في مديح الماء والملح والشمس المحرقة

Tuesday 20th of August 2013 10:01:00 PM ,
العدد : 2871
الصفحة : الأعمدة , طالب عبد العزيز

أكثر من 100 كلم يبعد بحر الفاو عن البصرة، وبمثل المسافة هذه يبعد بحر أم قصر وخور الزبير، لكن الرطوبة ورائحة ألواح السفن وزفرة السمك وصيحات البحارة هناك، تدخل بيوت المدينة كلها، كلما هبت الريح شرقية من جهة الخليج. وما يتضايق الناس منه من رطوبة وملوحة تخففه وفرة السمك ورخص الطيب من أنواعه التي تبلغ ذروتها في الأيام الأخيرة من شهر آب، حيث يصعب خزنه لفترات طويلة داخل سفن الصيادين. وما يعاني منه سكان المدينة من حر ورطوبة وملوحة أيضا يفرحُ به أهل أبي الخصيب الذين لا ينضج تمرهم البرحي إلا في الأيام الحارة الرطبة القائضة، ولا ترتفع أسعاره إلا والدنيا شمس متعامدة على الرؤوس.
لا تشبه البصرة مدينة عراقية أخرى، ولا يمكن مقارنتها بأية مدينة على الخليج، فلا بحر لأحد من العراقيين سوى الذي في البصرة، ولا مد ولا جزر إلا في أنهارها الألف، ولن يكون البرحيُّ المقلوع من بساتينهم، المغروس في غيرها رُطباً، تمراً، عسلاً هناك، مهما بالغ زارعوه في غير أرضهم بوصف حلاوته، لن يبلغوا نصف حلاوته التي هنا، مهما عَذُبَ الماءُ وطابت الريح وتفنن غارسوه في ريِّه ورعايته والاهتمام به، فالماء المالح والرطوبة والحرُّ والشمس المتعامدة سرٌّ من أسرار نضجه وطيبة طعمه، واكتمالُ أفلاكه التي جلبت لأهله حلاوة اللسان وطيب الَّنفّس، وسماحة الروح وزينة الأهاب.
قبل ثلاثة أعوام كنت في "الجنادرية" بالمملكة العربية السعودية ومن اشتراطات ضيافتهم هناك تقديم نوع من التمر بعد القهوة، تمرٌ اسمه (إخلاص) نوعٌ يشفُّ مثلما البلور، يُشبه في شكله البرحي البصري، طيّبٌ ومذاقه حلوٌ لكنهم –الأصدقاء- في السعودية يعترفون بأنه لا يبلغ نصف طعم البرحي الذي لدينا في البصرة. يقولون بان ماء شط العرب واحد من أسراره. والبصريون يشترون السمك المستورد من إيران ودول الخليج وغيرها، حين يشح السمك في بحرهم الضيق البعيد، ويشترون الطماطم والخيار والخضار مما تنتجه بساتين أهلينا في الحلة وكربلاء وسامراء لأنها تشح في بعض مواسمهم هنا، لكنهم يُجمعون على أن الذي يغرس ويزرع في أرضهم ويسقى من مائهم وتحرقه شمسهم لا تمكن مقارنته بأي مما يزرع بأرضين الناس. حتى الرطوبة وملوحة الماء والشمس المحرقة لها طعم أخروي، فردوسيٌّ، لديهم. هناك عشق للإذلال الذي لا تفتأ الطبيعة تجود به.
ثمة روائح كثيرة لا يستطيبها أحدٌ من غير البصريين، منها رائحة دهان السفن "والمهيلات" المصنوعة من الخشب، سفن صيد الأسماك ومهيلات نقل التمر والفاكهة والخضار ولمن مرَّ سائحاً على كورنيش شط العرب، عند نقطة التقاء نهر العشار بالشط العظيم، قرب سوق الجملة (العِشْر) المقابل لمبنى شركة التمور العراقية-هي أثر بعد عين الآن- في مثل الأيام هذه، سيتذكر الرائحة تلك، رائحة الخشب المطلي بزيت كبد الحوت، (الكوسج). كان أبي يسمّيه بـ(السَّيرج) لعله لا يتذكر معنى عربياً له. هناك سحر كامن في الرائحة تلك، هي مزيج من رائحة عفن خشب نديان، رطْب، قلبته طويلاً أكفُّ الأمواج، وهي مزيج من رائحة ملح فطير لما ينضج بعد، أصدافٌ وقواقعُ علقت بالبدن المغزلي الطافح، علقت به عبر تردادها في الأزمنة، عبر تحولها في المد والجزر، أشنات شواطئ فسيحة امتدت من رأس البيشة في "محنتيني" حتى جسر الخندق ونهر عمران، صعوداً إلى حيث يلتقي الدجلتان، رائحة زمن عبقري مضى، رائحة ملاحين مهرة جابوا البحار والأنهار، وتطلعوا عميقاً في الظلال. هذا بعض مما يتملكني إحساسه العميق، في ذروة صيف البصرة.