باليت المدى: أعجوبة الطباعة

Sunday 14th of August 2022 11:23:30 PM ,
العدد : 5242
الصفحة : الأعمدة , ستار كاووش

 ستار كاووش

يعرف العالم إن تاريخ الكتابة قد بدأ في العراق، حيث إبتكرَ أبناء وادي الرافدين في الألف الخامس قبل الميلاد، أنواعاً من الأختام الطينية المنقوشة ببعض الرموز،

لغرض وضعها على الأبواب المخصصة لحفظ المؤن والسلع، ومع الوقت طوروا الأمر أكثر، حتى توصلوا لإختراع الختم الإسطواني قبل ٣٥٠٠ سنة قبل الميلاد، لتحمل الكتابة أجنحتها من العراق وتطير نحو كل المعمورة. هكذا إبتدأ أولئك الأجداد رحلة الحروف والكتابة وتدوين التاريخ. بعدها تطورت الكتابة كثيراً ومرت بمراحل عديدة وفي جهات مختلفة من العالم. وخلال هذا التاريخ الطويل ظهرت علامات مضيئة، ساهمت بخطوات ذهبية في تطوير الكتابة وإنتشار الطباعة والكتب التي تعتبر أساس المعارف والفنون والعلوم والديانات. ما دعاني لكتابة هذه الكلمات هو وقوفي اليوم في مكان جعل الحروف تطوف العالم وتبسط تأثيرها لمئات السنين. إنها مطبعة (بلانتاين موريتوس) التي تعتبر واحدة من أقدم مطابع العالم، حيث تأسست قبل أربعة قرون وأهدت العالم مطبوعات لا تحصى، وأعطتنا كتباً مذهلة وكذلك رسومات كرافيكية رائعة وأطالس للعالم وخرائط، وقواميس، كذلك الكثير من النوتات الموسيقية وكل ما يتعلق بثقافة الإنسان وعلومه وطموحاته وغايات الجمال التي يتوق اليها.

وسط مدينة أنتفيربن البلجيكية (كانت جزء من هولندا وما زالت لغتها الرسمية اليوم هي الهولندية) حيث سوق الجمعة الشهير، بقيت تلك المطبعة القديمة على حالها، وقد تحولت الى متحف. أجيال كثيرة تعاقبت ومئات السنين مرَّت، وما برحت هذه المطبعة واقفة كما تم بناؤها والعمل فيها في منتصف القرن السابع عشر، حيث أسسها كريستوفيل بلانتاين، وبعد وفاته تولى أمرها زوج إبنته يان موريتوس، لذا أخذت المطبعة تسميتها من إسميهما معاً.

كانت هذه المطبعة نقلة عظيمة ونوعية في الثقافة الانسانية، وهي من أوائل المطابع الخشبية في العالم، والمثير في الأمر إن كل محتوياتها مازات كما هي، حيث توزعت مكائن الطباعة في ذات الصالات القديمة، كذلك الحروف الطباعية وادوات التحبير ومسابك الرصاص وهذا أمر فريد حقاً. يُضاف الى ذلك وجود الكثير من الكتب التي طُبعت في القرون الماضية. وهذه المطبعة عبارة عن قصر منيف حَوَّلَهُ بلانتاين وقتها الى هذه المطبعة الشهيرة. ولم يتوقف الأمر عند الطباعة فقط، بل إحتوى هذا القصر على عشرات اللوحات لأشهر فناني الباروك الفلامنكيين، من ضمنها مجموعة خاصة من أعمال روبنز الذي ربطته صداقة وثيقة بصاحب المطبعة. كذلك يوجد ثلاثين ألف كتاب في صالة خاصة، وعمر هذه الكتب بضعة مئات من السنين، ويضافُ الى ذلك قاعة خاصة إحتَوَتْ على ستمائة مخطوطة تاريخية.

كل شيء هنا يشير الى التاريخ ويحكي قصة مئات السنين التي مرت على هذه المطبعة. أتأملُ الجدران المغطاة بالجلود واللوحات العظيمة المنتشرة في كل الصالات ، أنظر الى ذات الكراسي القديمة والسقوف وكل الأرضيات. تنقلت بين القاعات وأنا أشم رائحة التاريخ التي امتزجت مع عطر الورق القديم، وتخيلتُ عمال المطبعة قبل أربعمائة سنة وهم يتجولون بين المكائن ويثبتون الحروف يدوياً لتهيئتها للطباعة، يتطلعون الى بعضهم برضا، وهم ينظرون الى النتائج المذهلة التي يتحسسونها بين أيديهم، حقاً كان الأمر أشبه بالمعجزة والسحر، وكانت تلك الأيام نقلة عظيمة قامت بها هذه المدينة، نقلة جعلت للمدينة تاريخ ووضعت بين يدي العالم علوماً، فنوناً، ثقافة، كتب سياسية، روايات، رسومات غرافيكية مذهلة، وكانت تطبع الكتب بأربع لغات هي اليونانية واللاتينية والفرنسية والهولندية، ولم يخلو الأمر بالتـأكيد من طباعة الكتاب المقدس الذي طبع بأشكال وحجوم مختلفة وبطبعات لا تُعد ولا تُحصى، سواء تلك المخصصة للكاثوليك أو تلك التابعة للبروتستانت.

تعتبر هذه المطبعة (المتحف) أول متحف في التاريخ يكون تابعاً لليونيسكو، والسبب ببساطة هو ان كل المتاحف الباقية -رغم عظمتها- عبارة عن مكان موجود، ثم يُملأ باللوحات والاعمال الفنية التي يتم شراؤها وتجميعها من هنا وهناك، بينما هذا المتحف امازال باقياً هو ونفس محتوياته في ذات المكان منذ اربعمائة سنة، حيث نرى مكائن الطباعة الفريدة في ذات القاعات التي وضعت فيها في عصر الباروك، وهذا الأمر فريداً من نوعة، لذا إعتبرته اليونيسكو تراث عالمي. تحتوي مكتبة هذا المتحف على أرشيف كامل لكل الأوقات التي عملتْ فيها المطبعة، وقد إنتبهتُ الى أن عمال المطبعة كانوا يعملون ساعات طويلة، حيث كانوا يبدؤون عملهم في الرابعة صباحاً، ويتوقفون عن العمل في الساعة الحادية عشرة مساءً، لكنهم كانوا يحصلون على أجور عالية مقارنة بالمهن التي كان يمارسها الناس في ذلك الوقت.

أكملتُ جولتي في المطبعة، لأنتقل بعدها الى الحديقة الفارهة التي تقع وسط القصر، تأملتُ الحجر الأحمر للجدران التي تحيط بالحديقة، والتي شيدها الفلامنكيون قبل مئات السنين، ثم خرجتُ الى سوق المدينة الذي يحيط بالمطبعة ويعج بالناس والباعة وطاولات المقاهي التي إفترشت الرصيف. إخترتُ كرسياً وطلبتُ شراباً، وعيني مازالت تتأمل المطبعة العظيمة المنتصبة أمامي. ومع ضجيج السوق إستعدتُ من جديد عمال المطبعة وتَخَيَّلتُ أصواتهم وهم يترنمون بأغاني هولندية قديمة عند الفجر، وسط الأحبار والورق وصوت المكائن التي لا تكف عن الحركة.