فقراء المحطات

فقراء المحطات

ياسين طه حافظ

لماذا نكتسي أجساداً وأرواحاً بشجىً، بضباب أسى، بأسف مما نرى مما نسمع ومما نقرأ عن عذابات الناس؟ نرى مزارعين طردوا،

عمالاً عاطلين أو مفصولين ومثقفين حاولوا وخابوا، جنوداً انكسروا بعد انتصارهم وانتهاء المعارك ومسافرين بلا حقائب واضح عليهم شحوب العوز والضياع في بقاع العالم بلا جدوى؟ ..

هذا ما نراه . هو حزن لهم وهو حزن لأنفسنا التي رأت أو سمعت أو قرأت. نحن من غير أن نعلن، نخشى مثل ذلك، نخشى أن يمسنا الضر الموجع الذي مس أولئك أو نحن، وهذا ما تقول به نحن الكتّاب، نعيش حياة آخرين لنضاعف حياتنا. فمن الآخرين من يفجعوننا ومنهم من نشاركهم في المتعة أو في ساعات اللهو والرفاه الجميل. هكذا نحن حيناً نلتم على أسى وحيناً نكون في جوقة المنشدين. هي المشاركة الإنسانية في العيش والشعور. هي الإنسانية تضيف شعراً وجمالاً ونضفى ألماً لا مناص منه. ونحن نعيش الحياة، قد نتقدم للعون، وقد نستسلم. لا نستطيع، ونترك المنكسر بانكساره والمعوز بعوزه معتذرين باللاحول أو باللاجدوى. نستدير عن الضحية ونحن نتمتم حاملين بعض انكساره :

ها إن قلباً نبيلاً قد تحطم،

عمَّ مساء أيها الأمير اللطيف

ولتهدهد جوقات الملائكة منشدةً، سُبائَك 

(هاملت)

هذا المساء مبكرين توجهنا إلى محطة قطار كييف. قطارنا بعد العاشرة، ونحن في التاسعة. هذا دفتري الصغير بجيبي وأنا التقط ملاحظات كما مصور يسرق لقطات في غفلة عن أصحابها. كنت اتطلع بوجوه المسافرين، وكمن يفتش عن حاجة استكشف ملامحهم، حقائبهم وثيابهم ولا تفوتني طريقتهم في الكلام.

لكن ما الذي يجعلني أقرب لمشاهد فقراء الناس، عمالاً، نساء حزانى، جنوداً وشيوخاً خائبين من الدنيا ولا يريدون بعد خسارتها؟

هل الإنسانية هنا أكثر خصباً، أكثر حيوية وإشعاعاً، أكثر نبالة وسلامة جوهرٍ ونوايا؟ لا أدري، لا جواب نهائي. كل إجابة تثير اعتراضاً. وأنا غير حاسم في القرار.

أن تكون كاتباً غير أن تكون مشغولاً بهم آخر من هموم السوق والعمل وشؤون الناس اليومية مما يحتم العيش أو الربح أو اللحاق او الالتفاف، وبعد ذلك التظاهر بالزهد. الحياة تبقى جذابة جميلة تدعوك، لكن مهنة الكتابة، ذات الشِعْر والمعنى، كشفت لي أن بين كائن بشري وآخر، دروب مبهمة تنام في شعابها أنواع من الإنسانية. والغريب من المباهج واليأس المتحجر والأحزان القديمة، هذه كلها تحضر في الكتابة ولا أدري، تبزغ بين الأسطر وفي الكلمات.

مع الفقراء، الحياة تتكشف بجديتها السحرية والسرية وتأتيك من مدخراتها الدعوات. السماء أكمدَتْ خارج المحطة . عرفنا بتحولات الطقس من تزايُدِ وتسارع الداخلين إلى المحطة. وقد نبهني جليس قبل حين بأن المطر قادم وقد تكون رياح. نحن في المحطة فلا تزاحم واحتكاكات صفائح أو أوراق أو تطاير علب وانقلاب حاويات. هذا ملاذ مكين آمن ومصاطب لمن تعب يمكنه أن يتمدد ويغفو. هنا أضواء ودفء، قال جاري العجوز، وأكمل وهناك دنيا مضطربة غبراء. خير لي أن أظل هنا. هذه تذكرتي، لكن ليس مهمّاً أن أسافر أو أبقى. كلامه نقلني إلى عالم آخر غامض وثمة حال مغيمة، سرٌّ ما يريد ايضاحاً وراء تخلٍ ولا مبالاة تهمني. ماذا يقول هذا الرجل؟ لكنه تمدد على مصطبة بعيدة قليلاً وسحب قمصلته على وجهه ونام. 

بدأ الإعلان عن مجيء وتحرك قطارات. قلت لأوقظه، ولاستلّ سرَّ الحزن – لم يكن غافياً حين وصلت إليه – فتح عينيه قال لي، آه أنت، أنتم طيبون أيها الغرباء. قلت لربما يكون قطارك؟ قال لا. ولكن أنا لا أدري هل أسافر أم أظل هنا آكل وأنام في المحطات. أين أمضي؟ أمامي كمٌّ من الأحزان، من الفراغ، من الوحشة فليس غير الدواليب والصحون في بيت مهجور. أمضي أو لا أمضي؟ من يعلم ماذا بعد، شكراً لك شغلتُكَ، شغلت روحك الطيبة ببؤس روحي. لن تستطيع فعل شيء. يظل ضائعون ويظل فقراء ويظل في الحياة ما نأسف وتحزن من أجله. أشار لي بكفه وداعاً وغطى وجهه مرة أخرى فما علي إلا الانسحاب من حال لا استطيع لها حلاً.

وهنا أُعِلنَ عن قرب وصول قطاري فعلي أن اتهيأ، وفعلاً حملت حقيبتي واتجهت إلى الرصيف، وهنا بدأتْ قصة أخرى، واحدة أخرى من قصص فقراء المحطات. رجل بعد الخامسة والثلاثين، يرتدي ثياباً، توحي بأنه مجند من القرى، لكنه مدني ملتح ، وضع كفيه على كتفي امرأة قُبالته كمن يريد أن يبوح أو يقبل أو يمنع من السفر. هي كانت مغرورقة العينين ترتجف انفعالاً أو حباً أو تريد اعتذاراً لا تتمكن من جعله مقنعاً.

"اسمع فيكتور! لا تشكك بحبي أنا أحبك وأعلم أنك تحبني ولكن للحياة منطقاً آخر. لا أريد أن ازيد تعاساتنا، نحن يجب أن نعيش ارتضيت به لأحسم قلقاً وبؤساً ومتاعب تنتظرك بسببي وتنتظرني بسببك . أنا يجب أن أخضع لمنطق الحياة وأنتَ. العواطف لا تبني سقفاً، حتى هو يعلم أني أحبك وأنت متأكد أيضاً .. سأظل أتذكرك وأظل باكية اعتذر وليس أقسى على ما تمَّ، ارتضيته لأوقف العذابات عند حدّها، الحياة قاسية مرغمين نخضع لشروطها. لا أريد أن أكون سبباً اخر لأحزانك، الحياة ليست منصفة وهي لا تفرق بين من يستحق الرحمة والعناية وبين سواه، عمياء غير عاقلة والحب ليس مما يهمها. حياة الفقراء، حياتنا، لم تفعل أكثر من إشعال محبتنا ومن ان تعمِّق الحاجة لافراح أو آمال لا تأتي.

هو كان يصغي ويرتعش انفعالاً وحباً وتوقاً لأن يحتضنها، لكنها كانت تحتفظ برصانة سيدة لم تعطه شفتيها، قبلها من خدها الأيمن، الأيسر، رأسها، يديها، وفوجئتُ أنهما اعتنقا وهو وهي يرتشفان الواحد الآخر بما يشبه الصراخ! ثم انسحبتْ، مثل من انتبه إلى ما لا يصح فعلُه، قبّلته من كتفيه، قبلةً قبلة .. ومسحت دموعها ودخلت العربة، دقائق وأطلق القطار صيحته.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top