إثم سارة ..رواية لـ  نجم والي  .. لم يعد الإخفاء ممكناً

إثم سارة ..رواية لـ نجم والي .. لم يعد الإخفاء ممكناً

عصام عباس أمين

في عالم سريع التحول، بفضل المعلوماتية والتقنيات الحديثة، التي أزالت الحدود، وساعدت في انتشار المعلومة مهما بدت صغيرة أو تافهة، تأتي رواية نجم والي (إثم سارة) لتكشف النقاب عن تفاصيل الحياة والصراع في مجتمع مغلق، تحكمه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنتشر في شوارعه وأزقته رجال الحسبة، وهم يلاحقون الآخرين بعصيهم وسياطهم، وتقاريرهم التي لا ترحم.

هذه الرواية أحدث عمل لنجم والي، صادرة عن دار الرافدين الطبعة الأولى 2018، من سبعة فصول و (260) صفحة من الحجم الوسط.
قبل البدء في تحليل هذه الرواية، من المهم الانتباه الى ثلاث حقائق أولية وأساسية، فالكاتب هو عراقي من العمارة، لكنه غادر العراق منذ العام 1980 بعد تعرضه للاعتقال والتعذيب في الاستخبارات العسكرية، واختار العيش في ألمانيا (برلين) ولغاية الآن. أما الزمان والمكان فالرواية تغطي الفترة الزمنية من 22 أيلول 1980 لغاية 11 حزيران 2016، في المملكة العربية السعودية. أما كيف اجتمعت العناصر الثلاثة معاً (عراقي، يعيش في المنفى، يكتب رواية عن المجتمع السعودي) لإنتاج هذه الرواية؟ فهذا يعود لطبيعة العالم الذي بتنا نعيش فيه، عالم بلا حدود تجمع الناس فيه قيم كونية عظيمة تبدأ من الإنسان وتنتهي به، مثل قيم الحرية وحقوق الإنسان، والحب والجمال والتنوع....إلخ.
امتداد الزمن لأكثر من عقدين ونصف العقد، افسح المجال للكاتب لتناول تأثير الأحداث الكبرى التي وقعت خلال تلك الفترة بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية، ومروراً بدخول السوفيت الى افغانستان وظهور الصحوات في السعودية العربية والدعوة للجهاد في افغانستان، وغزو العراق للكويت في العام 1990، ثم اخراج العراق بالقوة من قبل التحالف الدولي من الكويت، وأحداث 11 أيلول 2001، كل تلك الأحداث الكونية ساهمت بتغيير شكل العالم، وشكل المجتمع السعودي تحديداً، وتوظيفها معاً، ومزاوجتها مع الأحداث المفصلية في حياة الأبطال أنتجت لنا في النهاية رواية بطعم خاص ولون خاص، فبعض الأحداث كانت ترسم للشخصية طريقها وتحدد مصيرها، بطريقة دراماتيكية، فإثم سارة، بدأ مبكراً جداً في سن الثامنة، يوم زار الشيخ (عبد العزيز بن باز) عضو هيئة الأمر بالمعروف، مدرستها الابتدائية، كتقليد سنوي لإلقاء محاضرة توعوية في إحدى المدارس، (من أجل تعليم البنات المسلمات مبادئ الدين الحنيف منذ نعومة أظفارهن.. ص 41)، لكن طبيعة المحاضرة الدينية لابن باز انقلبت الى خطبة مرعبة عن صنوف التعذيب الذي ينتظر كل واحدة من طالبات المدرسة الابتدائية (اذا حدث ونسيت الواحدة منهن تعاليم دينها... ص 46) لينتهي المشهد بتبوّل إحدى الطالبات على نفسها، مع اطلاق صرخات هستيرية من سارة، أرعبت الشيخ كثيراً، مما جعلته يقول (البنت هذه سارة يسكنها الشيطان، ولا مكان لها هنا.. ص 48). ليدمغها بتلك الدمغة التي ظلت تلاحقها وساهمت في تقرير مصيرها في النهاية، بهذه الجزئية البسيطة استطاع أن يختصر (نجم والي) ما تتعرض له المرأة السعودية من قمع وضغط على أيدي شيوخ الوهابية.
كما لم يفت (والي) تأثير الانقلاب الآخر في حياة سارة يوم جاءتها العادة الشهرية لأول مرة (استيقظت سارة صباح، الأول من أيلول كما تعتقد، لتشم رائحة غريبة وسائل لزج تجمد بين فخذيها... ص 119) لتصبح حسب وصف اختها (أصبحت اليوم امرأة). ولأنها اصبحت امرأة فلابد أن يزور قلبها الحب ليكون حدثاً مفصيلاً آخر في حياتها، حب محكوم عليه بالموت منذ البداية لأسباب اجتماعية وفوارق طبقية قاسية ما زالت تتحكم بالمجتمع السعودي، فالحب هو واحد من الممنوعات الكبرى ومحاربته يكون أشد عندما ينكشف أمر الحبيبين، وهذا ما حصل لسارة، لتجد نفسها مجبرة على الزواج من ناصر (ابن عمتها) بضغط مباشر من أبيها (غازي الجاسي)، لكن تحت شرط قاسٍ جداً من قبل والد العريس (يوسف الأحمد) مسؤول الهيئة في حفر الباطن وهو (القيام بفحص بكارة سارة لدى الهيئة)، للتأكد من سلامة البضاعة، وهنا يقوم الكاتب بخلق أهم حدث في الرواية، افتضاض بكارة سارة بأصبع (الداعية يوسف الاحمد) والد العريس والمسؤول الأول في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بعملية انتقامية سوداء (عرفت سارة أن كل ما حدث لها في مبنى الهيئة وفي الغرفة المظلمة تلك حتى الآن جرى وفق مخطط متقن، تمزيق الغشاء، ربما شكت في الوهلة الأولى، ربما ظنت أنه خوفها الذي جعلها تذهب في ظنونها الى هذا الحد، وإنها مجرد هواجس هجمت عليها بسبب الظلام، لكنها عندما شعرت بلزوجة دم التصقت بفخذيها، عرفت أنها لم تخطئ بظنونها وأن عليها أن تنتظر ثواني قليلة فقط لكي تعرف أن الشبح الذي جثم عند قدميها وأدخل اصبعه في فرجها قبل لحظات، أن الشبح الذي وقف عند رأسها ثم شمر عن ذراعيه مثل من يقبل على الوضوء للصلاة قبل أن يرفع سبابته التي التصق بها الدم أمام وجهها بإشارة للنذير، إن الشبح هذا الذي أطلق قهقهة عالية، قهقهة متشفية، وهو يقول لها، الآن بإمكانك الزواج ممن تشائين، إن الشبح هذا هو ليس غير شبح الشيخ خالها الداعية يوسف الأحمد...ص 158)، هذا الحدث ترك أثراً عميقاً لدى سارة لم تشف منه إلا بعد قيامها بقتل يوسف الأحمد، واختيار الذوبان في الصحراء كفتاة حرة تماماً، لتعيد سيرة عمتها (سارة) التي حملت اسمها.
الشيء الغريب أن (والي) صنع حدثاً دراماتيكياً عظيماً (فض بكارة سارة، بإصبع الداعية خالها يوسف الأحمد)، لكنه ترك وصف ردات فعل سارة النفسية، ولم يلتفت لها نهائياً، وهذه ثغرة ما كان يجب أن تقع في الرواية، رغم أن مسار تطور الأحداث استمر بصورة متماسكة حتى النهاية. ربما هو ترك لنا حرية الخيال لنتصور عمق الألم والمهانة والذل الذي عاشته سارة بعد تلك التجربة المريرة. إلا أنها تبقى ثغرة، كان من شأن معالجتها بطريقة سيكولوجية، إضافة الى فصل جميل للرواية أيضاً.
ورواية الأحداث الكبرى، لابد أن تنتهي بأحداث كبرى أيضاً، ولهذا نجد أن نهاية أغلب الشخصيات كانت دراماتيكية بحق.
قتلت (سارة) خالها (يوسف الأحمد)، مع سبق الإصرار والتعمد.
والد سارة (غازي الجاسي) مات مقتولاً بسبب مواجهة مع زوج اخته (سارة) عمة سارة بطلة الرواية.
(ناصر) زوج سارة انتهى في سجن بعد أن فشل في تحقيق حلمه في تصنيع إنسان آلي سعودي.
(الهنوف) صديقة سارة اختفت هي وعائلتها كونهم من الروافض وإخوتها كانوا شيوعيين.
فلم ينتصر في النهاية، سوى الصحراء لتتحول ملاذاً آمناً لسارة العمّة وسارة المتمردة التي قتلت خالها يوسف الأحمد، في رمزية عالية لانسداد الأفق أمام هذا النظام الاجتماعي الذي يخنق الحب والإبداع ويزيّف الحقائق.

تعليقات الزوار

  • ممتازة

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top