استمالات الجنون ...  مُتسعات الحريّة في مسرحيّة  أمكنة إسماعيل

استمالات الجنون ... مُتسعات الحريّة في مسرحيّة أمكنة إسماعيل

حسن عبدالحميد

لم نجدُ ما يفضي دخولاً - وجوديّاً ، و نسقاً نفسيّاً ، محضاً - نحو مداخل و مُنبئِات مخارج مجمل ما أجهشت به

و شرّعت مسرحية " أمكنة إسماعيل " لمخرجها " إبراهيم حنّون " وكاتبها " هوشنك وزيري " إنتاج الفرقة الوطنية للتمثيل/ دائرة السينما والمسرح/2019 من هموم أعباء و تفاقمات هواجس و تصادمات متواليات مخاوف وغيرها من جواحد سلوكيات متضادة و أخرى مسننة و حادة ، غير محاولة النظر من زاوية ما كان يرى " سارتر" فيما يخص بعض أبعاد فلسفته الوجوديّة من مسارب مقولته ؛ " الحياة لا تساوي شيئاً ...لأن لا شيء يساوي الحياة " .

و يشاء أن يتقابل مثل هذا الرأي مع أمثولات " ميشيل فوكو " في سوانح حلوله الإجرائيّة لبعض خواتم أزمات خواصه النفسية و تعليلاته الفكرية عبر تباري تعمّقات دراسته الراسخة فيما يتعالق مع فهمه و مآثر جدواه حول " تأريخ الجنون " ، للحدّ الذي دعاه إلى نحتِ تبريرٍ لا يخلو من حوافل فخرٍ و إصرار تحدٍ ، بميول " راديكالية " وصولاً لنزعة قناعات تفيد بجرأة ما نادى قائلاً ؛ " لقد أخذتُ من الجنون ، ما كان ينقصني من الحريّة " 

مدخلان يهيمنان على هضم و فهم ما تضافر من ممكنات وثوق و تخاطر و تماهٍ ما جادت و جاءت تسعى إليه هذه المسرحيّة الإنسانيّة بهمومها الكونية النازفة - والتي لا تكاد ثيمتها الضمنية و الحقيقيّة أن تتوّقف أو تنحسر - فقط - عند حدود أوضاع ما مرّ به العراق فحسب ، بل تمتد لأبعد و أعمق مما حاولت الكثير من أعمالنا المسرحية - بل عموم مساعي درامتنا المحليّة - من جس و فحص حقيقة تلك الاوضاع المأساوية من حروب و حصارات ،وغيرها بهذا الكشف و التكثيف بغية توثيق أزمات الإنسان سعياً في بحثه الدائم عن جوهر " الحريّة " ، إن لم تكن بمستوى " الحريّة الحُرّة " تلك التي نادى بها "رامبو" لها ، أو بمن جاء على شاكلته، كما حفلت " أمكنة إسماعيل " من حثيات تشخيصها الدقيق الرامي لحمل أعباء قضية كبيرة و سامية تنطوي على جملة أفعال و سلوكيات ذات محاور واضحة و نتائج تكاد أن تكون متوقعة ، بل مرئية و شاخصة إلى حدٍ ملموس و محسوس . 

لعل ... الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقضي جُلّ حياته بحثاً عن الأخر ، فيما تتفاوت تلك المساعي وفق سلم الحاجات و الدوافع الإنسانية عبر متسعات الوعي و مكامن الإدراك الذي سيشُّكل مرآة عاكسة لكل جوانب ذلك المنال المضني .

لقد أحال نص " هوشنك " بكثافة و عمق ما حوى من صرامة أفكار و تصارعات رؤى و تعزيز قناعات - الكثير و المثير من المحددات النفسية لخوض إشكاليات التياع مشاعر و متواليات مخاوف ، و مفارقات مقدرات تزاحمت على توريد سلوكيات تجاوزت مناسيب حدودها القيميّة السائدة و المتوقعة حيال ما معمول و معروف في ثنايا نسيج مجتمعاتنا ، فضلاً عن تخريجات صانع العرض بتهيئة أفاق وأعماق رؤاه الإخراجيّة بإتساق و عي محكم و رصين ، و إلأّ ما الذي يجعل بطل المسرحية " إسماعيل " الذي أدى دوره بمهارة إتقان و ملكات تفرّد إدائي مشفوع برصانة خبرة و نبل إنتماء نادر الفنّان " رائد محسن " أن يرفض الرضوخ بوجوب مغادرة مستشفى الأمراض العقليّة ، و العودة إلى بيته و زوجته و أبنته ، مفضلّاً البقاء فيها بعد مكوثه لمدة خمسة عشر عاماً متواصلة ، تحت ذريعة - الإحتماء الإضطراري - بالجنون حلاً و سبيلاً - لا محال - و بما يتيح و يسمح التخلص من ضغوطات الحياة على مختلف فهم قناعاته التي أودت به للركون عند أسوار هذا الخيار الصعب ، بل المستحيل على وجه الدقة و التأكيد .

وعلى ضوء ما يديم دواعي إثبات " الثيمة " الأساسية و الرئيسة ، تسمو قدرة التوليد و التحاور بالطريقة التي انهال عليها النص و أخلص عبر أسئلة و محاور فلسفية غاية بالتأثير و الإقناع الذي أهلّه لنيل جائزة الهيئة العربية للمسرح كأفضل نص ، و قد شاء و أن أهداه الكاتب إلى روح صديقه الراحل " خضير ميري " الذي خاص مثل هذه تجربة إسماعيل ، مناورة و تخلّصاً من مختلف الضغوط النفسيّة و الإجتماعية و السياسية كلاً بحسب درجات وعيه " خضير أم إسماعيل " ، و مشيئة دفاعاتهم الفكرية والفلسفيّة ، في مجال ما يعرف ب " علم نفس الشواذ " و" علم نفس الشخصية غير السوية " ، فضلاً عن محاولات تمرير سيل من سُبل وسائل إقناع توازِ لوازم بث تبريرات و ضخ تدابير لبعض ما كان يخالج " فوكو " – مثلاً - من حيث طبيعة تفاقم الافكار ، و مساعي إيجاد تعليلات تقاوم الضد مما كان يعاني و يعيق سير أهدافه المدافعة عن الجنون كظاهرة إنسانيّة على العالم تقيمها و احترامها . 

ثمة مداخلة ينبغي إعادة ذكرها ، تفيض ببعض ما نتج من و ثوب عقل و نهج آراء و تحديثات " سارتر" فيما يحايث براعة جوهر اختصار تعريفه للمثقف على أنه" معارض" ، و لذلك صلة وثقى بجوانب معينة من متسعات الحريّة و نواحي استمالاتها بالجنون قبولاً تعويضيّاً ، حين تغلق عليها جميع المنافذ .

منذ لحظة البدء بمنطوق الحوار ، عند مستهل العرض ، توالت تراكمات قيّم و أوزان السجالات وحمى الجدال ما بين قرارات الطبيب " مدير المستشفى " الذي أدى دوره بحضور مؤثر و نسق آسر الفنان " باسل الشبيب " و ما بين المريض " إسماعيل " بمجمل تحوّلات أمكنته الحقيقة منها و المتخيلة ، بفائض براعة عرض مبهر و متقن ، شّكل فيه الفريق الفني المتكوّن من المبدعين " ماجد لفته العابد / محمد الربيعي / عباس قاسم / محمد عودة النقاش "، و بتدعيم تشكيلي إخراجي تماثل ينمو و يتبرعم مع حدة و حدات و ممكنات الصراع بقماشة بعدة منافذ و فتحات تكبر و تنتفخ لتتماثل بمثابة وعاء أو رحم مكبل بالعديد من التخيلات و الهواجس و الظنون ، فيما يتصاغر حجمها ، يخبو أو تتخافت هيئة ذلك التشكيل المهيمن الذي يحوي جميع تقلبات وجوه و أقنعة البطل الحائر ما بين الجنون و حلم التخلص منه ب " الحرية".

برع ذلك الشكل بإشغاله مساحة مهمة من الجهة اليمنى لخشبة المسرح ، و دهاء إنسيابيته الصادمة بذات جلال و هيبة اللون الأخضر المشع أن يكمل صيغة تأثيراته الدلالية و الروحيّة ، بل حتى الدينية منها ، وفق دلالة الأسم " إسماعيل " وما يعنيه بالمورث و التداول المعروف ، و في أن يفيق عند حدود تناغم طيّع و حيّ ، و بما جعل من أضاءه وجوه و تعابير و أقنعة مجموعة الممثلين " شوقي فريد / طه علي / حيدر الخياط / حيدر الاغا / علي العذاري " تتناوب على نحو بارع ، مؤثر و مدروس . 

ثم جاء ترك المخرج و مصمم العرض و لوازم " السينوغرافيا " لبواقي مساحة الخشبة ، ليحيي إستثمارات جميع تمريرات أشكاله الوظيفية و الجمالية ، و بما يضمن رصف و توصيف كل مكامن ما كانت تضمره شخصية " إسماعيل " من هواجس / مخاوف / تقلبات / مواضي ذكريات مضطربة / تهيّئات / كوابيس / تشّظت و توزعت على عدد من الشخصيات التي أخذت تترآى من خلال ثقوب ذلك الكفن الأخضر التي تطل منها رؤوس و أقنعة ، هي خلاصة ما تحمله تلك الشخصية المحورية ، و التي يفوز فيها المشهد الختامي بإعدامها جمعياً ، في عرض تراتبي مثير و دهش ، رغم كل ما حمل المشهد من مرارات صدمة و قتامة خوف و بشاعة مفرطة ، بعد أن تجندلت كلها داخل " أفريمات " حتى تناسلت و أنسلت تحكي و تحيل خيط النهاية نحو أفق مفتوح و مجروح لكل تلك الوجوه و الافكار التي لخصها " إسماعيل " مع أنساق حوارات و شواهد أوهام بتحوّلات نفسية و مواقف مثيرة ، جريئة و صعبة أبرمتها شخصية " ياسمين " الممرضة التي تعمل بهذه المستشفى ، والتي يقع في غرامها " إسماعيل " ما بين وهم مدقع و ما بين حقيقة واهية ، أدت الدور بشكل شيّق رائق وعميق الممثلة الواعدة " كاترين ".

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top