اللحظات الأخيرة للفنانة المكسيكية فريدة كاهلو في فيلم للمخرجة عشتار ياسين

اللحظات الأخيرة للفنانة المكسيكية فريدة كاهلو في فيلم للمخرجة عشتار ياسين

ضحى عبدالرؤوف المل

تتطاير الأحلام على ارض الواقع كما تطاير الوشاح في فيلم فريدة كاهلو Dos Fridas)) للمخرجة عشتار ياسين Ishtar Yasin)) الذي دمج بين الواقع والمتخيل في معاناة الممرضة جوديث التي قامت برعاية الرسامة الشهيرة فريدة كاهلو في آخر لحظات حياتها ،

وبرمزية لوحاتها دون الدخول الى لب ورثها الفني . انما دخلت الى ذاكرة الممرضة عبر شريط الذكريات المستخرج من لاوعي الممرضة التي ادمنت خدمة مريضتها المميزة حيث بلغ تقمص الممرضة لفريدة حدود الموت حبا بها واعجاباً بشخصية مميزة تدرك انها في لحظاتها الأخيرة من الحياة ، وهي امرأة مكسيكية عاشت معاناة نتج عنها مئات اللوحات التشكيلية التي قرأنا معانيها في الفيلم بشكل ايحائي تمثيلي اندمج مع التحليل النفسي. 

فيلم مستوحى من قصة حقيقية بلمسات درامية قوية فنياً ، وبعمق تحليلي نفسي للشخصيات التي وصلت الى قاع المرض النفسي المصاحب لفقدانها أو التعلق المرضي بها من قبل ممرضتها التي تقمصتها ببراعة تمثيلية مؤثرة حسيا على المشاهد الذي يتابع مراحل حياة الرسامة فريدة من خلال حياة ممرضتها انعكاسيا . أي رؤية حياة الاشخاص الذين لا نحفل بهم ، رغم اهتمامهم القوي بالمشاهير ودخولهم سراديب افكارهم التي تتسرب اليهم من خلال بقائهم معهم طيلة حياتهم. ومن فريدة الى الممرضة هل تتكرر الحيواة في حياة؟ وهل هذه المرأة ما تزال تحيا لحظاتها الأخيرة من خلال الاخريات اللواتي يقمن بالاهتمام ببعضهن على مراحل مختلفة ؟ ام ان عشتار ياسين استطاعت الدخول الى العقل الباطني لممرضة فريدة لاستخراج التفاصيل في كل مشهد جعلت منه لوحة رسمتها فريدة كاهلو في لا وعي ممرضتها جوديث التي اصيبت بتقمصها حتى الموت ؟ 

انغمست المخرجة "عشتار ياسين" في شخصية فريدة كاهلو مفككة غموضها النفسي في لحظاتها الأخيرة، لتبدي من خلال ممرضتها تفاصيل حياتية هي من ضمن عوالم ولادة لوحاتها دون ان تتخلى عن ا الاساطير الشعبية او معنى مفاهيمها الضمنية للادب او الاتجاه السياسي ، وتعلق فريدة بها وبالثقافة الشعبية للمرأة المكسيكية من زركشة ثيابها الى خواتمها في اصابعها الى الزهر في شعرها واهتمامها بالعناية بثيابها ، وبحيوانها المفضل. لندخل بعمق الى تفاصيل يومها بالكامل حتى حبها للموسيقى والرقص وبتصوير مشبع بالفن الذي عشقته فريدة كاللو انما في الفيلم من خلال التصوير الرمزي الملتزم بالظل والضوء وتفسير الاحلام لاستخراج الكل من الجزء وبمفهوم الوعي واللاوعي عند الممرضة التي رفضت خسارة فريدة كاهلو بينما ممرضتها تركتها دون ندم. لتعطي اهمية كبرى لحياة هذه الفنانة القوية الضعيفة المتعالية على جراحها والشامخة بعنفوانها الوجودي المتعالي على الضعف والانكسار والأوجاع والمرض الى حين الرحيل، فالفيلم رمزيا هو الممرضة التي نرى من خلالها فريدة، كما ترى المخرجة حياة ممرضة توأمية الفعل في الاهتمام والعلاج، وتقديم الافضل للفنانة قبل موتها حتى من خلال ذكرياتها او افعالها القابعة في العقل الباطن الذي لا يمكن ان يتماثل للشفاء ما لم يتخطَ الآخر . فهل موت الممرضة بتفاصيله القوية هو موت جوديث لتبقى في الكهف مع ذكريات العالم عنها؟ وهل الكهف في المشاهد الاخيرة هو عقل فريدة الباطني؟ 

نستنج من فيلم فريدة للمخرجة عشتار ان اللوحة الفنية التشكيلية تخرج من لا وعي الفنان كما خرجت حياة فريدة من عقل ممرضتها الباطني التي انصرفت كليا لخدمتها، وبصبر واناة ومعرفة في احتياجاتها النفسية أكثر من أي ممرضة أخرى قامت بخدمتها قبل مجيئها دون حب مثلي، فالمريض بحاجة للحب والحنان، وبلمسات امومية. أذ تزداد أوجاعه وغربته النفسية دون الإحساس بالحنان الذي فشلت فيه ممرضة جوديث التي صرفتها تاركة نفسها في ذكريات خدمتها لفريدة داخل عقلها الباطني حتى الموت، وما رمزية الكهف في الفيلم إلا للاشارة الى دهاليز اللاوعي عند من يفارق الحياة بحنين واشتياق لمن يحب ، وبهذا نجحت عشتار في تحليل سلوكيات فنانة تشكيلية هي بمراحل لحظات حياتها الاخيرة، لتبقى في ذاكرة الفيلم كما بقيت في ذاكرة ممرضتها جوديث التي فارقت الحياة مريضة بحب العناية والاهتمام بامرأة مميزة وفريدة من نوعها هي الرسامة والفنانة التشكيلية فريدة كاهلو .

فيلم فريدة كاهلو( Dos Fridas) للمخرجة عشتار ياسين (Ishtar Yasin) من مهرجان طرابلس للأفلام

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top