(الأقليات) ومسألة الإندماج الوطني

آراء وأفكار 2019/08/19 08:31:57 م

(الأقليات) ومسألة الإندماج الوطني

حسين العادلي

بين الإستقلال والإندماج

من أهم نتائج اضطرابات الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، تنامي ظاهرة (صراع الهويات) والذي اتخذ وما زال طابعاً عرقياً طائفياً تعبوياً بدائياً ودموياً!!

وفي خضم صراع الهويات (داخل وبين الدول) برزت قضية (الأقليات) كقضية مركزية ستؤثر مآلاتها على تركيبة الدول. 

هناك اليوم أسئلة كبرى ما زالت عالقة -وهي بطبيعة الحال شائكة- عن طبيعة علاقة (الأقليات) بدولها السيادية الأم، ومآل هذه العلاقة تتفاوت بين المطالبات حول مصير (الأقليات) بين الإعتراف بها كأمم سيادية ناجزة الإستقلال وبين المطالبة بإعادة إندماجها الوطني الحقيقي وضمان إشراكها البنيوي بصلب قضايا الدولة وفق صيغ حكم وإدارة يُتفق عليها،.. ففي جميع الأحوال لم يعد مقبولاً بنظر نخب وجماهير (الأقليات) الحديث عن حقوق ثقافية أو مدنية مجتزءة، بل المطلوب أما الإستقلال أو إعادة الإندماج الوطني الشامل. الإستقلال قضية جد شائكة ومرتبطة بعوامل لا حصر لها، والإندماج قضية إشكالية لم تهتد إلى اليوم لصيغ حكم عادلة ومقبولة تفي بمتطلبات الواقع وترسم أفقاً جديداً ينهي هذه الإشكالية، وبقاء الوضع على ما هو عليه ليس بصالح أحد وينذر باحتماليات خطيرة.

الدمج القسري

للتاريخ، لم يكن للأعم الأغلب من دول المنطقة إندماجاً وطنياً حقيقياً، بل كان هناك دمجاً قسرياً تشوبه صراعات الهوية والحروب الداخلية ضمن حراك المطالبة بالحقوق الشاملة في كيانات الدول السيادية، والسبب: فشل مشروع الدولة الوطنية على يد آباء التأسيس، والإحتكار العرقطائفي للسلطة والثروة والتعابير السيادية للدولة لصالح هويات مجتمعية محددة على حساب باقي الهويات المجتمعية وحقها بالدولة. فالذي ساد بمنطقتنا -بعد الحرب العالمية الأولى- قيام ونشوء الدولة القومية الطائفية –بشكل علني أو مستتر- كنموذج للدولة الحديثة على حساب مشروع الدولة الوطنية المدنية التي تعتبر أمّة الدولة أمّة وطنية على تنوع هوياتها المجتمعية.

الولادة القسرية

القليل من الدول تطورت أمتها الوطنية بفعل سيرورات تاريخية ممتدة ومتصلة فسارت وفق معادلة (الأمّة الدولة)، فهناك أمّة ممتدة الروح والفاعلية ومتغيرة لديها أشكال الدول المعبِّرة عن وجودها كأمّة عبر التاريخ. والكثير الكثير من الدول أنتجتها الحروب ومعاهدات تقاسم الغنائم بين المنتصرين عسكريا، فنشأت على أساس من معادلة (الدولة الأمّة)، فقد تم إيجاد الدولة وعليها توحيد أمتها وإنتاجها وفق مشروعها الوطني. إنَّ ولادة العديد من دول والتي جاءت وفق معادلة (الدولة الأمّة) كانت ولادة قسرية على يد هذا المستعمر أو ذاك،.. صحيح أنَّ العديد من هذه الدول هي وارثة وامتداد لتاريخها السياسي الحضاري (فالمستعمر لم يوجد شيئاً من الفراغ)، هذا صحيح، إلاّ أنَّ الصحيح أيضاً أنَّ أمم هذه الدول كانت ضمن إطار سيادي إمبراطوري جاءت الحروب وجاءت الهزائم لتقسّم تركته،.. وهذا هو الجديد، فالجديد هو تشكيل دول جديدة وفق حدود معترف بها بكيان سيادي محدد، فوجدت العديد من الأمم نفسها مشتتة في أكثر من دولة سيادية،.. فبدأ فجر الدولة الجديدة.

مقتل الأمّة الوطنية

مع ولادة الدولة الجديدة -عقب تقسيم الإمبراطوريات- ولدت معها أمتها الوطنية، وأمتها الوطنية هنا خليط من أمم عرقية دينية طائفية ثقافية أطرته الدولة (كأمة وطنية) واعترفت بها المحافل الدولية، فأصبحت الدولة الإقليمية حقيقة قائمة. وابتدء مخاض السيرورة، سيرورة أمة الدولة. 

مَن الذي ينمي ويفعل ويوحد ويطور الأمة الوطنية؟ هي الدولة ومشروعها طبعاً، إنَّ الأمة الوطنية والدولة وجهان لحقيقة واحدة، فالدولة كفلسفة وأنظمة وقوانين وسياسات وحقوق وحريات واقتصاد... هي المنتجة للأمة الوطنية، والأمة الوطنية هي جوهر الدولة ووجودها. هذا يعني أنَّ نجاح مشروع الدولة هو نجاح إنتاج أمتها الوطنية، فالأمة الوطنية المتنوعة الهويات والخلفيات الفرعية تتوحد في الإنتماء والولاء لكيانها الوطني السيادي الجديد (الدولة)، والعكس صحيح، فإذا ما فشل مشروع الدولة فستبقي جمهورها متشظٍ الى أمم ومنقسم الى جماعات ومشتت الى فرق. 

الدولة (أي دولة) هي أمّة وطنية، هي خليط عرقي ديني طائفي ثقافي (إذ لا توجد دولة صافية)، توحده الدولة كأمّة وطنية سيادية، فالدولة في جوهرها جمهور وطني (كأفراد) ينتظم بعقد ويتسير بقانون ويتأطر بمؤسسات ضمن إقليم سيادي معترف به دولياً. إنَّ الأمّة الوطنية هي أمّة مواطنين وليست تكدس هويات مجتمعية، والدولة حيّزهم المشترك المحقق لمصالحهم بعدالة ومساواة وتكافؤ ودونما إقصاء أو تحيّز،.. وإذا ما فشلت بمشروعها الوطني فستفشل بالبقاء كدولة ناجحة أو ناجزة الوحدة والسيادة.

قُتلت الأمّة الوطنية للدولة عندما تم تنحية المشروع الوطني المستند الى المواطنة والمدنية والديمقراطية والتعايش المنتج للتعددية،.. فالدولة التي سادت شرق أوسطياً هي الدولة العرقطائفية المستبدة، أي الدولة ذات الآيديولوجيا والثقافة المعتمدة على أوحدية وواحدية العرق أو الطائفة في امتلاك الدولة واحتكارها، فحال ذلك دون اندماج هويات المجتمع الفرعية لتكوين أمّة الدولة الجديدة، وبقيت الدولة شكلاً قسرياً توحد بالقوة التنوع المجتمعي داخل الدولة، وغدت الدولة ملك الأكثريات أو الأقليات التي صبغتها بصبغتها ووجهتها صوب مصالحها، فتعاظم الشعور بالحيف وتنامى التمييز بين المواطنين، فانهارت وحدة أمة الدولة بسبب الفشل بالإندماج الوطني الأساس لوحدة وقوة الدولة.

خطيئة المدرسة القومية

تتحمل المدرسة القومية الطائفية –شرق أوسطياً- الوزر الأكبر في تعطيل مبدأ المواطنة وما قاد من تصدع لأمم الدول، فنموذج الدولة القومية الطائفية التي سادت في منطقتنا لعقود –على حساب نموذج الدولة الوطنية- هشّم الأمة الوطنية للدولة وحال دون خلق المشترك الوطني والهوية الوطنية المعبرة عن جميع مواطني الدولة، وتلك خطيئتها الكبرى. لقد أدى احتكار الدولة قومياً وتمذهبها طائفياً والحرمان من الحقوق والمشاركة السياسية إلى تنامي الشعور بالغبن والدونية لدى القوميات والمذاهب الأخرى في هذه الدولة أو تلك، وعزز لديها الشعور بالإستعباد والإستبعاد، فحال دون اندماجها الحقيقي في الدولة، فتضخمت هويتها وتعاظمت تطلعاتها بكيانية تمثل ذاتها وهويتها ومصالحها. إحدى أهم مخرجات إقصاء شروط واشتراطات المشروع الوطني المدني العادل للدولة -والتي نجني حصادها اليوم- هي الفشل بإيجاد أمّة وطنية موحدة تمثل أمّة دولة بسبب الفشل بعملية الإندماج الوطني واستبداله بعملية الدمج القسري اللاغي للخصوصيات والمستهدف الصهر الهوياتي للظفر بالدولة الصافية!!.. من هنا خُلق تضاد وصراع الهويات، ومن هنا برزت إشكالية وجدلية دور (الأقليات) في أنظمة الدولة وكياناتها السيادية. إنَّ بروز هذه القضية كإشكالية هي أهم نتائج احتكار مشروع الدولة وتسيد أنظمة التمييز والإستبداد القومي الطائفي في بناء وإدارة نموذج الدولة الجديدة بعد عهد الإستعمار.

إنه تجاهل مميت ذاك الذي مارسته المدارس السياسية الحاكمة تجاه قضية (الأقليات) في منطقة الشرق الأوسط عندما لم تشرع بتأسيس بنية سياسية قادرة على استيعاب التنوع المجتمعي الهوياتي، كما أنه إلغاء قاتل إرتد على مشروع الدولة عندما مارست الأنظمة السياسية التمييز والإقصاء بحق (الأقليات) ودورها وحقوقها السياسية والمدنية في وطن يُفترض أنه وطن الجميع.

الأقلية مصطلح ملغوم

تعرّف مسودة الإتفاقية الأوربية لحماية الأقليات، (الأقلية) بأنها: جماعة عددها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، ويتميز أبناؤها عرقياً أو لغوياً أو دينياً عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم. وهو ذاته التعريف التعريف الذي وضعته اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

هناك اشكالية تتعلق بتعريف (الأقلية) وفق ما هو متعارف عليه في الأدبيات السياسية الأممية،.. فاستخدام مصطلح (الأقليات) لا ينفك بأي شكل من الأشكال عن آيديولوجية الدولة، وأتصور أنَّ اعتماد مصطلح (الأقليات) جاء على أساس من الخلفية الآيديولوجية للدولة القومية التي كانت سائدة، والتي كانت تساوق بين الأمّة والقومية على صعيد الدولة وفي مجالها. 

(الأقلية) مصطلح ملغوم في العرف البنيوي للدولة الوطنية، فالدولة ذات المرجعية الوطنية المدنية لا تعترف بالأكثريات والأقليات على أساس عرقي أو ديني أو طائفي، فالجميع سواسية وعلى قاعدة اعتراف قانوني سياسي متساو ولهم ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات. إنَّ مصطلح (الأقليات) يصدق فيما لو كان مرجعية الدولة تقوم على أساس عرقي أو ديني أو طائفي، فعندما تكون الدولة عربية –مثلاً- فمن هم ليسوا بعرب فهم (أقلية) وفق نظام الدولة وفلسفتها، والحال ذاته مع الدولة الدينية أو الطائفية،.. هنا يكون لمصطلح (الأقلية) وجوداً حقيقياً، لكن، ستبرز بذات الوقت إشكالية كبرى تتصل بمصير الأمة الوطنية المشكّلة أساساً من مجموع الهويات المجتمعية كافة.

الدولة هي الحيّز المشترك

عندما تُؤسِّس لدولة الأكثرية العرقية أو الطائفية.. فإنك تؤسس لكيان دولة لا تعترف بالآخر المختلف عنك عرقاً أو طائفةً، وهو ما يقود لخلق أمة وطنية هشة توحدها القوة والمصالح الآنية.

التنوع الديني والعرقي والطائفي واقع لا تخلو منه دولة، والإشكالية عندما تؤسس الدولة على وفق الإعتراف بأحدية وواحدية عرق أو طائفة في امتلاك الدولة وصياغتها وفق هوية ومصالح هذه القومية أو تلك الطائفة، عندها لا يشعر المواطن الآخر بالإنتماء فينهار الولاء تبعا، وستمارس الدولة التمييز والإقصاء حتماً ما دامت قد فصّلت على وفق أقيسة ومقاسات قومية وطائفية معينة. وحدها الدولة الوطنية هي القادرة على احتواء التنوع، فهي تحترم التنوع وتعطي له مدياته المجتمعية في التعبير عن الهوية والخصوصية الذاتية، لكنها لا تؤدلجه بل تحيّده من خلال اعتماد مبدأ المواطنة الذي يعترف بالمواطن كوحدة قانونية سياسية تامة بغض النظر عن انتمائه وهويته الفرعية، فالدولة هي مجموع مواطنين متساوين متكافئين بعيداً عن خلفياتهم الدينية الطائفية وأصولهم العرقية، وهي حيزهم وكيانهم المشترك المحقق لمصالحهم المشتركة.

مآلات الدولة

لم يعد نموذج الدولة ذات الأنظمة التمييزية بقادر على الصمود، إنه عصر انهيار الدولة التقليدية التي احتكرت السلطة والثروة على أساس من هوية واحدة وفشلت بقضية الإندماج الوطني لتكوين أمّة الدولة فقادها الإحتكار الى التمييز والاستبداد فالانهدام. أيضاً، ما تعيشه أكثر من دولة اليوم من صراعات داخلية على أساس هوياتي لا يمكنه الصمود طويلاً أمام كارثة الإنهيار الشامل، واستمرار حالات اللا استقرار والاستنزاف المتبادل سيضعف الجميع، ولا يمكن ضمان مستقبل أي هوية مجتمعية فيما لو ساد التطرف وانعدام أجواء الحوار والثقة والقواسم المشتركة.

مآلات الدولة ستحدده شعوبها وأممها، وهي أمام لحظة مصير كبرى، على نخبها وقواها التزام أقصى درجات الحكمة والواقعية والمسؤولية في التعاطي مع مصير مجتمعياتها ودولها، فالتشدد السياسي والإنغلاق الهوياتي والمصالح الضيقة والآنية لا يمكن أن يؤسس لمآل إيجابي قادر على تحقيق الأمن والإزدهار لأيٍ من الهويات.

تعليقات الزوار

  • احسنت المقال استاذ حسين العادلي....المقال شخص الخلل في تكوين الدوله ومكوناتها الطاءيفية والعرقية ووضع حلا مقبولا

  • يشار دوزلو

    تشخيص دقيق لعلل مازالت تبدو معقدة ولا يوجد من يتبادر الى التصدي لحلها...

  • اسامة حسن صالح

    اختيار مهم تمنياتي لكم التوفيق والنجاح

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top