تلويحة المدى: أبو نوّاس المصريّ

شاكر لعيبي 2019/07/15 06:54:35 م

تلويحة المدى: أبو نوّاس المصريّ

 شاكر لعيبي

ماذا كان يفعل أبو نواس (ت 814م) في مصر، في القرن الثامن - التاسع الميلادي، عدا زيارته لواليها،

أبي نصر الخصيب، ونيل هباته؟ هذا ما لا يخبرنا أحد عنه. ثمة إشارة عرضية في إحدى قصائده:

تقـولُ التي عن بيتها خفّ مـرْكبي ** عزيزٌ علينا أن نَرَاكَ تَسيرُ

أما دونَ مصْرٍ للغنَى مُتَطَلّبٌ؟ ** بلى إنّ أسْـبـاب الهوى لكثـيـرُ

فـقلتُ لها: واستعـجلَتْـها بَـوَادِرٌ ** جـرتْ، فجـرى في جرْيهِـنّ عبيــرُ:

ذريني أكَثّرْ حاسديكِ برِحْلَةٍ ** إلى بـلَـدٍ فيـه الخصيـبُ أميــرُ

"أسباب الهوى لكثيرُ"، لكن أيضاً في قصائد أخرى فرح غامر بتدفق نهر النيل: " النيل ينعش ماؤه مصرا" و"النيل مع جوده فيه التماسيح" و"أنت الخصيب وهذه مصرُ - فتدفقا فكلاكما بحرُ"، واحتفاله بخصوبة الأرض المصرية حيث يقول مداورة " إذا لم تَزُرْ أرْضَ الخصِيبِ ركابُنا". وفي ديوانه إشارات لتردُّده على بعض الأديرة وشربه الخمر على يد ساقيات قبطيات:

هات من الراح فاسقنى الراحا 

أما ترى الديك كيف قد صاحا 

من كف قبطية مزنرة نجعلها للصبوح مفتاحا 

تقول للقوم من مجانتها بالله لا تحبسن الأقداحا

وقال مخاطبا أهل مصر - كما ينقل جمال الغيطاني -: "إن دنياكم مستوية ولا حرّ لا برد عليكم, وأنتم تتصرفون في حوائجكم سائر نهاركم، فى أوله وآخره وفي وسطه، وليس هذا لأحد غيركم"، وكان يقول: "يا سائلي كيف حالي؟ تنبيكه أشعاري، بمصر صرت غنيا عن سائر الأمصار بها استقام طباعي وتم خلع عذاري". نعرف أن العبارة خلع عِذَارَه تعني ترك الحَياءَ ورَكِبَ هواه. فهل فعل أكثر مما كان يفعل في العراق؟ هذا ما تقوله الجملة بغموض، ودائماً دون تفاصيل. فما الذي منعه من إعلان مجونه المعروف؟ السبب في ظني أن مصر كانت دائما بلداً يحترم التديّن وتعلنه في ممارساتها، بالنسبة للمسلمين والأقباط على حدّ سواء، وهذا مشهود له حتى يومنا الحالي. وهذا ما فهمه أبو نواس دون شك. إن ظهور شعراء مصريين على نمطه ونصوص أيروتيكية مصرية على شاكلة النصوص العباسية لم يحدث إلا بعد قرون من زيارة أبي نواس.

في السابع من رجب سنة مئة وواحد وتسعين هجرية (تعادل سنة 806 -807م) انتهت إمارة الخصيب، وبدأ أبو نواس يستعد للخروج من مصر بعد سنة كاملة أمضاها فيها.

بعض الدارسين كتب مرةً في جريدة (الأهرام) أن أبا نواس قد هجا المصريين واتهمهم بالبخل وسفح الدماء! فنيلهم ملئ بالتماسيح، وهو يقصد أبياته:

دم المكارم بالفسطاط مسفــوح 

والجود قد ضاع فيها وهو مطروح

يا أهل مصر لقد غيتم بأجمعكم 

لما حوى قصب السيف المساميح

أموالكم جمة، والبخل عارضها 

والنيل مع جوده فيه التماسيح

لولا ندَى ابْن جُوَيٍّ أحمدٍ نطقَتْ 

مني المفاصلُ فيكم والجَواريحُ

لكن الباحث ينسى السياق الذي قيلت فيه القصيدة، وهو محاولته، لأكثر من مرة، تهدئة فتنة وقعت في الشارع المصري حينها، منها قصيدته التي مطلعها "محضتكم يا أهل مصر نصيحتي - ألا فخـــذوا من ناصـــح بنصيب". ونسيان الباحث قبل ذلك أن هجاءً اكثر حدّة وشراسة من ذلك قيل في العراقيين وغيرهم من "الأعاريب". وفي الحقيقة أن عدم قبول أي نقد معاصر لمصر من غير المصريين هو مما ظهر بعد عام 1952، ويحتاج توقفاً هادئاً ونقداً.

هجرة الشعراء العراقيين إلى صقاع الأرض قديمة، وقد أحبوا غالباً الأماكن الجميلة التي هاجروا إليها. الإشارات السريعة التي بين أيدينا تبيّن أن أبا نواس تولَّه بمصر كما فعل بعده المتنبي القائل حبه بكلمتين مضغوطتين، ريفٌ ونيلٌ: "وَلي مِن نداكَ ريفٌ وَنيلُ"، وكما نفعل جميعاً اليوم.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top