ماذا تريد واشنطن من طهران؟ - 2 -

آراء وأفكار 2019/07/15 06:58:56 م

ماذا تريد واشنطن من طهران؟ - 2 -

التأثيرات المتوقعة للمفاوضات وأهداف الولايات المتحدة الستراتيجية

هشام داود - سعيدة بيدار

منذ إعادة فرض نظام العقوبات الشامل، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2018 ،

تتّجه الأطراف إلى التصعيد، بهدف ممارسة مزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية، ولا سيّما من خلال:

• تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، على نحو ما جرى في نيسان/ أبريل 2019 ، وهو المسؤول عن التأطير الأيديولوجي لقوّات حفظ الأمن الإيرانية، وتطبيق برنامج الصواريخ الباليستية، والعمليّات الخارجية غير المتناظرة.

• إنهاء الإعفاءات المقدّمة لبعض الدول التي تستورد النفط من إيران، على نحو ما جرى في 22 نيسان/ أبريل 2019 (باستثناء تلك المعطاة للعراق، وجُددت ثلاثة أشهر) مع الإفصاح عن سياسة تهدف إلى "أن تصبح صادرات النفط الإيراني صفراً ."

• فرض عقوبات إضافية، على نحو ما جرى في 8 أيّار/ مايو 2019 ، إلى منظومة العقوبات المعمول بها منذ عام 1995 . والعقوبات الإضافية ذات الصلة بصناعات المعادن الصلبة الإيرانية )الحديد والصلب والنحاس والألمنيوم)، وتشمل حظر استيراد هذه الصناعات واستثمارها والمساعدة في نقلها وتطويرها . ولا تزال العقوبات تترى، إلى لحظة كتابة هذا التحليل؛ إذ أضافت الولايات المتحدة سلسلة جدية من العقوبات إلى ترسانتها العقابية بحق إيران، وهو ما يؤكد أن الخيار الأميركي، إلى جانب الردع العسكري، هو العقوبات الاقتصادية الموجعة جداً للاقتصاد الإيراني، وتسهم، على المديين المتوسط والبعيد، في تفكيك المجتمع الإيراني.

وعلى الرغم من أن الإيرانيين يشعرون بأن طبيعة العقوبات، في هذه المرة، أشد وأقسى بكثير مما واجهته طهران سابقاً، وهو ما يحاولون تفاديه، فإنهم أدركوا جيداً أن المسألة، بالنسبة إلى واشنطن، هي إعادة التفاوض على الاتفاق النووي) والمسائل الملحقة، ولا سيما الانتشار النووي). وهكذا، أعلنوا على الفور استئنافَ برنامج تخصيب اليورانيوم بما يتجاوز نسبة 3.67 في المئة. وقد أفادت بعض التقارير الصحفية أنّ وكالة الاستخبارات الأميركية أعربت عن قلقها من انتشار قوّات وسيطة، درّبتها قوات الحرس الثوري الإيراني في جميع أنحاء بلاد المشرق، كما عبّرت الوكالة عن انزعاجها من بعض النشاطات البحرية الإيرانية في منطقة الخليج. وقد أجمعت جميع التقارير الصادرة عن جهات رسمية وغير رسمية على «الفاعلية "السريعة لسياسة الولايات المتحدة في ممارسة «ضغوط قصوى "، واعتماد "سياسة تصفير تصدير النفط "، من حيث تداعياتها التي تمثلت بتراجع سريع في معدلات نموّ الاقتصادي الإيراني )انهيار التومان، وارتفاع نسبة التضخم . وقد بات النقص الذي يعانيه نظام الضرائب الإيراني غير قادر على تعويض غياب الاستثمارات(، فضلاً عن حالة القلق المسيطرة على جبهة الاحتجاج الداخلي. وتجدر الإشارة إلى أن العقوبات تؤثر في القطاعات الرئيسة، وهي المحروقات أو) الهيدروكربونات(، والذهب، والنحاس، والحديد، والصلب، والألمنيوم، والتمويل (الوصول إلى الدولار والسوق الدولية، وإصدار الديون السيادية)، فضلاً عن السيارات، والنقل الجوي والبحري، وبناء السفن، ومشغلي الموانئ.

وفي الوقت الذي يهدّد الانهيارُ الاقتصادَ والاستقرار في إيران، تبدو الحاجة إلى استئناف المفاوضات على خطة العمل الشاملة المشتركة الخاصة بالبرنامج النووي أمرًا ضرورياً لواشنطن من جهتين: الأولى أنّ مدّة الاتفاق قصيرة (تتضمّن "بند الغروب"، وهو بند انتهاء التخصيب بحلول عام 2025 (، والجهة الأخرى أنّ ما يتعلّق بمسألة النووي وانتشاره ودعم «الإرهاب »، لم يؤخذ في الاعتبار، لذا من المتوقّع أن تقترح الولايات المتحدة الأميركية اتفاقاً لا يشمل بند الغروب، وهو ما يدلّ على المضيّ قدماً في عملية فرض قيود دائمة على عملية التخصيب، والتفتيش، وإدراج مسألة الصواريخ الباليستية، وفرض معايير معيّنة، تتعلّق بدعم الميليشيات ونقل الأسلحة إليها، فضلاً عن نشر القوات البحرية الإيرانية في منطقة الخليج، وفي مضيق باب المندب.

ويرافق هذا التفاوضَ (الذي بدأ تقريباً بإجراء اتصالات من خلال دول إقليمية ودولية عدة):

• نشر قوّات أميركية في منطقة الخليج) بحرية وبرية(، ووحدات من قوّات التحالف )بما فيها قوات أميركية(، إلى جانب قوّات سوريا الديمقراطية ) قوّات كرديّة - عربية(، في جميع أنحاء المنطقة الشرقية من سوريا، وعلى الحدود، إلى جانب القوّات العراقية )محاصِرين بذلك الطرق المؤدية إلى إيران والعراق وسورية ولبنان وإسرائيل).

• بذل جهد دبلوماسيّ مع الفصائل العراقية الشيعية المسلحة، لكي تتحرّر من قبضة طهران، واعتماد سياسة تحفّز الحكومة العراقية على الامتناع عن استيراد الغاز الإيراني.

• تعزيز الدعم العسكري للجيش اللبناني (لإضعاف دور حزب الله).

• إنشاء "تحالف الشرق الأوسط الإستراتيجي"، وهو مشروع للتكامل الإقليمي، على الصعيد الاقتصادي "والطاقي" والسياسي والأمني، يضم دول مجلس التعاون والأردن ومصر. ويتيح هذا المشروع التمويل الذاتي، على المستوى الأمني، ويفسح المجال أمام هذه الدول للتعاون في ما بينها. عندئذ، يمكن للولايات المتحدة أن تركز جهدها على التصدي للقدرات المناهضة لدخولها، وتحدّي نفوذ روسيا

والصين، وإيران (القوّة الفاعلة الناشئة).

• مشروع التكامل الاقتصادي لآسيا الوسطى وأفغانستان CASA ، على مستوى الطاقة والأمن. ويحفّز

هذا المشروع المستثمرين من خلال برنامج “طريق الحرير الجديدة”، وبناء طرق العبور )ترانزيت( العابرة

للمناطق، فضلاً عن إنشاء بنى تحتية لنقل المحروقات والكهرباء.

نتيجة لذلك، حدّدت وزارة الخارجية الأميركية التداعيات المتوقّعة للعقوبات، وتضمن في النهاية تحقيق الأهداف الستراتيجية، وفقاً لاثني عشر شرطًا، إذ يجب على إيران :

• أن تقدّم للوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرًا كاملً عن الأبعاد العسكرية السابقة لبرنامجها النووي، وأن تتخلى تخليًا دائمًا ومؤكدًا عن هذا العمل نهائيًا.

• التوقف عن تخصيب اليورانيوم، وألّا تسعى أبداً إلى إعادة معالجة البلوتونيوم، وهذا يشمل إقفال مفاعل المياه الثقيلة.

• أن تتيح دخول الوكالة الدولية، لتفتّش جميع المحطات النووية في البلاد.

• الحدّ من انتشار الصواريخ الباليستية، ووقف أي عملية لإطلاق أنظمة صواريخ تتمتّع بقدرة نووية، وألا تعمل على تطويرها.

• إطلاق سراح كل الأميركيين وحاملي جنسيات دول حليفة، ممن جرى توقيفهم بحجّة اتهاماتٍ كاذبة.

• التوقف عن دعم المجموعات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك حزب الله اللبناني والتنظيمان الفلسطينيان حماس والجهاد الإسلامي.

• احترام سيادة الحكومة العراقية، والسماح بنزع سلاح الميليشيات الشيعية وتسريحها، وإعادة دمجها.

• إيقاف دعمها العسكري للميليشيات الحوثية، لتسعى إلى تسوية سياسية في اليمن.

• سحب جميع قوّاتها بالكامل من سوريا.

• إنهاء دعمها لطالبان والإرهابيين الآخرين، في أفغانستان والمنطقة، والتوقف عن إيواء كبار قادة القاعدة.

• وضع حدّ لدعم فيلق القدس في الحرس الثوري للإرهابيين، والحلفاء الناشطين في أنحاء العالم كافة.

• وضع حدّ لتهديداتها لجيرانها، وهذا يشمل، بالطبع، تهديداتها بتدمير إسرائيل.

والقائمة تطول، ولكنها تؤدي إلى تخلي طهران عن جزء كبير من سياستها الخارجية. وحتى إذا سلّمنا ببعض المبالغات الأميركية في الوصف وفي المطالب، فحزب الله وحماس يُعدّان طرفين سياسيين فاعلين وشرعيين، حتى في نظر بعض المراقبين الأميركيين؛ فكيف يمكن اعتبار التهديدات الشفهية بتدمير دولة على أنها تهديد حقيقي؟ (ألم يقم ترامب بتهديد إيران هكذا!)، وهل حقّاً تؤوي إيران عناصر من تنظيم القاعدة؟

هل من خيارات عسكرية أميركية ؟

قد تدفعنا هذه الأمور إلى التساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة، فضلاً عن تفعيلها للعقوبات والشراكات الإقليمية، تخطّط للقيام بعمليات عسكرية محدّدة، تتجاوز انتشارها البحري والعمليات التي تشنّها في سورية والعراق؛ ذلك أن خطط طوارئ توجد، على الأغلب، للمرحلة التي تلي الخروج من اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة؛ فإيران توقّفت عن تخصيب اليورانيوم (وصدّرت ما يقارب 98 في المئة من مخزونها)، وهذا سيستغرقها، على الأقل، سنة واحدة لتجديد مخزونها الذي تحتاجه لصناعة قنبلة. وخلال هذه السنة سيكون لدى البنتاغون متّسع من الوقت للتخطيط للقيام بعملية محدّدة الأهداف، للحدّ من الانتشار، وقد تشمل:

• حصاراً بحرياً، وسيطرة مشدّدة على الحدود مع العراق؛ لتجنب أي تصدير للمحروقات (وغيرها من المواد الخاضعة للعقوبات)، ونقل الأسلحة.

• توجيه ضربات محدّدة تستهدف مواقع القيادة، وبعض المواقع الحساسة (مواقع تطوير الصواريخ ومنصّاتها ومنظومة الطائرات من دون طيار).

• هجوماً إلكترونياً يعطل مراكز القيادة العسكرية ومراكز القرار، وحتى مراكز الإنتاج الصناعي والطاقة. 

ومن ناحية أخرى، إنّ أيّ حملة عسكرية كبرى تقضي بقصف إيران، أو غزوها، غير واردة، وستكون نتائجها عكسية، إذ ستتسبّب بمزيد من الانخراط في مشروعها النووي، وستوقع خسائر بشرية فادحة، ولكنها حتمً لن تؤدي إلى تغيير في النظام، هذا فضلً عن العواقب الإقليمية.

خاتمة 

ندرك أن هذه الاضطرابات الحاصلة اليوم بين واشنطن وطهران هي نتيجة استئناف المفاوضات على الشأن النووي، وما إلى ذلك من عوامل ذات صلة ببقاء الضمانات الكاملة لواشنطن بالوصول إلى الخليج، وأن هذه المفاوضات تجري في سياق يلائم واشنطن أكثر بكثير مما كان عليه ميزان القوى في عام 2015 .

اعتقدت طهران أن في إمكانها تطوير خياراتها الاقتصادية العالمية، واستعادة مكانتها في سوق الطاقة العالمية، ومن ثم، توفير فرص العمل والاندماج الاجتماعي للشباب والطبقة الوسطى. واعتقد النظام أنه يستطيع أن يُبقي استدامته في ظل نظام حكمٍ يجمع بين الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، ويحافظ على التوازنات الأمنية السياسية. ومن جانبها، لم تعد واشنطن بحاجة إلى المحافظة على علاقة تعاون موضوعية مع إيران، ومعادية للتمرّد في سورية والعراق (بعد الهزيمة العسكرية لداعش)، وتعتقد أن في إمكانها استغلال نافذة الفرصة الحالية لإرغام الإيرانيين على التفاوض بحسب شروطها.

قد تقبل طهران بوضع برنامجها لتخصيب اليورانيوم تحت مراقبة دائمة، فمهما يحدث يمكن اعتباره أنه على "عتبة " الترسانة النووية، كما هي الحال مع القوى الناشئة الأخرى، مثل البرازيل واليابان وألمانيا. إلا أن المشكلة تكمن في ترسانة الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار الخاصة بها، ولن تتخلّ عنها الدولة الإيرانية بسهولة، من دون المس بسيادتها الوطنية (قدرتها الدفاعية)، واستمرارية قاعدتها الصناعية والتكنولوجية. وفي السياق نفسه، لا يمكن لإيران أن تتخلى عن سياستها القائمة على توسيع وحماية علاقاتها ومصالحها في بلاد المشرق وآسيا الوسطى وخليج عدن، وحتى في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.

كذلك ليس من مصلحتها عدم الإقدام على بلورة علاقات إستراتيجية متينة مع روسيا والصين. إضافة إلى ذلك، قد يردّد ترامب وأعضاء إدارته أنهم لا يسعون إلى تغيير النظام في إيران، غير أنّ الخطابات والأدبيات الحديثة لوزارة الخارجية تبيّ عكس ذلك، ولا سيّما التقرير الذي أصدرته، وعنوانه "نظام خارج عن القانون: سجلّ إيران للأنشطة التدميريّة " ، وتدين فيه «السلوك العدائي الذي يزعزع الاستقرار في الخارج وقمع الشعب الإيراني". هل يمكن للضغوط التي تمارسها واشنطن أن تؤدي إلى مثل هذا التغيير في النظام؟ بالطبع لا، ولكنها من المؤكد أنها ستُحدث زعزعة داخلية كبيرة؛ نظراً إلى حجم الأزمة الاقتصادية الحالية والمستقبلية، وإلى بعض الهشاشة الناجمة عن الاصطفافات الأصلانية داخل النظام، ولفترة الانتقال التي قد تشهد اضطرابات في البلاد في حال وفاة المرشد الأعلى (بسبب المرض). إذا اختارت القيادة، بكل حكمة، أو على الأقلّ، بمنطق، أن تباشر بالإصلاحات الهيكلية الضرورية من أعلى الهرم، يمكن للنظام أن يستمرّ في الحكم، ولا سيما في مجال التطبيع التقليدي للقوات المسلحة (إزالة الطابع السياسي عنها، وتعزيز الطابع التكنوقراطي فيها، والعلاقات المتميّزة على المستوى العسكري في الخارج، على حساب العلاقات بالمجموعات المسلحة الموازية، وما دون الدولة)، والحدّ من سيطرة القوات العسكرية (ولا سيما الحرس الثوري الإيراني)، والمؤسسات الدينية "البونياد"، على القطاعات الرئيسة للاقتصاد (تسيطر على ما تراوح نسبته بين 60 و 80 في المئة من الاقتصاد الإيراني). يجب أن يحدث هذا "الإصلاح الذاتي" في سياق انسحاب ستراتيجي، ومن ثم، تراجع التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية لجيرانها، وحلفائها الآنيين في المنطقة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top