المتمردون..هناك فرصة واحدة للاحتجاج  .. مجرد فرصة لا أكثر - الحلقة 13

المتمردون..هناك فرصة واحدة للاحتجاج .. مجرد فرصة لا أكثر - الحلقة 13

 علــي حســـين

كل ما هنا جديد ، كل شيء لا بد أن يبدأ من جديد ، وبالنسبة لي أيضاً تبدأ حياة جديدة ، حياة غريبة
جان بول سارتر

في العام 1966 يكتب جان بول سارتر أن هذا العالم الواحد يتمثل بكابوس الهيمنة الثقافية والسياسية الاميركية ، الذي يُمكن ستة في المائة من سكان العالم من السيطرة على أربعة وتسعين في المائة .. وسيعلن عام 1967 تضامنه مع فيتنام هوشي منه معلنا إن :" الفيتناميين يقاتلون نيابة عن كل البشر وأن الاميركيين يقاتلون ضد كل البشر .. وسيقود سارتر حملة للتضامن مع الشباب الماويين ، ويقيم علاقة صداقة مع فرانز فانون ..

وعندما نظم الطلبة في أيار من عام 1968 تظاهرات ضد الحكومة ، شعر سارتر بحالة من البهجة ، ذهب ليتحدث مع أمام الطلبة المضربين الذين كانوا معجبين بمؤلف الوجود والعدم ، كان سارتر في الثالثة والستين من عمره ، فيما مقولاته وكتاباته تجد صدى لدى شباب التظاهرات .. ستنشر الصحف صورة الفيلسوف الوجودي الشهير وهو يقف على أحد البراميل ليقول للشباب :" لقد أدركتم جيداً أن المجتمع البرجوازي القديم محكوم بالفناء " .. بعدها سيكتب:" بالنسبة لهم وبالنسبة لنا ، البناء الاجتماعي نفسه يجب أن يسقط ، حيث إنه هو الذي يسمح بممارسة السلطة " ، إضافة الى سارتر جذبت التظاهرات أيضاً فيلسوفاً حليق الرأس ، يرتدي نظارة طلبة بلا إطار ، وسترة جلدية وقمصان بيضاء ضيقة ، كان يبدو شكله غريباً الى جانب الطلبة ذوي الشعور الطويلة ، أو سارتر القصير الذي لايعتني بملابسه ..كانت أحداث 1968 بالنسبة لهذا الفيلسوف الأصلع ميشيل فوكو ، صحوة سياسية ، وبداية جديدة للإنسان الحديث . 

في تلك الأيام كان الطلبة يتداولون كتاباً ظل مجهولاً لسنوات لمؤلف ألماني يعيش في أميركا اسمه هربرت ماركيوز، أما الكتاب فكان بعنوان الإنسان ذو البعد الواحد ، والكتاب يفسر لماذا على الطلبة أن يغضبوا ويقودوا التغيير ، ويغذي فيهم روح الثورة والسخط على الأوضاع ، حيث يحتل النقد الاجتماعي والسياسي الجانب الأكبر في تفكير ماركيوز ويشغل العدد الأكبر من معطم صفحات كتبه ، ولا يقتصر النقد على نظام معين، بل إنه ينتقد كل النماذج الموجودة سواء كانت رأسمالية أو اشتراكية ، وهو يرى أن الأحادية هي مرض العصر ، فالإنسان ذو بعد واحد في المجتمع الراسمالي الحديث ، وفي التطبيقات الاشتراكية التعسفية ، إن البعد الواحد باختصار هو سمة العصر الحديث في أشد صور بؤسه وانحطاطه .

كانت وسيلة ماركيوز لكي يقدم نظريته عن إنسان البعد الواحد ، أن يعيد قراءة أعمال ماركس الشاب ، الى جانب إعادة تفسير أفكار فرويد ليمزجهما بحيث تنتج فلسفة جديدة تلائم روح الحاضر .، فماركيوز يؤمن بأن الآلة في المجتمع الرأسمالي تتطور لتقلل جهد العامل والعقول الالكترونية والسفر الى الفضاء ، لكن هذا المجتمع الذي يُسمى مجتمع الرفاهية أو الوفرة ، هو مجتمع زائف ، لماذا ؟ يجيبنا في كتابه " الإنسان ذو البعد الواحد " قائلاً: التكنولوجيا توفر ، لكنها تفرض نوعاً جديداً من الاستبداد " المقبول " ، فالمجتمع الصناعي وبسبب تطور التكنلوجيا يعطي مزيداً من الوقت الفارغ ، ولا يعطي الوقت الحر ، وهو يمنح أبناءه مزيداً من الفراغ ، لا مزيداً من الحرية . 

ويحلل ماركيوز ظاهرة حلول التكنولوجيا محل الاستبداد ، بأن مجتمع الوفرة يشدد قبضته على الإنسان بوسائل علمية حديثة ، بعضها منظور وبعضها مخفي وأخطر من كل هذا إنه يجعل الإنسان يقبل الاستبداد مقابل بضع مواد استهلاكية . 

ولهذا لم يُفاجأ ماركيوز ، حين تبنى الطلبة أفكاره ونشروا كتاباته ، لأنه ظل يؤكد مراراً ، إن الطلبة هم الفئة التي لم ترتبط بعد بعجلات الانتاج والمصالح الاقتصادية التي قضت على الأمل في تغيير المجتمع تغييراً كبيراً ..لكن الشخص الذي تفاجأ كان جان بول سارتر الذي ظل يعتقد وهو يشارك الشباب تظاهراتهم ان كتبه وحدها هي التي تحرِّض الشباب وإن الوجودية أصبحت اليوم بديلاً لكل الفلسفات ، فهل يعقل أن يسيطر كاتب يحاول أن يجمع بين ماركس وفرويد في إناء واحد ، من أن يصبح مُلهماً لشباب أوروبا؟

لم يكن سارتر قد أدرك بعد أن الكتاب الذي أهدته إليه سيمون دي بوفوار وطلبت من أن يقرأه بتمعّن، يمكن أن يحقق هذا النجاح ، وكان قبل أشهر قد كتب عن الانسان ذو البعد الواحد في مجلة الأزمنة الحديثة مقالاً ينتقد إدراج ماركيوز الطلبة والشباب ، بين هؤلاء الذين هم بلا أمل أو بين الفئات الاجتماعية المنبوذة ، فالطلبة في رأي سارتر ينتسبون الى الفئات الاجتماعية الوسطى والصغيرة ويعيش أغلبهم على دخول أولياء أمورهم ، ويرى سارتر أن استبعاد ماركيوز للطبقة العاملة من القوى الثورية الجديدة ، خطأ لا يُغتفر .

يتذكر سارتر جيداً أن صديقه اللدود ألبير كامو كان متحمساً لكتاب ماركيوز هذا ، وقد أقنع صديقه الناشر غوستاف غاليمار قبل أن يتوفى بأشهر أن يترجم كتاب " الإنسان ذو البعد الواحد " الى الفرنسية ، وحين صدرت طبعته الأولى لم يحظَ بالقبول وبقيت نسخ مكدسة في مخازن غاليمار! .

ولد هربرت ماركيوز في برلين عام 1998 لأبوين على قدر من الثراء وقد درس الفلسفة في جامعة برلين ، وحصل على الدكتوراه في الرابعة والعشرين من عمره ، لم يستطع العيش في ألمانيا بسبب صعود النازية فهاجر الى أميركا حيث كان على سفينة واحدة مع توماس مان وبرتولد بريشت ، عام 1940 مُنح الجنسية الاميركية وعمل في وزارة الخارجية حتى عام 1951 ، حيث تفرغ للتدريس في الجامعة ، كان أول مؤلف له بالانكليزية كتاب " العقل والثورة " وهو دراسة لموقف هيغل الثوري ، بعدها أصدر كتابه " الحب والحضارة " الذي وصف بانه بحث فلسفي في معنى الفرويدية للفهم الاجتماعي ، وفي عام 1958 أصدر كتابه الماركسية السوفييتية الذي ندد فيه بممارسات ستالين وتخريبه الممنهح للماركسية ، بعدها أصدر كتابه فلسفة النفي ، إلا أن أشهر كتبه وأكثرها انتشاراً هو كتاب " الإنسان ذو البعد الواحد " وهو نظرة متشائمة لحالة الإنسان في المجتمع التكنولوجي الحديث ، وقد صدر عام 1946 ولم يلقّ اهتماماً في البداية الا ان تُرجم الى الفرنسية ليصبح انجيل الطلبة الثوار عام 1968 ، في عام 1956 أصدر كتاب التسامح الطاهر وفيه يرد على فلسفة جون ستيوارت ميل عن الحرية وفي عام 1969 أصدر كتابه الأخير ". توفى ماركيوز عام 1979 بسكتة دماغية أثناء زيارته لألمانيا وكان برفقته يورغن هابرماس وهو من الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت.

****

لقد علّمنا المجتمع المحيط بنا أن البحث عن النبل هو بمثابة الجري وراء السراب ، لكن القضية ليست بهذه البساطة لأن السراب الحقيقي هو في الابتعاد عن تلك الأحاسيس النبيلة التي لا ترفع الإنسان فقط فوق مستوى وجوده الحيواني ، بل تسمو فوق كيانه الإنساني أيضاً 

سول بيلو

ظل يردد حتى الساعات الأخيرة من حياته ، مثل بطل روايته " مغامرات أوجي مارتش" : " أنا أميركي، من تلك البلاد المضجرة " . كان في التاسعة من عمره حين حطت عائلته الرحال في شيكاغو قادمة من كندا التي ولد فيها في العاشر من تموز عام 1915 ، وقبل هذا التاريخ بسنتين كانت عائلته المكونة من أمّه وأبيه وثلاثة أبناء قررت الهجرة من بطرسبورغ ، التي لن تتوقف والدته حتى وفاتها من الحديث عن مدينتها وحياتها المتميزة فيها ، هرب والده من السجن بعد أن اتهم بتهريب لكحول ، في كندا ستعيش العائلة حياة صعبة ، شقيقاه سيعملان في بيع الصحف ، فشل هو في أن يبيع الصحف في القطارات ، كما فشل أن يصبح رجل أعمال مثلما أصبح شقيقاه فيما بعد ، ظلت خطواته تأخذه منذ الصغر باتجاه المكتبة العامة ، هناك ستقع بيده رواية كوخ العم توم لهارييت ستاو ، ما أن انتهى من قراءتها حتى قال لأمّه : سأصبح كاتباً مثل هذه السيدة ، شغف بقراءة روايات تولستوي ودستوفيسكي التي حاول من خلالها أن يستعيد الماضي الذي تعشقه أمّه ، في الثامنة من عمره يصاب بمرض خطير في الجهاز التنفسي ، قال الاطباء إنه لن يعيش أكثر من أسبوع ، لكنه انتصر على المرض ليعيش 90 عاماً ، ، كانت الأم تريد لابنها سول أن يصبح حاخاماً ، أو عازف كمان ، لكنه تمرد على ما اسماه "العقيدة الدينية الخانقة".يلتحق بالجامعة ليدرس علم الإنسان ، وفي تلك السنوات يتعرف على عالم النفس الشهير وليم رايش ، يستهويه التحليل النفس فيقرر دراسته ، العام 1944 سينشر أولى رواياته " الرجل المتدلي" –ترجمت الى العربية بعنوان رجل يحيا حياة معلقة – بطلها مثل أبطال صموئيل بيكيت يمضي الأيام والساعات وحيداً في غرفة وهو يفكر بحياته اليومية المضجرة .

بعدها بثلاثة أعوام سينشر روايته " الضحية " . لكن كلتيهما ستفشل ، بعد ست سنوات من المحاولات الفاشلة تتحقق أحلامه ويصبح سول بيلو واحداً من الكتّاب الكبار بعد أن نشر روايته " مغامرات أوجي مارشن " – صدرت ترجمتها العربية عام 2017 - والتي وصفها النقاد بانها تعيد للرواية الأوروبية أمجاد رواية دون كيشوت .. كان موضوع " مغامرات أوجي مارتش " قد خطر له في باريس عام 1951 ، عندما ذهب إليها بمنحة لدراسة علم النفس ، في تلك السنوات كان يريد أن يكتب كتاباً عن أزمة الإنسان ، لكن الكتاب لم يكتمل ، خطرت له آنذاك فكرة تحويل الموضوع الى رواية ، تبدأ بالجملة الشهيرة :" إنني اميركي ، مولود في شيكاغو ، تلك المدينة الكالحة ، وأنا اتعامل مع الأمور مثلما علمت نفسي لأسلوب حر ، وسوف أمضي بطريقتي أنا " ..يتذكرسول بيلو إنه كان يسير في شوارع باريس تائهاً مثل بطل رواية ثيربانتس دون كيشوت يبحث عن المغامرات الوهمية ، في تلك الأثناء شاهد الأطفال الذين يعملون في غسل الارصفة ويبيعون الصحف ، تذكر طفولته وحاول أن يستعيدها ، صرخ مثل ارشميدس وجدتها ، إنها الرواية التي ستضع اسمه الى جانب اسم كاتبه المفضل همنغواي وتقربه من مكانة ويليام فوكنر. يشبه أوجي مارتش ، بطل رواية سالنجر " الحارس في حقل الشوفان " كليهما تمردا على واقع بائس ، في باريس ينزع رداء التروتسكية الذي إرتداه منذ أن كان شابا ، ليتحول الى كاتب ليبرالي .. تروي مغامرات أوجي مارتش قصة صبي مشرد يكافح في عالم ينفر لكنه ينجح فيه ، إنها حكاية صبي غير عابئ بما حوله من مشكلات سواء في وسطه العائلي أو في مدينته التي تُدمر براءة الانسان وتطحنه ، حيث نجد أوجي يعيش تقلبات أميركا في الأربعينيات ويواجه المجتمع الذي لا يريد له أن ينجح بالسخرية ، من الحياة الاميركية المتزمتة ، ومن الحرب التي فرضت على الناس ومن انتشار الدعارة وفساد السياسيين وانحراف المثقفين ، ومن العنف الذي أصبح علامة من علامات اميركا بعد الحرب العالمية الثانية . 

عندما منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل لىسول بيلو عام 1976 ، أشار بيانها الصحفي إلى أن رواياته وخصوصا مغامرات أوجي مارتش ، تستخدم أسلوباً يعيد الرواية إلى أوائل أصولها الأوروبية. ويطرح من خلال ذلك معضلة العصر الذي نعيش فيه .

الشخصية الرئيسة في روايات سول بيلو هي شخصية الإنسان الذي يعيش على هامش المجتمع ، ويشعر باغترابه عن العالم ، ويجد نفسه عالقاً بين قدراته الشخصية العاجزة عن تحقيق الطموح ، والنقص الذي يسبغه عليه المجتمع باعتباره إنساناً هامشياً . ورغم تمتع شخصياته بالذكاء ، والقدرة على اللعب بالكلمات، ، لكنها تشعر طوال الوقت بالتعاسة التي تحاصرها من كل جانب. إن أبطال سول بيلو هم انعكاسات متعددة لشخصيته ، ولازِماته التي عاشها طوال عمره..عام 1966 يهديه هربرت ماركيوز نسخة من كتابه " الإنسان ذو البعد الواحد " وسيكتب مشيداً بالكتاب مهاجماً هذا المجتمع الأحادي النظرة .. كان بيلو قد تأثر بكتابات سنكلر لويس وجون شتاينبك حيث الدعوة الى جعل المجتمع أكثر إنسانية وتدعيم مكانة الفرد ، ولهذا نجد سول بيلو يصر على أن يضع عنوان " الانسان المتأرجح " لإحدى رواياته .. وهو يؤكد أنه كتب عن جيل الشباب المعاصر في محاولة للبحث عن الذات ، لذلك نجد بطل رواية " مغامرات أوجي مارتش " يوضح موقفه من الإنسان المعاصر :" تقول النصيحة التقليدية كن واقعياً ، وفكر فيما يمكن عمله فعلاً ، لكن هذه النصيحة لا تخرج هي الأخرى عن كونها شعاراً مزيفاً . فأنا لا أستطيع أن أعيش الواقع إلا اذا فكرت في تف=غييره .. تلك هي العظمة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يحققها " .

عندما سئل مرة لماذا قرر أن يصبح كاتباً ، أجاب بأن اختياره لهذه المهنة كان نوعاً من السذاجة ، ثم أضاف :" لابد لي أن أقول هذا عن اختياري . هناك مهن كثيرة يستطيع الإنسان أن يمارسها بلا اندفاع .

اعتبر سول بيلو أن على الكاتب الحقيقي في هذا الزمان أن ينفذ إلى أعماق الإنسان المعاصر ، وأن يمارس دور المحلل النفسي ، وهو يصور تقلبات النفس البشرية ودواخلها ، ومن هنا فإن الموضوعات الرئيسة التي تعالجها رواياته، تدور حول التمزق الذي تعاني منه الحياة المعاصرة، والاضطراب والضياع والشعور بعدم الراحة التي يشعر بها الإنسان. . عاش حياة منعزلة برغم المغامرات التي عاشها أبطال رواياته ، كان يكره أضواء الشهرة والحفلات الاجتماعية ، قال لمراسل الغارديان :" إن على الانسان أن يختار بين أن يلعب الدور الاجتماعي ، أو أن يصبح كاتباً" .

عام 2005 سيغادر سول بيلو عالمنا ، تاركا آلته الكاتبة - كانت آخر رواياته صدرت عام 2000 - مخلفاً وراءه حياة تنوعت بين الاضطراب والسكون وعلاقات عاطفية فاشلة ، وبحث دائم عن امراة تفهمه ، حيث ستنتهي زيجاته الاربعة بالطلاق والملاحقات القانونية ، مع الزوجة الخامسة التي تزوجها وهو في عمر الثمانين يشعر بالاطمئنان ، يقول لكاتب سيرته الآن أستطيع أن أخلف صبياً يشبهني .. كان أولاده الثلاثة قد قاطعوه بسبب خلافاته الأسرية . 

، حين سأله محرر الكتب في النيورك تايمز: " هل كنت تتصور أن كتابك " الانسان ذو البعد الواحد " الذي أشعل الانتفاضات في أوروبا قبل عشرة أعوام ، يمكن أن يذهب الى النسيان بهذه البساطة ؟" لكن هربرت ماركوز كان في تلك اللحظة يفكر فيما إذا كانت سنوات حياته التي شارفت على الثمانين ذات جدوى ، تذكر إنه ذهب ذات يوم الى المعلم هايدغر ليسأله السؤال ذاته: هل يأتي ذلك اليوم الذي يطوي النسيان كتاب الوجود والزمان؟ كان هايدغر آنذاك مهموماً بطرح الأسئلة ، وبإكمال المشروع الوجودي الذي وضعه أستاذه هوسرل، وذلك عبر استخدامه لكل الوسائل الفلسفية للإجابة عن السؤال الأساسي الذي شغل بال واضع الفلسفة الظاهراتية : ما هو الوجود؟

لم يكن أستاذ الفلسفة الذي تخصص في دراسة فكر هيغل وكرَّس حياته العلمية لإثبات أن فكر معلم الفلسفة الألمانية يحتوي على عناصر منها ما هو ثوري ومنها ما يُمهِّد مباشرة للثورة ، وكان كتابه (هيغل والثورة) قد أثار حفيظة الحركة الديمقراطية الشعبية الألمانية التي رأت فيه محاولة لتجميل صورة فيلسوف كان يؤمن " بالبطل المطلق "، لم يكن هذا الأستاذ وقد بلغ من العمر سبعين عاماً يحلم بأنه سيصبح واحداً من نجوم المجتمع الغربي تحاصرة الفضائيات ويرفع الشباب والطلبة صوره في شوارع باريس وجامعاتها ، ويتحوّل كتابه " الإنسان ذو البعد الواحد " عام 1968 الى إنجيل لشباب أوروبا الغاضب والحالم بالتغيير .

يتلخص مشروع ماركوز في الإجابة على السؤال التالي: لماذا لم تقم الثورة في البلدان الصناعية المتقدمة؟ وعلى وجه التحديد في البلدان التي افترضت الماركسية، إنها ستكون رائدة أقطار العالم أجمع إلى الاشتراكية، بل لماذا باتت شبه مستحيلة في عالم يمتلك منذ أكثر من قرن القوة الكلاسيكية للثورة، أي البروليتاريا الصناعية.

يقول ماركيوز إن الإنسان ذو البعد الواحد هو ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية، إنه ذلك الذي يتوهم إنه حر لأنه يختار بين تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها المجتمع لتلبية حاجاته، إنه كالعبد الذي يوهب الحرية في اختيار سيده (فهل هو حر؟)، ولذا يقول ماركيوز إن الحرية المنظمة من قبل مجموع اضطهادي هي أداة قوية للسيطرة، حيث يفرغ هذا الإنسان من أي بعد نقدي ليعارض أو يطالب بالتغيير، ولا يبقى فيه إلا على البعد الإيجابي، الذي يقبل المجتمع والواقع كما هو، بل ويرضى به بسعادة، معتبرا أي موقف غير هذا موقفاً غير منطقي ولا عقلاني، حيث يُسخّر المجتمع أحادي البعد كل ما يملك من طاقات هائلة ، لتحقيق الهيمنة على الإنسان بتقليص مجاله الداخلي وجعله أحادي البعد.

ويؤكد ماركيوز أن المجتمع لايكتفي بتزييف الحاجات المادية، بل ويقوم بتزييف الحاجات الفكرية، وذلك على قاعدة أن الفكر هو العدو اللدود للمجتمع المسيطر، فهو قوة العقل النقدية السالبة والمحرّكة باتجاه ما يجب أن يكون لا ما هو كائن، ويقصد بهذه القوة الايدولوجية التي يقوم المجتمع ذو البعد الواحد بتحقيرها وإزدرائها باسم عقلانية التكنولوجيا، مستبدلاً إياها بالمدنية التقنية كأيديولوجيا ، لتصبح هي ذاتها أيديولوجيا المجتمع، حيث يقول في الإنسان ذو البعد الواحد : " إن الجهاز الإنتاجي والسلع والخدمات التي ينتجها تفرض النظام الاجتماعي من حيث إنه مجموع، فوسائل النقل والاتصال الجماهيري وتسهيلات المسكن والملبس والإنتاج المتعاظم لصناعة أوقات الفراغ والإعلام، هذا كله يترتب عليه مواقف وعادات مفروضة وردود أفعال فكرية وانفعالية، تربط المستهلك بالمنتج بصورة محببة، ومن ثم تربطهم بالمجموع، إن المنتجات تكيّف الناس مذهبياً وتشرطهم، وتصنع وعياً زائفاً عديم الإحساس بما فيه من زيف" 

ومثل بقية أعضاء مدرسة فرانكفورت كان ماركيوز لايرى أملاً في الثورة من قبل الطبقة العاملة ، فقد كان بدل ذلك يتطلع إلى الجماعات المهمشة المستبعدة من المجتمع الاستهلاكي ، والتي كانت بالتالي محصنة ضد تملقاته :" طبقة سفلية من المنبوذين من المجتمع والخارجين عليه ، المستَغَلين والمضُطهدين من الأجناس الأخرى ، العاطلين عن العمل والعاجزين عنه " هؤلاء الذين كان يطلق عليهم ماركس " البروليتاريا الرثة " أصبحوا أمل ماركيوز في التغيير .

بحلول عام 1969 سينشر ماركيوز كتابه نحو التحرر – ترجم الى العربية بعنوان نحو ثورة جديدة – والذي كتبه بعد ما اصاب تظاهرات الطلبة في باريس عام 1968 من تراجع أدى الى انحسارها .. وفي هذا الكتاب الذي يعتبره دارسو ماركيوز مكملاً لكتابه " الإنسان ذو البعد الواحد " يطرح ماركيوز سؤالاً من يقوم بالثورة ؟ ويجيب إنهم الطبقات المهمشة في المجتمعات الرأسمالية وهم الطلاب، النساء، الأقليات، الملوّنون والنخب الثقافية والعاطلون عن العمل. وهؤلاء كما يرى ماركيوز سيواجهون أجهزة الدولة من جهة والطبقة العاملة من جهة أخرى والتي تعتقد أن الثورة حق تاريخي ، ويجد ماركيوز أن الطبقة العاملة في المجتمعات الرأسمالية أصبحت طبقة صامتة ، حقوقها مهدورة لكنها لاتتحرك ، تفضل السكوت والإنتظار بدلاً من القيام بأي تحرك .. ولهذا نجد ماركيوز في كتابه " نحو التحرر يعتبر أن الطبقات المهمشة ستكون حركات ثورية أصيلة .

عندما مات ماركيوز عام 1979 لم تكن المجتمعات الصناعية قد تحوّلت الى ما كان يتمناه ، لكن جامعات مثل بيركلي وكولومبيا وبرانديز كانت تعمل كقواعد لأفكار ماركيوز ، وعندما سأله أحد الصحفيين عام 1974 عما إذا كان الأمل بثورة الشباب قد مات أجابه : لا اعتقد إنه مات ، أحسب أنه سيبعث في معظم جامعات العالم " وهذه النبوءة تحققت بعد موته بالتأكيد، قبل وفاته يكتب : " كانت الفلسفة على مر عصورها ، جهداً يبذله الإنسان من أجل فهم نفسه وعالمه ، وتمهيد الطريق لتغيير ما يستحق أن يتغير من الظواهر المحيطة بنا " .

مات ماركيوز قبل سارتر بعام واحد .. كان فيلسوف الوجودية يعاني من الأمراض وضعف شديد في البصر ، عندما أخبرت سيمون دي بوفوار برحيل صاحب كتاب "الإنسان ذو البعد الواحد " قال لها بصوت خفيض 

لا أعتقد إنه رحل نهائياً .. فصوته سينبعث في مكان آخر ومع مجاميع جديدة من الطلبة " وستتحقق نبوءة سارتر وسينبعث كتاب ماركيوز في الجامعات الأميركية وسيلوح به الطلبة وهم يتظاهرون ضد الحرب في فيتنام .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top