آلان تورنغ.. سيرة عبقري

آلان تورنغ.. سيرة عبقري

ترجمة : لطفية الدليمي
القسم الخامس عشر
- 16 -
الوفاة
أكمل آلان مع نهاية عام 1953 فترة الرقابة التي أخضِع لها ، وكذلك أكمل معها دورة العلاج الكيميائي التي وُصِفت له ؛

ومع أنه ماعاد قادراً على العمل في المشروعات الحكومية فائقة السرية فقد وافق قسم العلوم في جامعة مانشستر على تمديد العقد المبرم معه للعمل في الجامعة لخمس سنوات أخرى . 

 

 

 

 

 

كان آلان في ذلك الوقت لايزال مفتوناً بالقدرات الممكنة التي يمكن أن تنتج عن تطوير الذكاء الإصطناعي ، وكانت تنتابه لواعج عظيمة للعمل في ذلك الحقل البحثي ، وفضلاً عن حقل الذكاء الإصطناعي أراد آلان توسيع نطاق عمله الذي بدأه بمشروعه البحثي عن أزهار الشمس من خلال شمول نطاق ذلك البحث آفاقاً غير مسبوقة في موضوع البيولوجيا الجزيئية بأكمله . 

شرع آلان عام 1954 بكتابة الرواية إلى جانب جهوده البحثية ، ومن الطبيعي أن تختصّ روايته الأولى بتجاربه وعلاقته مع موراي . بطل رواية آلان الأولى هو ( أليك ) ، الشخصية الأكاديمية التي تقع في أحابيل علاقة ( حميمة ) مع رجل شاب يدعى ( رون ) ، وجاء في تلك الرواية الوصف التالي لهذا الشاب : " ظلّ رون متبطّلاً عاطلاً عن العمل لشهريْن كامليْن نفدت فيهما نقوده تماماً ." ! تناص واضح مع حقيقة ماجرى في حياة آلان . 

لم يُقدّرْ لرواية آلان أن تبلغ خاتمتها ؛ إذ وجدت مدبّرة منزل آلان ، السيدة كلايتون ، مخدومها ميتاً في سريره في 8 يونيو ( حزيران ) 1954 ، وإلى جوار سريره كان ثمة تفاحة موضوعة على طاولة وبدا أنّ آلان قد قضم بعض القضمات منها ، ووُجِد لاحقاً أنّ تلك التفاحة كانت مغمّسة بالسيانيد القاتل . 

بدأ التحرّي عن سبب وفاة آلان بعد يوميْن فحسب من وفاته ، أي في 10 يونيو ( حزيران ) ، وإنتهى تقرير الطبيب الشرعي إلى أنّ آلان تورنغ قد أقدم على فعل الإنتحار بواسطة تفاحة مسمومة بمادة السيانيد .

ماالذي قاد الطبيب الشرعي لهذه النتيجة ؟ ساهمت فوضى الوقائع القاسية التي تراكمت على آلان في السنوات القليلة التي سبقت وفاته في دفع المحققين الشرعيين لتأكيد واقعة الإنتحار : إعتقال آلان ومحاكمته بتهمة إرتكاب أفعال شائنة ، الإخصاء الكيميائي الذي أخضِع له ، وضعه تحت المراقبة المستمرة ، إقصاؤه عن العمل البحثي العلمي الذي يحبه والذي كان مقصوراً آنذاك على البعض المخصوص من المؤسسات الحكومية ،،، كلّ هذه الوقائع ربما تكون قادت آلان إلى معاناة شعور إكتئابي لايطاق دفعه إلى الإنتحار. 

لم يتفق الكثيرون من الذين عرفوا آلان عن قربٍ مع النتيجة التي إنتهى إليها التقرير الشرعي بشأن وفاته الناجمة عن الإنتحار : أكّدت أمه ، على سبيل المثال ، أنّ تورنغ ماكان ليُقْدِم على الإنتحار تحت أي ظرف من الظروف ، وكان ثمة شاهدة أخرى تؤكّد إدعاء الأم جاءت على لسان بعض الذين تسنى لهم رؤية آلان قبل بضعة أيام من وفاته والذين أكّدوا أنّ آلان ماكانت تبدو عليه أي من العلامات الموحية بالإكتئاب أو الرغبة في قتل نفسه ، وصرّحت السيدة ( ويب ) ، وهي جارةٌ لآلان ، بهذا الشأن : " دعاني آلان لأصحب زوجي ونشاركه العشاء بمنزله في الأول من حزيران ، وقضينا أمسية رائعة معه . حصل كذلك أن رأيته مرّات عدّة خلال اليومين اللاحقيْن لدعوة العشاء وكان يبدو مرحاً طلِق المُحيّا ، وبدا أنّ له الكثير من الخطط لزيارتنا في منزلنا في طريق عودته لمنزله من الجامعة في أوقات العصر . "

صرّحت مدبرة المنزل التي إعتادت رؤية آلان على نحو منتظم بكلامٍ يتفق مع ماقالته جارة آلان ، وأبدت عدم قدرتها على تصديق حقيقة أنّ آلان يمكن أن يقتل نفسه بطريقة عمدية ، وانتهت معظم آراء الناس المقرّبين من آلان إلى أنه كان رجلاً منضبطاً يمتلك القدرة على جعل حياته تمضي وهو يتحكّم بقيادتها وبخاصة بعد أن أنهى الدورة العلاجية بحُقَن الأستروجين وعقب أن عاد وزنه إلى طبيعته السابقة ؛ الأمر الذي مكّن آلان من إستعادة لياقته الرياضية الممتازة ، وفضلاً عن كلّ هذه الحقائق فقد بات آلان يعشق الكتابة الروائية إلى جانب إنهماكه بالعمل البحثي الذي كان يحبه في جامعة مانشستر . لِمَ يسعى آلان ، بعد كلّ هذا إذن ، إلى قتل نفسه ؟ 

لكن لو أنّ آلان لم يقتل نفسه حقاً ، فكيف مات إذن ؟ ولِمَ كانت التفاحة التي وُجِدت على الطاولة المركونة بقرب سريره ملوّثة بالسيانيد ؟ 

أبدت والدة آلان ، السيدة إيثيل تورنغ Ethel Turing ، قناعة مؤكدة بأنّ موت إبنها كان حادثة عرضية مأساوية ؛ فقد أبدى آلان منذ صغره ولعاً عظيماً بإجراء التجارب الكيميائية ، واحتفظ دوماً بخزين من المواد الكيميائية في منزله ( بما فيها مادة السيانيد القاتلة ) ، وعُرِف عن آلان كذلك رغبته في تناول تفاحة كلّ يوم قبل نومه ليلاً . علّلت والدة آلان الأمر بأنّ ولدها ترك بعض آثار السيانيد على أصابعه وهو منهمك في إجراء تجربة ما ونسي بعد ذلك غسل يديه ، ثمّ تسللت تلك البقايا من السيانيد القاتل إلى التفاحة عندما راح يقضمها ، وشارك الأمّ في رؤيتها هذه المحلّل النفساني المدعوّ ( الدكتور غرينباوم ) الذي إستشاره آلان بعض المرّات من قبلُ لمناقشة أمر نزوعه الجنسي المثلي ، وقد جاء في رسالة كتبها الدكتور غرينباوم إلى السيدة إيثيل تورنغ العبارات التالية : " ليس ثمة أدنى شكّ لديّ في حقيقة أنّ آلان مات بسبب صدفة عرضية طارئة ؛ فقد سبق لكِ أن وصفتِ لي طريقة آلان في التجريب الكيميائي التي كانت أقرب ماتكون إلى اللعب الطفولي العابث . كان آلان في حمى تجاربه الكيميائية يبدو مثل طفلٍ يريد فحص كل شيء بأصابع يديْه ..... " 

ثمة نظرية أخرى لتفسير إنتحار آلان . في بواكير خمسينيات القرن الماضي ، وعقب إرتداد إثنيْن من الجواسيس البريطانيين ولجوئهما إلى روسيا السوفييتية ، ساد شكّ مالبث أن تعاظم ، ومفادُهُ وجود حلقة تجسسية تعمل لصالح السوفييت وتتكوّن من طلبة كامبردج السابقين ، وتركّزت جهود هذه الحلقة بخاصة في أوساط طلبة كليّتي ترينيتي و كينغز خلال الثلاثينيات ( من القرن الماضي ) . نعرف بالطبع أنّ آلان إلتحق بالفعل بكلية كينغز في جامعة كامبردج وانضمّ خلال دراسته فيها إلى المجلس الخاص بالتعاطف مع الشيوعية ومناهضة الحرب ، وبسبب عمله اللاحق في المشروعات الحكومية فائقة السرية فقد حاز آلان بالطبع على معلومات سرية بأعلى مراتب الأهمية الستراتيجية للأمن القومي البريطاني ، وهذا هو الأمر الذي يدفع البعض للتخمين بأنّ آلان قُتِل على أيدي المخابرات البريطانية خشية من عواقب لجوئه المحتمل إلى روسيا السوفييتية ، ورتّبت المخابرات البريطانية ذاتها مشهد موته ليبدو كواقعة إنتحار مقصود .

هل مات آلان بفعل إنتحار مقصود ، أم بفعل حادثة طارئة ، أم حتى بعملية قتل مدبرة ؟ هذا سؤال لاأحسبه إلا مثار جدالات عنيفة سنشهد تعاظم مداها مع الأيام .

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top