تطور الفن والعمارة في العراق

Tuesday 21st of November 2023 10:50:35 PM ,
العدد : 5556
الصفحة : آراء وأفكار ,

رفعة الجادرجي

( هذه المادة تنشر للمرة الاولى وهي من أوراق الراحل الكبير رفعة الجادرجي ، خصت المدى بها السيدة بلقيس شرارة )

لم يتبلور ظهور طبقة برجوازية في العهد العثماني، و لذا عند تأسيس الدولة العراقية، ضمن الاستعمار البريطاني، لم يكن هنالك دور لطبقة برجوازية تقود سياسة الدولة. و لذا أصبح غالب قادة الدولة العراقية ضمن الوصاية البريطانية، من رجال عسكر عثماني. فألفوا هؤلاء معوقاً في نقلة الدولة إلى نظام ديمقراطي، ربما توافق هذا مع المصالح الاستعمارية العسكرية البريطانية آنذاك. كما إن الشعب العراقي لم يكن متهيئاً لتأليف دولة تتمتع بالقليل من التقبل الديمقراطي، لذا لم تتقبل الطبقة الحاكمة، التي كان عدد كبير من قادتها عسكر في الدولة العثمانية. و لم تمتلك الأحزاب السياسية التي تألفت آنذاك خبرة في ممارسة السياسة، أو أن يكون لها دور فعال في إدارة الدولة. لذا كان نهج الدولة استبدادي في إدارة الدولة، و في التعامل مع الأحزاب الناشئة، في معظم الأحيان.

كانت الصناعة في دور النشوء، و لذا لم يكن هنالك دور سياسي للأحزاب التي تأسست و التي افترضت من حقها ممارسة السياسة، كما تمارس في أوربا. و ينطبق ذلك على النقابات العمالية الناشئة، و الحزب الشيوعي أيضاً، حيث كان سلوكهم السياسي و الدفاع عن حقوق العمال، كما لو أنهم كانوا يعيشون في بلد صناعي. فالعمال بالحقيقة كانوا جهلة، أقرب منهم إلى طبقة الفلاحين. لذا كانوا يقودون مواجهة الصناعة الناشئة، و المطالبة بحقوق لم تتبلور قاعدتها بعد. فكان نهج أصحاب العمل و قيادة الدولة الحديثة، من قبل عقل عثماني، ضد العمال و النقابات و الأحزاب السياسية عامة، و خاصة التقدمية منها. إذ كانت السلطة، لا أكثر من مخلفات العسكر العثماني، التي تبلورت قيادتها بشخص نوري السعيد.

كان يستنفذ الحزب الشيوعي كثير من طاقاته الموجهة ضد “الطبقة البرجوازية”. و هو حزب مؤلف من قادة لم يتمتعوا بغير التعليم التمهيدي، بسبب إرهاب السلطة، حيث لم يتمكن من مقاومة إرهابها، سوى قادة شعبيين شبه متعلمين.

لذا قبل أن تتبلور الصناعة، و تظهر البرجوازية كقوى سياسية فعّالة، كانت معركة الحزب أشبه بمعركة ضد شبح، قائم على الورق. إذ كانت الطبقة البرجوازية في بداية ظهورها للوجود. فكانت واقعية معركة الحزب الشيوعي، ضد فئة في دور تكوين طبقة برجوازية لم ترتقي إليها بعد، و فئات ليبرالية لم يتبلور تكوينها و قدراتها الاجتماعية و المعرفية أيضاً. كما كانت السلطة بصيغتها “العثمانية” تحارب أي تكوين سياسي كان في دور النشوء. فلم تنموا صناعة متطورة بعد بحيث تتطلب ظهور طبقة برجوازية لتقوم بإدارة مصالحها.

- الحرفة و إبتكار الفن

يفترض إبتكار الفن و إدامة إنتاجه، توفر حرية إرادة الفرد، حيث يمنح الفرد الذي يتمتع بقدرات الابتكار، حق منح الحرية لذاته، خارج مجال التقاليد الحرفية و قيودها. يسخر هذا الفكر المبتكر هذه الحرية في التعبير عن هوية الذات. و بهذه الحركة يتمكن الارتقاء من مقام الحرفة، إلى مقام أو قدرات الفن و مقام الفنان. لذا كان أول ظهور للفن في المجتمع الإغريقي، بسبب منح هذا المجتمع إرادة الفرد حرية التفرد.

غير أن مع الردة الفكرية التي جاءت بها الإبراهيميات، و امتدادها لتؤلف القرون الوسطى في أوربا، توقف ظهور الفن و هيمن العمل الحرفي في عالم القرون الوسطى في أوربا و العالم الإسلامي. كذلك للسبب نفسه لم يظهر الفن في الإمبراطورية العثمانية، إلا بعض الاستنساخ المتدني عن فنون طرز عصر النهضة. هكذا كان الأمر في عالم القرون الوسطى، بالرغم مما حققه الحرفي في مجال العمارة و النحت و الجداريات، حينما كان الحرفي سيد إرادته. و حيث كانت الحرفة، و ما لديها من قدرات الابتكار هي التي تقود الحضارة، و تبعا لذلك في مجال الاستمتاع بالوجود أيضاً. إذ أن هناك تباين كبير بين عمل الحرفي في مقابل عمل الفنان. يرجع سبب ذلك إلى إن الفنان يمنح لنفسة حق التفرد و الشك و حرية الابتكار. بينما الحرفي يلتزم بمرجعية معرفية لا يمنح لنفسه الحق في تجاوزها، هذا بالرغم مما يتمتع به من قدرات معرفية و تكنولوجية. لذا لا يظهر الفنان في مرحلة ما أو في مجتمع، إلا بعد تطور سيكولوجية المجتمع حيث يصبح من الممكن أن يتفرد الفرد و يمنح لذاته حرية التفكر. إن حياة الفرد في الوجود قصيرة و عبث، ما لم يقدم و يستمتع بهذا الوجود. فالفن عامة و العمارة الجيدة هما خير أداة للاستمتاع المهذب.

هكذا كان الوضع في العراق معتمد على الحرفة، قبل هيمنة الاستعمار البريطاني، الذي قام بتأسيس المدارس خارج هيمنة إيديولوجية وعض الجوامع، فأرسلت البعثات الدراسية إلى أوربا لدراسة الفن. وظهر ضمن هذه الحركة، من بين العراقيين، ملكات فنية متميزة.

كما ظهر في بداية هذه الفترة الوجيزة خمسة فنانين متميزين بقدرات فنية طليعية. مما أدى إلى تأسيس بداية ظهور الفن في العراق، حيث قاد هؤلاء تطور الحركة آنذاك.

تمتع كل من هؤلاء الفنانين بقدرات أبتكاريه تفردوا بها. وهم: فائق حسن، جواد سليم، خالد الرحال، محمود صبري و محمد غني، ومن ثم ضياء العزاوي و إسماعيل فتاح. هذا لا يعني أنه لم يظهر مدرسون جيدون لدراسة الفن، أجادوا في التدريس و تهيئة البيئة الفنية. ساهم هؤلاء المدرسون في ترويج الفن، و دعموا تطور رؤى و تكنولوجية الرسم و النحت. ربما أهمهم كان: عطا صبري و حافظ الدروبي، و إسماعيل الشيخلي و أكرم شكري و جميل حمودي، و غيرهم، هذا إضافة إلى دور القادة الذين أشرت إليهم. عمل غالب هؤلاء الفنانين كذلك كمدرسين في مدارس الدولة. لم يحصل أي تناقض بين هذا التوظيف و التعبير عن قدراتهم الفنية، بل كان عاملاً مساعداً، حيث تمكنوا من تأمين قوت معيشهم، في مجتمع لم يتعرف على الفن سابقاً، و لم يكن جزءاً من كلجرياته. إذ كانت معظم جدران بيوت بعض الطبقة الميسورة، مزينة بآيات قرآنية أو بمستنسخات صور أوربية متدنية.

فتمتع هؤلاء الفنانين بالفرصة المناسبة، أولا، لتطوير مواهبهم من غير العوز لقوت المعيش. فكانوا في مجال التدريس يعرضون، و يدرسّون تكنولوجية فنية لم يطلع عليها الشعب العراقي من قبل، إلا قلة صغيرة منهم. و ظهر مع الزمن، عن طريق التدريس و عرض معارضهم الدورية لفن الرسم و النحت، زبون عراقي يقتني القطع الفنية في الأربعينيات من القرن الماضي.

كما ظهر في الوقت نفسه معماريون أسسوا مكاناً لدور المعمار، و هم أحمد مختار إبراهيم و مدحت علي مظلوم و جعفر علاوي و محمد مكية و قحطان عوني و رفعة الجادرجي و قحطان المدفعي و هشام منير.

أسست الإدارة الإنكليزية قبل هذا المخاض، الكثير من قواعد إدارة الدولة الحديثة، التي تمثلت في إدارة البريد و دوائر الأشغال و المالية و الجيش و الشرطة و التعليم و المجلس النيابي و غيرها. أصبح العراق منذ أن استقل نسبياً حراً عن الإدارة المباشرة للسلطة الانكليزية. فظهرت طبقة من المتعلمين. كما ظهرت مجموعات متعددة من الأحزاب مؤلفة من فئات قومية و ديمقراطية و ليبرالية و شيوعية. كانت هذه الفئات في خصام مع بعضها البعض، مع ذلك كان خصامهم نسبيا سلمي، و له الدور الأول في تأسيس ممارسة السياسة.

كما كان لبعض هذه الفئات دور فعّال، في دعم النهضة الفنية و المعمارية، التي نمت و أسستها وزارة المعارف عن طريق البعثات التي أرسلت إلى أوربا لدراسة الفن و العمارة.

و عندما احتلت انكلترا العراق مرة ثانية في الأربعينات، أي مرحلة الحرب العالمية الثانية. أقدمت مؤسساتها على ترويج الفن. فكان للمعماريين دور مباشر و فعّال في دعم المعارض الفنية. كما أدت نشاطات المعاهد الثقافية الانكليزية و الفرنسية إلى تنشيط حركة فنية عن طريق إقامة المعارض الفنية، و عرض الأفلام الكلاسيكية، و قدوم فنانين و علماء بإلقاء محاضرات عن مختلف المواضيع.

اجتمع الفنانون ليألفوا جماعة الرواد، و كان معظمهم أصدقاء الرسام فائق حسن. و تبنوا اسم الرواد، باعتبارهم كانوا يذهبون إلى الريف بهدف رسم مناظر في ضواحي بغداد. و توسعت حلقتهم خلال الحرب. و أخذوا في الخمسينات، يجتمعون دوريا غالبا في دار فائق حسن. و عندما التحق رفعة الجادرجي، و قحطان عوني و محمود صبري بهذه المجموعة، استهل النقاش، بالاشتراك مع يوسف عبد القادر و قتيبة الشيخ نوري، عما يتعين أن تكون وظيفة الفنان في المجتمع. و اشتد النقاش بين الجماعة، و في المحصلة انسحب جواد سليم و قحطان عوني ليؤلفا جماعة بغداد.

تباينت هذه الشخصيات الفنية، في طراز عملهم الفني و المعرفي و الثقافي، و كذلك من حيث المزاج و أسلوب الرسم: فجواد سليم مثقف ثقافة عالية في تاريخ تطور الطرز الأوربية، يتمتع بقدرات عالية عامة في تقنية الرسم و وسع المخيلة. أما فائق حسن فيتمتع بقدرات فائقة بتقنية الرسم، و يجيد خالد الرحال تقنية الرسم مع مخيلة واسعة، لكنه شخصية غير مستقرة. أما محمود صبري، فكان خبيرا اقتصاديا، يهوى الرسم، مع قدرات تقنية أولية في بدء ممارسته. إذ كانت أعماله تعّبر عن موقف سياسي واضح، و هو نضال الحركة العمالية، باعتباره كان عضواً في الحزب الشيوعي. و نتيجة المثابرة و التمرين على الرسم لعدة سنوات، تقدمت قدراته و أصبح يتمتع بقدرات تقنية فنية مميزة، ليؤلف القيادي الرابع في مسيرة فن الرسم في العراق. كان محمود مستقيماً في موقفه من فن الرسم، و لذا لم يتأثر بالحركة السوفيتية، بالرغم من انتمائه السياسي، و لم يساوم على هذه الاستقامة طيلة حياته.

لم تتمكن العمارة اللحاق بفن الرسم إلا في أوائل الخمسينات، متمثلة بتجارب عمارة رفعة الجادرجي في مجال معالجة هموم حرارة المناخ، و من ثم هموم هوية المحل. و من ثم بادر قحطان عوني في مسيرة النهج نفسه، و أخيرا التحق بهم د. محمد مكية. و أصبح هؤلاء في خط معرفي و فني مواز مع الرسم، و أحيانا متداخل، يتمثل بأعمال قحطان عوني. كان قحطان رسام، يشترك في المعارض كغيره من الرسامين الآخرين. كما كان معظم المعماريين أصدقاء الرسامين، و مساهمين معهم في تطور التنظير في مجال الفن. و المعماريون هم: قحطان عوني، مدحت علي مظلوم، عبد الله أحسان كامل، رفعة الجادرجي، د. محمد مكية.

ساد تعتيم على الفكر في العراق منذ أواخر الثمانينات، خمد الابتكار. و بعد الاحتلال الأمريكي، عم الظلام، فنشط البكاء على القبور، و ارتفع صوت الوعظ و أطفأ قدرات الابتكار الفني و المعماري.

ليس من حق العراقي أن يفتخر بتراثه الفني و المعماري، سواء أكان سومري أو بابلي أو إسلامي، ثم يغفو تحت ضلال الغيبيات التي تروجها الأساطير و الأوهام و وعاظ الجوامع. بل عليه أن يكون جريئاً و يمنح الحرية لإرادته و يتجاوز كلجريات البكاء على القبور، كما يتجاوز الالتزام بتقاليد عفا عنها الزمن، و طمرتها الحداثة. لذا عليه أن يدرس و يبتكر، و يفتخر ليس بعراق الماضي فحسب بل بعراق حديث، بعيد عن الكآبة و البكاء، عراق يحتضن الغناء و الرقص و المسرح، و يفتخر بما ينتج من فنون طليعية و عمارة متميزة.