خذوا حصتكم وانصرفوا

Sunday 13th of January 2013 08:00:00 PM ,
العدد : 2699
الصفحة : الأعمدة , علي حسين

نراهم في كل مكان يدافعون عن عدم الكفاءة، يقولون إن المالكي ليس مسؤولا عما يجري، وإنه ورث دولة مثقلة بالفساد والخراب، ويقولون أيضا إن نقد رئيس الوزراء وسياساته الخاطئة، هو نوع من الحقد والحسد، إن لم يكن تنفيذا لأجندات أجنبية.. لا يريدون ان يعرفوا ان الكفاءة تعنى النجاح في إدارة الأزمات والقدرة على تقديم مبادرات، وهذا مثلا ما جعل مانديلا يرفض أن يبدأ حرب الانتقام ضد البيض الذين عذبوه، ليفاجئ العالم بسياسة اليد الممدودة.
ماذا فعل المالكي والمحيطون به، ما المبادرات التي قدمها رئيس وزراء البلاد ومقربوه وحكومته غير التضييق على الحريات، ومحاولة إصدار قوانين تعيدنا الى عصور مضت، وتشجيع اللصوصية والانتهازية والرشوة والتزوير..، بالإضافة طبعا إلى الشهوة التي لاتفارقهم في إعلان دولة الرأي الواحد.
ماذا فعل المالكي ومقربوه غير التسلط وفرض السيطرة والوصاية على الناس، واستنساخ نظام استبدادي، وأضافوا إليه مفهوما جديدا بأنهم يعيشون في ظل "مختار العصر".
ونراهم في كل يوم يخرجون علينا بنظرية جديدة في عالم السياسة، وكان آخرها أن يصبح البرلمان تابعا مطيعا لمكتب رئيس الوزراء ولتوجيهات الشيخ خالد العطية.. فطالما أن مجلس النواب مجلس منتخب من الشعب، ولم يتم تعيينه بجلسة سمر بين رؤساء الكتل السياسية مثل الحكومة فمن حق أعضائه أن يتقاضوا رواتب ومخصصات، وأيضا من حقهم أن يدخلوا في نقاش حامي الوطيس شرط أن يبقى خلف أبواب البرلمان، ومن حقهم أن يصرحوا للفضائيات، ولكن ليس من حقهم التدخل في عمل الحكومة.
ففي تصريحات كوميدية، خيرتنا المرأة الحديدية في ائتلاف دولة القانون حنان الفتلاوي بين حل البرلمان وذهاب النواب إلى بيوتهم آمنين مطمئنين، او انها ستفجر البرلمان على من فيه.. طبعا حملة الفتلاوي تأتي متزامنة مع دعوات أطلقها المالكي يطالب فيها النواب بالكف عن التدخل في شؤون الدولة ولا ننسى مقولته الشهيرة قبل أشهر ”البرلمان يتدخل بقوة في عمل الحكومة ” ومع محاولات تحييد البرلمان لم ينس المقربون من تذكيرنا بأحقية السيد رئيس الوزراء بالسيطرة على هيئة النزاهة والبنك المركزي وشبكة الإعلام.. لان القانون منحه هذه السلطة حسب ادعاءاتهم. طبعا السادة المقربون يستندون في نظريته السياسية هذه على قانون "التغول" وهو قانون يرى أن الحاكم خارج المجموعة التي يتألف منها المجتمع، تضعه فوق الجميع وخارج القوانين التي يدين بها المجتمع، ولعل قرار منع البرلمان من ان يضع انفه في عمل الحكومة، وهي نظرية تدخل في باب جديد اسمه فصل ”التجميد” وهو الفصل الذي سيجمد فيه المالكي الآخرين اذا حاولوا يوما الاعتراض على سياساته، ورغم غرابة النظرية، فسنجد هناك من يصدقها ويقع في حبائلها، وهم طبعا لفيف من المبشرين بالنعم والامتيازات الذين يفهمون السياسة على أنها تسلط.. ناسين أن السياسة الحقة هي اعتراف بوجود الآخرين وأحقيتهم في المشاركة، لهذا فإن كلام السياسي يظل محل مراجعة عكس كلام المتسلط الذي يعتقد ان كلامه أشبه بالوصايا والحكم التي لا يمكن مراجعتها.. فهو مختار هذا العصر الذي سيعيد الحق الى اهله.
بعد مظاهرات الجمعة علينا أن لا ننتظر إصلاحات ديمقراطية ولا قوانين تصب في مصلحة الناس طالما يريد لنا البعض من المسؤولين أن نبقى نعيش زمن القبضة الحديدية، ولهذا فنحن مجبرون على متابعة حلقات معادة ومكررة من مسلسل ساذج اسمه “من أحق بإدارة الدولة ”، حيث يظهر لنا المالكي وهو يمسك العصا لينهال بالضرب على كل من يخالفه، حتى يهزمهم شر هزيمة أمام الجمهور، فيما مقربوه ينتظرون منا ان نصفق بحرارة لهذا المشهد الذي يعلن فيه البطل انه قضى على كل المؤامرات، وان البلاد تسير في طريق العز والتقدم، وان الخونة ممن أرادوا ان يجعلوا من البرلمان سلطة رقابية هزموا شر هزيمة.
ولأصحاب هذا المسلسل المثير لا املك الا ان اعيد على أسماعهم ما قاله يوما الراحل محمود درويش
أيها المارون بين الكلمات العابرة...... احملوا أسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا ...... فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحيا كما نحن نشاء....... أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن أن تنصرفوا ...... وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا...... ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
 نعم خذوا حصتكم من دمنا.. وانصرفوا