البطاقة المدرسية .. الحاضر الغائـب في مدارسنا

البطاقة المدرسية .. الحاضر الغائـب في مدارسنا

على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاماً على تطبيق تجربة البطاقة المدرسية في مدارسنا، إلا أن النتائج كانت مخيبة للآمال، إذ كشفت السنون أن البطاقة المدرسية التي تعـد أهم دلالة ثبوتية في حياة الطالب الدراسية ، تؤرخ مسيرته التعليمية والعلمية، ومعلومات عن حالته الصحية، والابداعية، والسلوكية، من الممكن الإفادة منها كمؤشر بياني في حياة الطالب في جميع المراحل الدراسية التي يمر بها، بدءاً من مرحلة الابتدائية مروراً بالمتوسطة ثم الإعدادية ، وبعدها الجامعية، لا تلقى ذلك الاهتمام من معظم ادارات مدارسنا، لهذا كانت نسياً منسياً! فظلت وريقات لا حول لها من قــوة، تنتقل مع الطالب أينما ذهب في دراسته، لتضع على رفوف قلـَّما تذكر، وإن ذكرت فتسطـَّر عليها معلومات روتينية معتادة من دون الرجوع للطالب صاحب الشأن وتترك كأرشيف مهمل. 
 
 
تجربة ناجحة ولكن !
عدد من التدريسيين والتربويين في مدارسنا وجامعتنا كانت لهم آراء إزاء ما تعرضت له البطاقة المدرسية من إهمال وإغفال إدارات المدارس عنها، بل تجاهلها وتهميشها والحط من قيمتها، إذ يقول المتخصص في مجال العلوم التربوية والنفسية د. كريم فخري هلال: إن ولادة البطاقة المدرسية كانت في السبعينيات من القرن الماضي، حينها شكلت لجنة من قبل وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والمتخصصين في الإرشاد التربوي، والتوجيه النفسي لإعداد بطاقة مدرسية، لافتاً: أن التجربة اختصرت آنذاك على عدد من المدارس الثانوية والإعدادية في بغداد، وبعد نجاحها عُمِّمت على المحافظات.
وأوضح هلال: أن عوامل كثيرة أسهمت بعدم فعالية البطاقة المدرسية وفشلها، منها عدم وجود مرشدين تربويين اختصاص، مشيراً: أن البطاقة المدرسية تحمل في طياتها الكثير من الأمور السرية، التي لا يطلع عليها سوى المرشد التربوي، الذي من المفروض منه أن يبحث مع الطالب المشاكل الاجتماعية، لغرض معالجتها، منوِّهاً: من المفروض لزوماً ان تظل مثل تلك المعلومات طي الكتمان والسرية في العمل لكن الحقيقة تقول إن البطاقة المدرسية مكشوفة للكثير من التدريسيين، ما أدى بالطالب عدم البوح بأسراره لدى المرشد التربوي خشية افتضاح بعض من مشاكله وأسرار شخصيته. 
وأضاف هلال: إن الجامعات على الرغم من تخريجها لطلبة بعلم النفس، لكنهم غير مؤهلين لعملية الارشاد والتوجيه النفسي في المدارس بسبب طبيعة مناهج قسم علم النفس بكلياتنا التي لم تتناول موضوعة الارشاد والتوجيه النفسي الذي يُشكل هذا الاختصاص ركناً أساسياً في العملية التربوية.
 
يوم للبطاقة المدرسية
أما معاون ثانوية الوائلي للمتميزين في مدينة الحلة الاستاذ مهند شاكر اشار بحديثه لـ(المدى) إلى الآلية الواجبة للعمل في البطاقة المدرسية بقوله: إن المشرف التربوي في المدرسة تقع على عاتقه تنظيم البطاقة المدرسية مع مرشدي الصفوف وتُملأ من قبل المدرس أو مرشد الصف، مستدركاً: لكن ذلك لا يحدث بصورة دقيقة، بسبب عامل الزمن.
وأوضح شاكر: ان المدرس مشغول بالدرس طيلة مدة العمل، كما ان عدد الطلاب الكبير الذي يحول دون ملئها بدقة ،لاسيما وان بعض فقرات البطاقة يجب أن تُملأ من جهات وأشخاص غير المرشد التربوي.
لكن الباحث التربوي عماد الأعرجي يؤكد هنا انه من اجل معالجة تلك المشكلة يجب الزام المدرس او المعلم بتفرغ يوم واحد في الاسبوع للعمل في المدرسة من دون دروس وصب عمله في ملء البطاقة المدرسية لاسيما وان اغلب المعلمين والمدرسين يتمتعون بأيام لا يذهبون فيه الى المدرسة بسبب طبيعة الجدول وجعل يوم من هذه الايام يوم عمل يكفي لمعالجة قضية البطاقة المدرسية.
 
افتقارنا للثقافة المجتمعية
أما الأكاديمي د. داخل ناصر فقد أكد بحديثه لـ(المدى) أننا نفتقر إلى الثقافة المجتمعة في هذا المجال، داعياً: الى ضرورة وجود دورات خاصة في التعريف بالبطاقة المدرسية، بمشاركة جميع معلمي ومدرسي المدارس . لافتاً إلى أن جامعة بابل ستشكل لجاناً لهذا الغرض، وتنفذ ورشاً علمية لبحث ودراسة البطاقة المدرسية، وتقييمها، وتقويمها. ومن ثم إرسال تقرير نهائي إلى مديرية التربية لغرض تصحيحها.
كما اقترح ناصر على المديرية المذكورة تشكيل لجان لتدقيق البطاقات المدرسية في المدارس وتضع برنامج عمل لها، منوهاً: الى ضرورة مشاركة الصحة المدرسية في تثبيت المعلومات الخاصة بصحة الطالب بشكل دقيق ، لكي تتعرف الجامعة بعد ذلك على وضع الطالب الصحي ، ومعرفة العاهات الجسدية.
 
طبيب بيــد واحدة
من جهتها أوضحت المشرفة التربوية لمى خضير عباس لـ(المدى): أن صحة المعلومات في البطاقة المدرسية ترتبط بمدى جدية ادارة المدرسة في متابعة احوال الطالب، وتسجيلها بدقة في البطاقة المدرسية. مشيرة بذلك إلى وجود بطاقات مدرسية لطلبة لم يتم ملؤها على الرغم من تخرجهم من المدرسة، اذ أسهم في ذلك ضعف تأثير البطاقة المدرسية في حياة الطالب الذي لم يرَ أية نتيجة أو فائدة يستحصلها من البطاقة المدرسية. 
المرشدة المُدرِّسة رؤى أسعد ماجستير علم النفس التربوي دعت من خلال (المدى) الإعداد والتدريب في مديرية بابل إلى عقد دورات مستمرة خاصة بآلية ملء البطاقة المدرسية من قبل المشرفين التربويين، مبينة: أن بعض الطلبة يعانون من عاهات جسدية، ولكن تسجل حالتهم في البطاقة المدرسية "سليمة"، ليظل الحال هكذا فتتفاقم حالتهم، ويذهب البعض منهم إلى الجامعة، لتبدأ رحلة المتاعب نتيجة ذلك. مستطردة: وهذا ما حصل لطالب معاق في إحدى يديه قـُبـِل في كلية الطب، حيث تطلب منه في تلك الكلية استخدام كلتا يديه في عمليات التدريب والتشريح! 
 
البطاقة الجامعية 
الى ذلك اشار مدير التسجيل في جامعة بابل د. صفاء الحفيظ لـ(المدى) إلى مكامن الخلل بالبطاقة المدرسية: أن بعض الطلبة يقبلون في الجامعات ونسبة العجز تصل إلى (60%) وفي أقسام دراسية بحاجة إلى سلامة الجسم والعقل، وهذا بسبب الإملاء العشوائي للبطاقة المدرسية، مضيفا: كما أن اغلب المدارس لا تدعو الصحة المدرسية للمشاركة في ملء البطاقة المدرسية، مما تسبب في ملء المربعات الخاصة بصحة الطالب من قبل معلم أو مدرس المدرسة، من دون النظر إلى حقيقة وضع الطالب الصحي. 
ويوضح الحفيظ أن من مستلزمات التسجيل في الجامعة سلامة الصحة للطالب، مشيراً: ان جامعة بابل قامت بأستحداث (البطاقة الجامعية) للطالب ، معلناً في ذلك عن مشروع تشكيل لجان اختبار في المجموعة الطبية باشرت عملها في هذا العام للوقوف على صحة وسلامة الطالب للدراسة في مجال الطب. 
 
المشكلة في التطبيق
أما عميد كلية العلوم الدكتور حيدر كامل زيدان فقد أكــد لـ(المدى) أن البطاقة المدرسية وجدت لتكون تاريخاً شاملا للطالب ولكن في النتيجة أن هذا التأريخ تنقصه الكثير من الحقائق والمعلومات المهمة عن نشاط الطالب وكفاءته العلمية، ورغباته وميوله، وحالته الصحية. والسبب أن معظم البطاقات المدرسية تُملأ بشكل افتراضي!
أما مديرة إعدادية بابل المهنية السيدة فضاء غني عوض فقد أشارت لـ(المدى) أن جميع فقرات البطاقة المدرسية جيدة، وتعطينا صورة واضحة عن شخصية الطالب، لكن المشكلة في تطبيقاتها، فالمدرسة لا تهتم بهكذا جانب من الطالب، وغير مراعية لاهتماماته الشخصية. وأوضحت أن أعداد الطلبة شكـّل حائلا دون إملاء البطاقة المدرسية بشكل صحيح.
 
الطالب سبب آخر في القضية
وكشف الطلبة حقيقة ما يجري من تقديم معلومات مضللة وغير حقيقية يقدمها الطالب عن حالته الاجتماعية والصحية للقائم على املاء المعلومات سواء كان معلما ام مدرسا ام مرشدا تربويا ، عازين ذلك الى ضعف تأثير البطاقة المدرسية في حياتهم الدرسية . 
ويؤكد الطالب علي محمود عن ذلك: أن معظم الطلبة لم يعطوا مرشد الصف المعلومات الصحيحة لتدوينها بالبطاقة المدرسية، لأنه يعتقد أن البطاقة المدرسية ليس لها تأثير في حياته الدراسية خاصة وأن الجامعات لا تأخذ بمعلومات البطاقة المدرسية في القبول.
وهذا ما أكده زميله الطالب مراد حسين أشار أنه لم يستفد من البطاقة المدرسية اثناء قبوله في الجامعة على الرغم من امتلاكه مواهب في مجال الفنون التي اشارت إليها البطاقة المدرسية، لكن كلية الفنون الجميلة لم تعترف بذلك. (وعدم الاعتراف هذا ناتج لفقدان مصداقية المعلومات المدونة في البطاقة من قبل الجامعات لحقيقة ما يجرى للبطاقة المدرسية من عبث وإهمال واللا مبالاة!)
لهذا ندعو إلى تفعيل دور البطاقة المدرسية، وعلى وزارة التربية تشكيل لجان متخصصة في مجال الاشراف والتوجيه النفسي والقيام بزيارات ميدانية للمدارس وأخذ عينات عشوائية للتأكد من صحة المعلومات في البطاقة المدرسية، كما ندعو الجامعات الى فتح تخصصات دراسية في الاشراف التربوي في كليات التربية ، وأعدادهم مما يتناسب مع الدور المرسوم له في المدارس. ونقول: إن البطاقة المدرسية تحمل ثقلاً علمياً وتربوياً واجتماعياً كبيراً لو استعملت بصورة علمية لتخدم الطالب وتوجهه الى نوع الدراسة التي يرغب بها والكشف عن مواهبه وتنميتها في الجامعة لتشكل البطاقة في ضوء هذا الأمر سلسلة مترابطة من المعلومات القيمة والمهمة ترسم خريطة مستقبل طلبتنا بالشكل المطلوب. وعلى ادارات المدارس ان تعي حقيقة دور المدرسة وأبعادها التربوية وطبيعة أهدافها فهي لم تكن عملية تلقين في المعلومات للطالب او التلميذ وإنما هنالك أدوار أكبر وأهم وهي كيف نصنع طالباً ذا شخصية تحمل صفات الإبداع والمسؤولية، ولنبدأ من الآن.

تعليقات الزوار

  • رباب جمعه

    مرحبا اذا ممكن ترسلون لي ملف البطاقة المدرسية او من اين احصل عليها شكرا

  • بان خليل

    السلام عليكم..محتاجة بحوث علمية عن البطاقة المدرسية

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top