باليت المدى: جمال عراقي في شمال هولندا

Sunday 1st of October 2023 10:06:37 PM ,
العدد : 5520
الصفحة : الأعمدة , ستار كاووش

 ستار كاووش

مصادر الجمال متعددة، لكن أكثرها أهمية برأيي هو ما يكمن بدواخلنا. فلو نظرتَ الى نفسك جيداً فستكون أنت مصدر الجمال، ولا تحتاج هنا سوى الى أن تفتح نافذتك الخاصة وتمضي في محاولاتك دون توقف لتصل في النهاية الى هدفك.

وهذا بالضبط ما قام به الشقيقان الموهوبان أحمد ومروان حسن عبود، اللذان يقضيان ساعات طويلة يعملان في مشغلهما ومكتبهما شمال هولندا، حيث يعملان بهدوء في ادارة مشروع جمالي لتصميم إكسسوارات من الفضة، تشبه تحفاً جميلة وفريدة. في هذا المشغل تحولت الفضة بين أيديهما الى أثمن من الذهب، بعد أن وضعا عليها تصوراتهما ولمساتهما الجمالية المستلهمة غالباً من تاريخ العراق حيث جذورهما، إضافة الى مصادر إلهام أخرى يجمعها الجمال والابتكار، مثل الزخارف العربية أو تفاصيل من العمارة الاغريقية، أو حتى من أشكال الآرت ديكو فهما، ثم يضيفان لكل ذلك لمساتهما الخاصة وتصوراتهما الجمالية التي تتماشى مع روح العصر. خطوط حادة لكنها تتقاطع مع بعضها بترف قلَّ مثيله في الاكسسوارات الرجالية التي ينجزونها بصبر ودقة وابتكار، لتكون النتيجة أشكالاً فنية باهرة وتصاميم رائعة إمتزجت فيها القوة مع الانسيابية، والأناقة مع البساطة، وروح العصر مع عطر التاريخ. وهكذا نرى إن كل ما يمر بين أصابعهما المبدعة، يتحول الى سحر في التصميم وجاذبية في الأناقة. يا للمشروع الرائع، وياللجمال العراقي الذي يبزغ في شمال العالم.

زرتهما في مكتبهما حيث التصاميم تملأ المكان، والرسومات الأنيقة موزعة هنا وهناك بإنتظار أن تجد طريقها للتنفيذ، وعلى الطاولات تخطيطات سريعة لأفكار قيد الدراسة. جلسنا نتحدث عن الآفاق المستقبلية والجمال الذي يكمن في التفاصيل الصغيرة. تابعت حديثهما وأفكارهما بإعجاب كبير، وتحسستُ كيف يمزجان الابداع مع الإستخدام اليومي. تجولنا في المشغل حيث كان صوت المغني الفرنسي إزنافور يملأ المكان، بعد أن دارت إسطوانته في جهاز الغرامفون. إزنافور يغني، فيما أنا أُراقب التصاميم التي ملأت المكان، واتطلع الى الاشكال التي أخذت أماكنها على الورق قبلَ أن تتحول الى تحف جميلة.

الولد على سر أبيه، هكذا يقول المثل، وها هما هذان المبدعان يبزغان بإبداعهما بعد أن تربيا وسط اللوحات والأعمال الفنية لوالدهما التشكيلي المعروف حسن عبود، وقد درس أحمد العمارة، فيما درس مروان التسوق والاتصال، ليجمعا أفكارهما الجمالية ويمضيا بثقة الشباب وعزم الموهبة لانتاج نوع خاص من الجمال وشكل جديد من الابداع. إبداع يكون بين الناس وفي أيديهم، ابداع يصاحب الانسان ويكون جزء من هوية العصر. فلا يمكن للفن أن يبقى بين القاعات والبيوت والمتاحف فقط، كذلك لا يمكن أن يكون محصوراً بين اللوحات والتماثيل، بل هو أكثر شمولاً وأكثر إتساعاً. فللجمال لغته الخاصة التي يمكن أن تتجاوز الأبجديات المتعارف عليها، ويمكن أن ينبثق حتى من الأشياء الصغيرة التي نستعملها يومياً، مثل الأساور والقلائد والاكسسوارات الأخرى.

ورشة الجمال هذه إسمها (ناين تو فايف) وهو في الحقيقة رمز لنوع من الفضة، كذلك يمكن أن يُقرأ الاسم بإعتباره الوقت الذي يقضيه الرجال في عملهم (من التاسعة صباحاً الى الخامسة مساءً)، وهذا ما يلائم هذه الأكسسوارات الرجالية التي يصنعانها بتأنٍ ودراية.

مرَّت المصوغات بمراحل عديدة في حياة الانسان، حيث كان الناس قديماً يصنعونها من الحجر والعظام وحتى النباتات، قبل ان تتحول الى المعادن النفيسة، وبالنسبة للعصر الحديث كانت الفضة خلال المئتي سنة الماضية حكراً على النساء، وها هي هذه المادة الساحرة تعود الآن لتستهوي الرجال أيضاً، ونرى كيف تتحول الى أساور وإكسسوارات جميلة، وخاصة اذا كانت من صنع يدي الأخوين أحمد ومروان، حيث تتحول الفضة الى مصوغات رجالية عصرية ونادرة، حملت أشكالاً جميلة وحلَّقَتْ بأجنحتها بعد أن نجحتْ في جلب الأنظار، لتعبر حدود هولندا نحو مناطق بعيدة من العالم وتحط بين أيدي ناس عرفوا قيمتها وسعوا للحصول عليها.

هكذا يمكن أن يتحول كل شيء الى ابداع لو نظرنا اليه من زاوية خاصة ووظفناه بطريقة جديدة. وإن لم تكن جميلاً، فلا يمكنك صنع الجمال، لأن الجمال هو مرآة لروح الانسان وخلاصة تصوراته ونتيجة فهمه للعلاقات بين الخطوط والحجوم والالوان. والابداع هو ان تحول المواد التي بين يديك الى أشكال تبهر العين وتمتع الروح وتُبهج الذائقة، وهكذا صارت الفضة بين ايدي هذان المبدعان كإنها كنوزاً صغيرة في حجمها لكنها كبيرة في ما تعكسه من إنطباع وبريق. أتمنى حقاً أن تكبر هذه المؤسسة، لتظل تمنحنا أشكالاً جديدة وجميلة وغير متوقعة. تحية لأحمد ومروان وهما يُشَيِّدان جنتهما العراقية في شمال العالم.