معالم الديوانية.. إرث ثقافي وتأريخي

معالم الديوانية.. إرث ثقافي وتأريخي

لعبت الأمكنة دورا مهما ًوفاعلاً في قيام المدن ونشأتها واكتسابها هويتها الثقافية والتأريخية و ظهورها كمراكز تعج بالحيوية والنشاط والعطاء، وبالرغم من تغير واندثار معالم الكثير من هذه الأمكنة نتيجة تأثرها بتغيرات بيئية واجتماعية ومتطلبات حياتية أخرى، الاّ أن ذاكرة المدن ظلت تحتفظ بالعديد من الحكايات التي شكّلت جانباً من سيرتها وتأريخها.
والديوانية واحدة من المدن التي كانت للأمكنة دور وإسهامة كبيرة في تكوين هويتها الاجتماعية والثقافية، حيث انتشرت على خارطة جسدها الجغرافي عدد من المعالم التي ظلت الى وقت قريب شاهداً على سيرتها المعطاء في حقول الإبداع والسياسة والمعرفة ومن أبرز هذه المعالم:


"قصر الجلبي"
ودورة الزمن  
ثمانية عقود مضت ومازال يغفو على شط الديوانية، مرّ به الكثير، لكن القليل منهم يعرف أن البيت الذي أصبح اليوم اشبه بقلعة غابت عنها الشمس كان يوما ًمن أبرز المعالم الدالة في المدينة، ففي عام 1938 شيّده على أرض زراعية التاجر "محمد الجلبي" ومن يومها راحت الأنظار ترنو صوبه بعيون تفيض بالحسد والدهشة بسبب طرازه الفريد وشكله المميز، واعتبروه "قصراً" لتميزه بالشموخ عن بيوت "محلة الجديدة" البسيطة والمتداعية التي تقابله في الضفة الأخرى من النهر، وكان الجلبي في المساء يتخذ من شرفة هذا البيت عرشاً حيث يجلس على كرسيه الهزاز والى جانبه كلبه كما أن غليونه لا يفارق فمه، يقضي مساءه وهو يتطلع من خلف نظارته السوداء مستمتعاً بمنظر الصبية وهم يسبحون ويتراشقون بمياه النهر تحت أجنحة النوارس التي تملأ المكان، وهذا الترف ومظاهر الغنى لم يمنعا اليسار العراقي من  التسلل الى حياة  هذا البيت فقد سجل التاريخ موقفاً وطنياً رائعاً ً لـ "رياض" نجل الجلبي وذلك عندما اعتقل مع عدد من الطلبة بسبب مشاركته انتفاضتهم  في الديوانية ضد معاهدة بورتسموث عام 1948 واصطدامهم مع الشرطة، وعندما اضطرت الأخيرة الى اطلاق سراحه نتيجة الضغوطات والوساطات، فقد أبى الخروج من السجن وفضّل المبيت وقضاء ليل الشتاء في الزنزانة الباردة مالم يخرج رفاقه معه، ودار الزمن وتغيرت الأحوال وآل هذا البيت الى أسرة كريمة من الديوانية هي "آل محبوبة" ولكن هذا الحدث لم يمر دون أن يأخذ حصة من حديث الناس لشدة شغفهم بهذا البيت فقد أخذت الألسن تلوك الاهازيج حوله وتحكي عن صروف الدهر وتقلبات الزمن وقد احتفظ لنا التاريخ :   
الدنيا تلعب جقلبي والناس تلعب طوبه ...... من كال قصر الجلبي يصبح لأبن محبوبة .

سوق الديوانية الكبير.. ذاكرة شاخت
"سوق الديوانية الكبير" واحد من المعالم التراثية المهمة في المدينة، وتكتسب أهميتها هذه، لا من كونها تمثل المركز التجاري الرئيس فحسب، بل من موقعها المهم والمميز، فهي الشريان الذي يمتد في جسدها من شمالها طولاً الى حيث قلبها النابض ذلك هو نهرها الجميل.
وتشير بعض المعالم التي ضمتها السوق الى أن وجودها يمتد الى فترة تتجاوز القرن من الزمن، حيث يمكن الاستدلال على ذلك من طريقة تشييد الجامع الصغير ـ الذي يتوسط السوق ـ ذو الممر الطويل المفضي الى باحة كبيرة والذي أسسه الشيخ حمادي الرويلي عام 1868 حيث يوحي ذلك الى أن السوق كانت موجودة قبل وجود الجامع، كما أن السوق ومن جهة الشمال  ضمّت بناية (التوراة) مكان العبادة للطائفة اليهودية التي كانت منتشرة في المدينة قبل قرارات التهجير في مطلع خمسينيات القرن الماضي، وهذه البناية ظلت قائمة حتى مطلع السبعينيات وقبل أن تقوم سلطات النظام السابق بهدمها واقامة محال تجارية على أرضها.
لقد ظل هذا الأثر، السوق، والى وقت قريب يمثل صورة مصغرة للمكونات الاجتماعية التي تمثل المدينة، حيث شغلت نشاطاته التجارية وجوهاً بارزة من رجالاتها، فمنهم من أمتهن  بيع الأقمشة  ومن بينهم الحاج امين البياتي، محمود جمعة، محمد اللبان، حمد عبد العال، مهدي الاطرقجي، الحاج شعلان، محمد جمعة، علي العميشي، الحاج فرمان، عبد محيل، حاتم مغامس، الحاج ملاغي، علي مهاوي، محمد حطاب اضافة الى تجار من الأقلية اليهودية ومنهم سالم حسقيل وناجي نوري عزرا الذي كان آخر اليهود الذين غادروا المدينة الى بغداد، حيث نقل نشاطه التجاري اليها بعد منتصف الستينيات،  كما ضمت السوق مختلف الانشطة التجارية التي جعلت منها ممراً ومكاناً تؤمه يومياً اعداد كبيرة من ابناء المدينة، فتجد فيها المكتبات وابرزها مكتبة الجمهورية لحسين مشروطة ومكتبة مطرود ومكتبة سيد هاشم المكصوصي والخياطون ومن أقدمهم، جاسم كرزول وعيدان عبادة وعبد مظلوم واحمد سلطان، الذي تخصص بخياطة التجهيزات الرياضية، وكذلك الصاغة ومن بينهم الاخوان علي ومهدي الشمري والنجارون، الحدادون، وفرع الصفافير، وبرز في هذه المهنة آل الوحاش ومحمد علي عبد الصاحب والعطارون ومن بينهم الحاج ليو ورشيد الملا جودة وفيروز والحاج علق، وكذلك الحمامات التركية اخذت حصة من قائمة هذا الأثر، وحتى علاوي الفواكه والخضر، وجدت لها تحت سقفها ملاذاً لعرض بضاعتها، ومنها علوتا جلعاوي وعباس شامة، كما انتشرت على طولها المقاهي العديدة وتميزت من بينها مقهى "الحاج سعيد" الذي كان مكاناً لتجمع ادباء المدينة صباحاً، حيث شهد هذا المقهى ولادة الكثير من الأعمال الابداعية والرؤى والأفكار، ودارت فيه نقاشات أدبية وكان من ابرز رواده كزار حنتوش، زعيم الطائي، ثامر الحاج امين، سلام ابراهيم، منير ياسين، عبدالرحيم صالح الرحيم، ويوسف محمد علي. كما جالت في هذه السوق باعة الأكلات الشعبية  ابرزهم كاظم الحمرة، الذي اشتهر بتحضير الدوندرمة، وكذلك حنش سلام في طاطليه اللذيذ وجاسم ستاوي في لبنه الرائب، والضرير ابو مسلم في مشروباته التي كان يقوم بتحضيرها بنفسه والشهير كاوي، في بسطيته المميزة والشاملة بالكرزات والتين المجفف والخريط، وكان لكل من هؤلاء الباعة طريقة خاصة في المناداة والترويج لبضاعته.
لقد ظلت السوق والى منتصف السبعينيات، الذاكرة التي حفظت للمدينة جانباً واسعاً من سيرتها وتاريخها، ولكن هذه الذاكرة لم تعد تحتشد بكل هذه المعالم والشخصيات، فقد تأثرت بعوامل التغيير التي نالت جانباً منها وجعلت من الباقي مهدداً بالزوال نتيجة الاهمال وغياب الحس بأهمية هذه المعالم وقيمتها التأريخية كثروة وطنية تمثل ماضي المدينة وإرثها الثقافي الغالي.

"شعبان بيك" تقدرون وتضحك الأقدار
بعدما ضاق الأهالي في قضاء الهندية (طويريج) ذرعاً بصرامته وشدته في فرض الضرائب وطريقة جبايتها، قامت الحكومة العثمانية باستبعاده ونقله الى الديوانية ليكون أول قائممقام لها، لكنه في هذه المدينة لم يغير شيئاً من سيرته المتشددة التي عُرف، بها فقد سار على ذات الخطى والأسلوب في فرض الرسوم والضرائب، بهذه السيرة تحدثت كتب التاريخ عن شخصية القائد العثماني "شعبان بك" الذي جاء الى هذه المدينة عام 1857 وعندما تململ الديوانيون من إدارته وأشيع بأنه سيعود الى قضاء الهندية اضطرب الأهالي هناك، لهذا الخبر وسارع جماعة منهم الى تتبع أخباره والظفر به في قضاء عفك، حيث سطوا عليه ليلاً وقتلوه وانسلوا راجعين بدون أن يشعر بهم أحد وكان ذلك عام 1860 م وقد دفن في الجانب الأيمن من نهر الفرات وقد كتب البيت الآتي على قبره الذي بنيت فوقه قبة:
سليل كرام الناس مات فأرخوا .......  قتيل لئام الناس أصبح شعبان
يذكر أن قبره ضمته أرض تبرع بها "شعبان بيك" اثناء حياته وجعلها وقفاً ً لتكون مقبرة للمتوفين من فقراء المدينة الذين لايتمكنون من الدفن في مقبرة النجف في ذلك الوقت، ولكن "تقدرون وتضحك الأقدار" فقد كان القبر الأول والوحيد الذي ضمته هذه الأرض هو قبر "شعبان بيك"  الذي ظل قائماً حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي وتمت إزالته بعد هذا التاريخ.

"طاق خضوري" شاهد على التآخي
في عقود مضت عاشت مدينة الديوانية حالة فريدة من التآخي بين مختلف مكوناتها الإثنية والمذهبية، وهناك شواهد كثيرة ظلت والى وقت قريب شاخصة وشاهدة على ذلك الزمن الهادئ الجميل، الاّ أن هذه الشواهد المتمثلة بعدد من المعالم القائمة على الأرض للأسف، طالها العبث والتخريب ولم يسلم منها سوى "طاق خضوري"، حيث مايزال هذا الكيان شاخصاً في المركز التجاري للمدينة وشاهداً على حالة الإلفة والوئام التي سادت الحياة الاجتماعية في الديوانية آنذاك.
وهذا الطاق عبارة عن بناية قامت بطابقين على مساحة 400 م مقابل شط الديوانية، تمثل تحفة معمارية ومن الصروح الآثارية في المدينة، يعود بناؤها الى عشرينيات القرن الماضي، حيث شيّدها التاجر اليهودي العراقي "الياهو ساسون خضوري" وهو من كبار تجار الحبوب في الديوانية، ويعد أول من أسس معملاً للثلج وماكنة للطحن فيها، ومن بين العمال الذين اسهموا في تشييدها هو (الأسطة عبد الكاظم ابراهيم حمادي). وقد شهدت هذه البناية عبر سنوات طويلة احداثاً عديدة، من ابرزها أنه بعد قرار تسفير اليهود من العراق ومنهم عائلة "خضوري" آلت ملكيتها الى عائلة "آل شنين" وقد استغلت في خمسينيات القرن الماضي، كمحكمة للديوانية وانتهى بها الحال الى محال تجارية بائسة، فقد تعرضت واجهتها الى التخريب والعبث، فأزيلت النقوش والزخارف من على أعمدتها وتآكلت جدرانها بفعل المياه الجوفية التي تسربت الى أسس البناية وسردابها، وهي اليوم تشكو الإهمال بعدما كانت يوماً عروس الفرات تتباهى بقامتها وشرفتها المطلة على نهر المدينة.

تعليقات الزوار

  • محمد رضا

    هناك أسماء لم تذكر مع أسماء التجارية في السوق منهم الحاج عباس جلاوي الرويلي من أكبر تجار التبغ سابقا في الديوانية وصاحب محل في سوق التجار وهوة المتولي على جامع السوق الصغير الذي اسسه جده الشيخ حمادي الرويلي سنة 1868

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top