بناتُ توني موريسون: استذكار

بناتُ توني موريسون: استذكار

كتابة : زادي سمث

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

أقدّم أدناه ترجمة للمقالة التأبينية التي نشرتها الروائية البريطانية المعروفة ، وكاتبة المقالات والقصة القصيرة ( زادي سمث ) على الموقع الألكتروني PEN AMERICA

في 7 آب ( أغسطس ) 2019 عقب وفاة توني موريسون . ليس صعباً على القارئ الحصيف أن يكتشف في ثنايا هذه المقالة ، وبطريقة واضحة تماماً ، أنّ ( زادي سمث ) ترى نفسها - مع كاتبات أخريات - واحدة من بنات توني موريسون ، حتى لكأنّنا نستطيع القول ، من غير مواربة أو استحياء ، بأنّ كلّ الكاتبات الأميركيات - الإفريقيات قد خرجن من جلباب توني موريسون . كانت توني موريسون كاتبة ملهمة لجيلها خلال حياتها ، وأوقنُ بأنها ستبقى مبعث إلهام لأجيال كثيرة قادمة .

 المترجمة

قرأتُ الروايات الأولى لتوني موريسون وأنا في أول أطوار شبابي بعدُ ، بل وربما كنتُ صغيرة للغاية لم أتجاوز العاشرة . لم يكن في مستطاعي دوماً آنذاك أن أتابع تجاربها اللغوية أو الكثافة العالية التي تكتنز بها تعابيرها الاستعارية ؛ لكنّ الأمر المؤثر بالنسبة لي حينذاك والذي يتجاوز حدود التأثيرات المباشرة لكتابتها كان الحقيقة الخاصة بطبيعة حياتها . إحتلّت كتب موريسون معظم رفوف الكتب في غرفة معيشتنا وبنسخ عديدة لكلّ كتاب منها ، وكأنّ أمّي أرادت بهذا الفعل التثبّت من حقيقة أنّ موريسون وُجِدَت على هذه الرفوف لتبقى إلى الأبد . إنّ من الأمور الشاقة اليوم إعادة تخليق أو وصف الحاجة العميقة إلى الإجابات التي وفرتها كتب موريسون ؛ إذ لم يكن حقاً شيء يتماهى مع " سحر الفتاة السوداء " في لندن عام 1985 ، وإذا ماشئنا الدقة فسنقول لم يكن ثمة فتاة سوداء يُشار لها باستحقاق في الدوائر الثقافية ماخلا مجالات الغناء ، والرقص ، وربما سباقات الجري . كان ثمة العديد من كتب " الكاتبات السود " محفوظة في رفوف الكتب العائدة لأمي ، وكانت ( توني ) واحدة بينهنّ ؛ لكن لم يُذكر إسمُ واحدة من هؤلاء الكاتبات في أي صفّ دراسي حضرته ، فضلاً عن أنني لستُ أذكر مشاهدتي يوماً ما لواحدة منهنّ على التلفاز أو في الصحف اليومية أو في أيّ موضع آخر ؛ وتأسيساً على هذه الحقائق فإنّ قراءة روايات على شاكلة ( العين الأكثر زرقة ) ، ( سولا ) ، ( أنشودة سليمان ) للمرّة الأولى مثّلت أكثر من محض تجربة جمالية أو سايكولوجية ؛ بل كانت تجربة وجودية عميقة في جوهرها . 

سعيتُ من جانبي ، ومثل كثيراتٍ سواي من البنات السود في جيلي ، إلى وضع موريسون في موضع تنهض فيه بعبء غير ممكن أو محتمل بالنسبة لشخص بمفرده ؛ فقد أردتُ أن أرى إسمها منقوشاً في كعب كتاب وبطريقة تمنحني ذلك الإفتراض الكسول والثقة العمياء للأفراد المنتفخين المعتدين بأنفسهم عن جهالة وكبرياء - الإفتراض الذي يرى وجود علاقة عائلية المستوى وذات سطوة موروثة ومتخيلة يستشعرها كلّ صبي أنكلو- ساكسوني في المدرسة ، وبصرف النظر عن مدى جهله بالأدب وعدم إكتراثه به ، في كلّ مرة يتناهى إلى أسماعه إسمُ ، دعونا نقل مثلاً ، ويليام شكسبير أو جون كيتس . ليس ثمة من كاتب يتوجّب عليه النهوض بمثل هذا العبء ، والخصيصة المميزة وغير الإعتيادية بالنسبة لموريسون هي أنها لم ترغب بتحمّل ذلك العبء فحسب بل كانت جهودها في الكتابة مكافئة لذلك العبء ذاته ؛ فقد كانت تعرف منذ البدء أننا أردناها - نحن السود - لامحض كاتبة إضافية بل ممثلة لخطاب خاص ، وقد إمتلكت بالفعل صوتها المتفرّد ولغتها الروائية المميزة ، وجعلت كلّ رواية من رواياتها مشروعاً ؛ بل وأقول رسالة ، بدلاً من جعلها محض متعة ترفيهية عابرة . مثلما توجد عبارة كيتسية وأخرى شكسبيرية فقد جعلت موريسون من عباراتها مِلْكية ممهورة بإسمها وبطريقة لاتكاد تغيب عن القارئ ؛ فهي عبارات ثرية في قوتها المحرّكة وفخامتها الإستعارية المُوَلّدة ذاتياً ، وهي متخمة بعبارات إعتراضية قصيرة كما لو كانت قطعة نثرية خطابية يلقيها أحد الرؤساء في القرن التاسع عشر ، وقد حافظت موريسون دوماً على إخلاصها لرؤيتها الجوهرية التي ترى بأنّ اللغة السردية - بعموميتها وشموليتها وتحسّبها والتوائها ومقارباتها الحكائية الإستعارية وجذورها الضاربة في الثقافة الشفاهية - يمكن أن تقدّم شكلاً من الحكمة يتمايز عن ؛ بل ويتقاطع ( كما تعبّر موريسون ذاتها ) مع " اللغة الأكاديمية المتكلّسة أو لغة العلم المدفوعة بمتطلبات تسليعية . " 

كانت خيبة الأمل إزاء التخوم التي يمكن أن تبلغها القدرة الإنسانية هي الموضوعة ( الثيمة ) العظيمة لتوني موريسون ؛ لكن لم تكن لتقبل بأية أوهام - حتى لو كانت في لاوعيها الدفين - تدفعها لقبول خيبة الأمل المنفّرة تلك . على سبيل المثال ، في روايتها ( العين الأكثر زرقة ) ، كيف يمكنك ككاتب أن تكتب بشأن الإشمئزاز من الذات من غير تناول تلك الذات ؟ أو من غير شيطنة العادة السيئة اللصيقة بها ؟ أو إلصاق قدرة الإنتصار في تلك الحرب الذاتية على الثقافة التي خلقت ذلك الشعور المنفّر ( لدى الفتاة السوداء ، المترجمة ) . كان يتوجّب على كلّ من يتصدّى للكتابة عن تلك الثيمة أن يتفكّر كثيراً وملياً في كلّ تلك الجزئيات وأمثالها ، وقد فعلت توني موريسون هذا بكثير من الإجادة لاباعتبارها روائية مجتهدة فحسب بل بكونها ناقدة وأكاديمية كذلك .

بقدر مايختصّ الأمر بي فإنّ الخصيصة الأكثر إدهاشاً في كتاب مقالاتها الأخير والمنشور تحت عنوان ( مصدر التقدير الذاتي ) هي مستوى النقد الأكاديمي المستديم عالي المستوى الذي أخضعت له موريسون رواياتها الشخصية مثل معماريّ يدعوك لجولة في دهاليز بناية عالية قام بتصميمها وبنائها ، مع الشعور ذاته الذي ينتابك تجاه الوظيفتين الجمالية والإستعمالية . وضعت توني موريسون نفسها في خدمة شعبها مثل كتّابٍ آخرين دعوا لمثل هذه الخدمة ؛ ولكنّها تفوّقت عليهم بكونها جعلت هذه الخدمة علامة إمتياز تتباهى بها . سعت توني موريسون في جُلّ مشروعها الكتابي إلى إضفاء روح النبل والتبجيل على الثقافة السوداء ذاتها عبر تغطية مختارة لتضاريس هذه الثقافة بطريقة مناسبة للكشف عن أمجادها ؛ ولكن قبل هذا بكيفية تكون معها تلك الثقافة مستحقة لأن توصف بكونها سليلة تلك الأمجاد الغائرة في القدم . 

امتلكت موريسون إجابات حادّة فورية وذائعة الصيت بإزاء هؤلاء الذين يعتبرون مداخل عمارتها الروائية ضيقة ، وبالرغم من أنها حافظت على تصميمها الفولاذي في الحفاظ على مشروعها الروائي من أية إنزياحات جانبية ؛ فقد صرنا نفهم الآن بالطبع أن ليس ثمة من مداخل ضيقة ( أي تقتصر على ثيمات محدّدة دون سواها ، المترجمة ) إلى بيوت التأريخ ، والتجربة الشخصية ، والثقافة ؛ إذ عندما يختصّ الأمر بطرق الحكي ، أو الرؤية فإنّ حكاية كلّ إنسان تبدو لانهائية ، وهكذا هي بالطبع حكاية كلّ إمرأة سوداء . إنّ هذه الخريطة الممتدة من التضاريس الحكائية اللانهائية هي الخريطة ذاتها التي فتحت توني موريسون مغاليقها أمام فتيات صغيرات - مثلي - ممّن كنّ يخشيْن الإنزلاق في مسارب أخرى . 

نَشَرَت عام 1992 صديقةُ والدتي المقرّبة لها كثيراً ، الناشرة الأسطورية البريطانية السوداء غانيّة المولد مارغريت بسبي ، المجلّد الأوّل من عملها الأشهر ( بناتُ إفريقيا ) الذي ضمّ بين أسمائه - بالطبع - إسم توني موريسون إلى جانب مائتين من الأسماء النسائية الأخرى . جاء عنوان هذا الكتاب من كلمات ( ماريا دبليو . ستيوارت ) ، المرأة الأمريكية - الإفريقية الأولى التي تقدّم محاضرات عامة ، وقد قالت في إحدى تلك المحاضرات : " أووووه ، أنتنّ بنات إفريقيا ، إستيقظن ! إستيقظن ! إنهضن ! لامزيد من النوم أو النعاس بعد اليوم بل إعملن على تمييز أنفسكنّ والإرتقاء بها . أظهِرْن للعالم بأنّكنّ مسكوناتٌ بالمَلَكات الفخمة والنبيلة . " 

عقب سنة من نشر ذلك الكتاب فازت موريسون بجائزة نوبل ، وبعد سنة من ذلك الفوز إنتسبتُ لجامعة درستُ فيها مقرّراً جامعياً بالأدب الإنكليزي لم يحتوِ أياً من أسماء بنات إفريقيا مثلما لم يحتوِ أياً من أسماء أولاد إفريقيا !! كان التغيير سيأتي وإن طال انتظاره ؛ لكنّ موريسون ظلّت في مقدّمة الركب ، متميزة متفرّدة كعادتها ، لتقودنا نحو المستقبل مثل شعاع ضوء يرينا المسار وسط الظلمة الداكنة.

نشرت مارغريت هذه السنة ( 2019 ) المجلّد الثاني من كتابها ( بنات إفريقيا ) المماثل في حجمه للمجلّد الأوّل ، والملاحظُ في العديد من الكاتبات المذكورات في المجلّد الثاني أنّهنّ لسن بنات إفريقيا فحسب بل بنات موريسون ( والكلام هنا بطريقة إستعارية بالطبع ) - تلك الطائفة من الكاتبات التي أعِدُّ نفسي واحدة منهنّ . رفضَتْ موريسون مفهوم ( الباب الضيّق ) ورأت نفسها خليقة بأن تلج العالم من أوسع أبوابه ؛ وهي بفعلتها هذه أضافت ثراءً باذخاً لميراثنا الأدبي ، ويمكن اليوم لأيّ طفل في المدرسة ، وبصرف النظر عن خلفيته الثقافية ، أن يُنَسّب مواريث موريسون له باعتبارها سلفاً أدبياً - كاتبة أمريكية عظيمة متاحة له مثل أي كاتب عالمي معترف بريادته الأدبية في المدوّنة الأدبية العالمية . 

إنّ كلّ القرّاء والكُتّاب مدينون لتوني موريسون وجهدها العظيم في صناعة ذلك الفضاء الثقافي الذي صار علامة مميزة لإسمها في التأريخ الأدبي الأمريكي والعالمي على حدّ سواء . 

تعليقات الزوار

  • Rasha Al Rubaie

    دائماً ما تتحفنا الكبيرة لطفية الدليمي بدقة وأناقة ترجماتها شكراً ايتها العزيزة المبدعة

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top