عــن القصيــدة الجاهلية و ضرورة الانتبـاه

Saturday 16th of March 2013 09:01:00 PM ,
العدد : 2751
الصفحة : عام ,

  يستسهل بعضنا الحُكمَ على عمل، قصيدة، قصةً، أو أي تأليف هو يعتمد على قناعة شخصية مؤسَّسة على فهم نقدي محدد، بعبارة ثانية على إحالة لأسلوب ألِفَهُ أو منهج او مدرسة. لا يبدو هذا خطأً أو رأياً قاصراً، ولكن يتأكد خطأ هذا الحُكم حين يبتعد الكاتب مب

 

يستسهل بعضنا الحُكمَ على عمل، قصيدة، قصةً، أو أي تأليف هو يعتمد على قناعة شخصية مؤسَّسة على فهم نقدي محدد، بعبارة ثانية على إحالة لأسلوب ألِفَهُ أو منهج او مدرسة.
لا يبدو هذا خطأً أو رأياً قاصراً، ولكن يتأكد خطأ هذا الحُكم حين يبتعد الكاتب مبدعاً عما هو مألوف في الكتابة، حين يعمل في ضوء رؤية جديدة جاءت بها ثقافة الكاتب او اجتهاده، فهي تبدو عند ذلك كتابة غريبة او خارج ما اعتاده طارح الحُكم. العمل تميز واختلف والقارئ او الدارس يراه في اطار ثقافته، هنا يصبح الحُكم ضد الجديد او المختلف حكماً غير مناسب، وهذا ما يشكو منه الابداع عادةً.

من الاحكام التي اشاعها الغربيون عن القصيدة العربية الجاهلية، انها مفككة وانها تجميع لأفكار وحالات. فهي في رأيهم تبدأ بالنسيب – وهذا يبدأ بالبكاء او بالاسى على الاطلال ثم الانتقال الى الراحلة ثم وصف القبيلة وقبلها الناقة وقد ينتهي بفخر او مديح.
هذا كلام صحيح بوصفه كشفاً اولياً. لكنه غير صحيح لان الشاعر الجاهلي قد يعود في منتصف القصيدة الى الحبيبة مرة اخرى او الى ماضيه او الى من خلّفهم وراءهُ. وقد يتحدث عن نفسه ومشاغله ثم يواصل، ويُحدِثُ قطْعاً، ويواصل ويحِدثُ قطعاً وهكذا..
اذن هذا خرق اول للحكم ويتضمن استدعاءً لرأيِ معترض. الخرق الثاني: من قال ان القصيدة الجاهلية غير مترابطة؟ ثم الا يدل اختلاط ابيات هذه القصيدة بتلك على عدم سلامة الرواية وسلامة النقل؟ واحتمال سقوط بعض ابياتها من سماع الرواة؟ ثم اليست هناك فرصة "للقطع السينمائي" وتحريك الكاميرا، بلغة اليوم؟ لماذا لا نتوقف امام هكذا انتباهات او لقطات فنية، او قل هكذا نوع من "الاخراج"؟
الا يحصل في الفنون الحديثة، سرداً أو اخراجاً سينمائياً، ان تخرج عن الموضوع الاصل وتعود اليه وتتحدث عن شخصية ثم تتركها لتعود اليها من بعد او تنشغل في الطبيعة او تكون لك استعادات، ثم ترجع لتكمل؟ الا يقوم الفن الروائي والفن السينمي على هذه التقنية؟
ثم، اليس هو فناً يمكن فيه الانطلاق من مدائن قديمة، او خرائب لتصف مشاهد عشقية – هنا تعويض عن الخراب السابق- او بطولية – وهنا تعويض او رد فعل وتحد لعوامل اضرت وخربت؟ وفي قصص الحرب والافلام الحربية، الا نرى مثل ذلك : طلول، قتال، ومشاهد طبيعية ثم تذكّرات للحبيبة ولساعات لقاء حميمة يلوذ بها من الرداءة او الخوف والشراسة؟
هذا كله وارد وهذا ما نقرءه في الرواية وما نشهده في الافلام وما نسمعه من الذين واجهوا الاسفار والحروب. لماذا اذن لا ننظر للقصيدة الجاهلية بهذا التوصيف فتكون عملا متميزا له خصائصه المحلية بدلا من تكرار لما يقال عنها؟ ما يُقال محترم. ولكن الخطأ في تكراره كما هو من دون اعادة نظر، من دون قراءة ثانية. إذن، ما جدوى الغنى الثقافي والجديد في النظريات والافكار؟ بل ما معنى ان تكون دارسا جديدا او ناقدا معاصراً؟
سبب اطاحتنا بالقصيدة هو قراءتنا الاولى القائمة على فهم أولي راسخ. بعد ان كشفنا الخصائص والحقناها بفهمنا الجديد، اختلف الحكم وصار ما كان عيباً في القصيدة امتيازاً لها. بل ان ذلك يشجعنا ويدعونا لقراءات جديدة اخرى. فكما شهدنا ما عادت هذه التقسيمات او الاطر المنوعة، شكلياتٍ او  قوالب. هي ابواب مضامين لأدبٍ في حياة غير مستقرة وطبيعة ذات فضاءات شاسعة فيها احداث متفرقة ومشاعر، من ثمَّ، مختلفة وافكار واغراض اجتماعية. فيها ايضا داخل- "النفس" و خارج- "الطبيعة"- فيها انتماءات – الحبيبة، الحي، الاطلال .. وفيها غربة ولا انتماء – الصحراء والسفر وليس غير الناقة تقطع الصحراء. ليس صحيحا بعد هذا ان نرى في القصيدة تشوّشاً، كما يصفونه، وانحرافات وقفزات فكرية. هي تقنية ابنة زمنها وعالمها. وهي سمة ادبٍ هذه طبيعته..
والغريب اني لم اعثر حتى الان على دراسة حديثة تتناول الزمن الطويل الذي يمر على الشاعر المرتحل / الطريق الطويل / الصمت والوحدة ... حتى نقطة الوصول، والشاعر في كل هذا وحيد على ناقته. اليس طبيعياً ان يتذكر، ان يحلم، ان يلعن، ان يفتخر بنفسه لقدرته على الاحتمال والصبر ومواجهة المخاطر المفاجئة، ان يشغل كل هذا الفراغ وهذه المسافة؟ وهل غريب ان يعيد تأثيث الفراغ فيقدم ويؤخر ويستعيد ويرى مرئيات قديمة في فراغ ليس له شيء فيه؟
ثم لماذا لا نهتم بما للمرأة، المحبوبة، في القصيدة الجاهلية من حضور دائم وجميل؟ هي دائماً ملاذ من الوحشة وجمال في التيه وهي الخصب الوحيد في الحياة القفر والمكان القفر. أليست نقطة مهمة، ان جُلّ القصائد الجاهلية العظيمة، بل كلها تقريباً نجد فيها - المرأة الحبيبة- محتفى بها، متمنّاة وترد بالذكر الحسن الذي يجمع بين الجمال واللذة واحتياجات الروح؟ اليست هي صفة مشرفة وخاصة جدا انها تحتل مكان الصدارة في القصائد الجاهلية؟
لنُعِد النظر فيما نقرأ، فالنص، أي نص، يحتاج منا الى رؤية جديدة، الى احترام قبل ان نبدأ بالحديث عنه!
نحن لا نريد ان نخسر ادبنا في ضوء الدراسات الاجنبية الحديثة. الصحيح هو ان تتضاعف وتكبر قيمة هذا الادب بتضاعف وكبر ثقافتنا وحداثتها. شرط حصول هذا هو ان نرى ثانيةً لا ان نكرر اقوالا والا نرى بالمنظار القديم الذي اعتدنا عليه.
مثل هذا نقوله عن ادبنا الجديد وكتاباتنا. الا نحكم على نص نقرأه بالسياقات التي ألِفناها. ثمة جديد في الكتابة يتطلب نظراً جديدا قبل الحكم. لنفترض وجود تجديد، وجود ابتداع فعلينا الانتباه له ومن لا يملك قدرة على رؤية الجديد في النص لا يملك حق الحكم. ليكن قارئا عاديا له ذائقته وفهمه وله الاحترام ولا اعتراض لنا على ما يقول.
القراءة الثانية ، الرؤية الجديدة، مطلب اساس قبل الحكم. هذا هو ما نحتاج له حينما نقرأ عملا. لا نسارع بالاستهانة او التخطئة اعتمادا على ما ألِفنا وما في اذهاننا من معايير قديمة. لهذا نحن دائما، سواء كنا مبدعين او دارسين، بحاجة الى عون نقدي يزيل او ينوّع ثقافتنا الادبية. والقارئ الذي لا يمتلك قدرة اكتشافية هو احوج الجميع الى هذا العون. اعني النقد والدراسة الادبية. هما يكشفان له كلا الاتقان الفني واللامرئي من المعنى او المضمون. لا ادب بغير نقد ولا نقد ادبي بغير ثقافة ادبية متجددة. أيضاً لن يكون لنا قارئ جيد يقرأ نصوصاً لا دراسات ولا نقد ادبي عنها. الاكتفاء بالذات يعني قراءة واحدة. والفهم الجيد والاكتشاف يحتاجان الى قراءة ثانية (وخاصة) تعين على انبثاقها عادة قراءات اخرى.
فمهما اتسعت افهامنا يتسع الزمن ويتسع الكشف اكثر. ولهذا فنحن نحتاج الى سماحة فكرية، سماحة عقلية تفسح مجالا للامتوقع من اجتهاد المبدع. وبغير انتظار اللامتوقّع سنظل ضمن المألوف. ولهذا إضرار كبير بالنصوص وبأنفسنا اذ نطلق احكاماً قاصرة ونظنها في غاية الصواب. حتى الان انا اشهد ظلماً فادحا يقع على القصيدة الجاهلية وارى انها تحتاج الى مزيد من الاحترام ومزيد من الفهم. فما قيل فيها عطَّل قيماً وكرّس أخطاءً. كانت تلك آراء وأفكار والآراء والأفكار لن تكون الاخيرة عادةً في الدرس الادبي ..
مثل هذا تماماً اقوله عن نصوصنا الجديدة. لكم مثال على ذلك: أبدى صديق اديب اعجابه بمطولتي الاخيرة : "سقوط آخر القلاع"، لكنه ذيّل اعجابه بملاحظة قال: انها اعتمدت السرد الوصفي. قلت نعم. هذا ما اردت. ولكني اعتمدت تقنية سينمائية، اعتمدت على حركة الكاميرا، فقدمت لقطات، صوراً من بدء القصيدة الى نهايتها: من الدبابات الزاحفة الى الزعيم المحاصر الى الطائرة المجهولة تقصف الدفاع أو القلعة الى الامريكان وآلياتهم الى صور الناس يحملون المسروقات من القصر الرئاسي الى القماصل المحروقة المعلقة بالابراج الى الوطواط الذي ظل يدور الى الاشجار الساقطة على الشوارع والى، اخيرا، دبابات الامريكان رابضة في الساحات والحدائق العامة ثم الدعوة للذهاب الجماعي الى النهر لنغسل ايدينا ... انا كما ترى اشتغلت سينما! هنا صافحني صديقي معتذرا بعبارة .. ما "انتبهت"! ولكن ما نحتاج له في الكتابة وما نحتاج له في القراءة وفي الدرس الادبي هو الانتباه!