا العالم، ولستَ واحداً من هؤلاء الذين لايعنيهم شيء سوى الحصول على مرتّب مالي نهاية كلّ شهر.

بقدر مايختصُّ الأمر بي فإنني أعملُ في حقل العلم لأنني لاأستطيعُ تخيل نفسي أعملُ في مهنة سوى العلم، وحتى مع كلّ العقبات الشاقة لهذه المهنة فإنني أرى في الأمر امتيازاً عظيماً عندما يقررُ المرء أن يكرّس حياته الكاملة للتفكّر بشأن عالمنا، وأن يتشارك مع الآخرين خبراته التي تحصّلها بجهد ومشقة طيلة عمله في حقل العلم والبحث العلمي.