في دار المأمون للترجمة..المترجم بسام البزاز يروي سيرة حُلمه

في دار المأمون للترجمة..المترجم بسام البزاز يروي سيرة حُلمه

نوزاد حسن

1

قبل أيام حضرت ندوة ثقافية في دار المأمون للترجمة حول سبل النهوض بعملية الترجمة التي لا غنى لأي بلد عنها.

وقد يكون الحديث في أي مكان كان عن كيفية خلق جيل من المترجمين يقومون بنقل التراث العالمي للغة العربية أقول قد يكون مثل هذا الكلام وفي هذه الأيام بالذات نوعاً من الترف.ولعلنا نفكر أن أعداد القرّاء للكتب في تناقص فما هي فائدة الترجمة إذا كنا لا نقرأ كما يقرأ الغربي.

بلا شك حين تكون أوضاع البلد غير مستقرة,وحين يكون الفساد ماركة شهيرة نعيش تحت سقفها فأي حل يمكن أن نضعه ثم نطبقه لكي ننجح.

لا أريد أن أكون ناقد زمن لا يقرأ لأنني أريد أن أصف انطباعي عن تلك الندوة العريقة الروح لو جاز لي القول. 

2

دعوني اعترف أولاً إني كنت استمع للمترجم الكبير بسام البزاز وأنا أتخيل إنني جالس في حضرة فيلسوف جاءنا من أيام دار الحكمة في عهد المأمون.يالها من حكمة وبساطة وروح تتقد بنار الجمال تلك التي كنت أسمعها من أستاذنا المترجم الكبير.

أنا شخصياً لا أحب الناس الذين يعيشون وكأنهم أفراد مفصولون عن نوعهم الإنساني.أكره الادعاء الفارغ المملوء بديدان القبر.وأمقت أي مظهر خادع يعمي العيون وينطفي سريعاً.فحين يبتر الإنسان حياته عن حياة الآخرين ويظل يفكر بصورة غير إنسانية تحدث عندها لحظة الوفاة.ما معنى هذا الكلام,وما علاقته بندوة لمترجم قدير.؟

معنى كلامي إن الترجمة هي يقظة ذاتية بكل معنى الكلمة.إنها رشة ماء على وجه شخص أُغمي عليه.لذا أنا أقول إن الشعوب التي لا تترجم ولا تقرأ أدب وفلسفة غيرها من الأمم ولا تترجمه فهي أمة أُغمي عليها.وهنا يأتي دور المترجمين.إنهم طاقم فاعل صبور يقوم بعملية رش الماء البارد على وجوه المغمى عليهم.ومن هنا سافرت في الحقيقة مع كلمة استاذي الدكتور بسام البزاز,وانفتح لي أفق كبير شاهدت من خلاله حلمي القديم الذي أضعته بسبب حماقات النظام السابق,وحماقات هذا النظام أيضاً.

في تسعينيات القرن الماضي اتفق سرب من صقور اللغة الاسبانية على تغيير واقع التدريس في قسم اللغة الاسبانية بكلية اللغات.كان في طليعة ذلك السرب من الصقور الاستاذ بسام البزاز,والأستاذة نرمين إبراهيم عاجل,والدكتورة باهرة محمد,والأستاذ جاسم العاني,ومروان صديق.بدأنا كطلبة نحس بتغيير حقيقي في طريقة إلقاء المحاضرات,وفي المواد التي ندرسها.كان هناك نشاط بقوة إعصار كاترينا يحفز ذلك السرب من النسور المكافحة.تنوعت المواد,وصار أولئك الأساتذة أصدقاء لنا ونحن كنا في بداية دخولنا إلى الجامعة.آنذاك شاهدت حلمي العميق الشبيه بحلم يوسف مع الفارق يحتاج بعض الوقت ليتحقق.فقد رأيت أن واقعاً جديداً سيكبر ويكبر ليصبح مشهداً ثقافياً اسمه حضور الثقافة الاسبانية في العراق.ربما لم أكن أعرف في تلك اللحظة قوة التنوير في عمل أولئك الأساتذة الكبار.ولم أكن أعرف مصدر النبع الذي شربوا منه.آه كم كنت غبياً حينها وها أنا اكتشف وأنا استمع لمحاضرة الدكتور بسام في دار المأمون يتحدث عن تطوير عملية الترجمة في البلد.لقد اكتشفت أن ما اراد أساتذتي الكبار فعله كان الدكتور طه حسين قد فعله.فبعد تولي عميد الادب العربي لوزارة المعارف شاهد الاهتمام المتزايد باللغتين الفرنسية والإنكليزية كبيراً,وكان هو نفسه تلميذ الأدب الفرنسي العظيم.وهنا قرر الدكتور طه حسين أن يفتح نافذة على اللغة الاسبانية وأدبها.وأرسل البعثات الى أسبانيا.وكان أحد أهم تلاميذ طه حسين هو الدكتور أحمد ضيف ذلك الذي عاد محملاً بكنوز المعرفة في اللغة الاسبانية.

بقوة الروح نفسها كانت تجربة أولئك الملهمون الخمسة من أساتذتي تحاول أن تلحق بتجربة عميد الأدب العربي.لكن الحلم لم يكتمل.وتعرض سرب الصقور الى التفرّق في جهات مختلفة.وكان بلدي أحد الخاسرين الكبار بعد تحطم حلم الثقافة عندنا.

4

كنت استمع بحزن لدرجة إني لم أقم بأية مداخلة.كنت أريد أن أظهر كمستمع يعرف ويفهم ما يقال لكني في الحقيقة كنت أشعر بأن قوة ما تعصرني مثل ليمونة,أو إني صرت مثل طين الصغار الاصطناعي الذي يشكله الطفل كما يشاء.

في تلك المحاضرة أحسست بطاقة الدكتور بسام البزاز القوية بحيث إنها هدّأت من حزني على ضياع أمل كان من الممكن يغير حياتي الى وجهة أخرى,ويغير أيضاً حياة الآخرين تغييراً كبيراً.كنت اسمع صوته المليء بالصدق كما سمعته قبل أكثر من عقدين.الصوت ذاته,القوة ذاتها,الرنين الصافي لنقاء المعرفة التي لا تنتظر التكريم.واستحضرت وجه الست نرمين الرائعة,وملامح الست باهرة السمراء المتفانية,ونشوة الاستاذ جاسم العاني وهو يلقي علينا محاضراته,وإصرار مروان صديق.لذا فأنا اعترف أنني كنت كل ما قلته في هذا المقال.كنت كل هذا الحريق الجالس في كرسي.لم أكن محدداً بمكاني,ففي داخلي كنت جهات متعددة يلمها حلم لم يتحقق.إذن لأقل إنني تفجرت بألم فقدان جيل من مثققفي بلدي الكبار.

ولعل هذا ما جعلني أشعر بحزن بعد عودتي الى البيت.فليس من السهل أن تشهد على موت جزء منك.وأخبرت استاذي الدكتور بسام البزاز بهذا فمنحي قوة جديدة حين قال لي بأن الرضا الداخلي أهم من كل شيء.

5

أظن أن وظيفتي هي تسجيل حلم أولئك الاستاذة والحديث عنه.استحضار عطائهم وصبرهم وتفانيهم.هذه رسالة جميع تلاميذ ذلك السرب من المثقفين.ولذا فأنا أسجل شكري وامتناني الى دار المأمون للترجمة بمديرها العام الأستاذ ساطع راجي لأنها هيّأت يوماً لمترجمنا الكبير بسام البزاز للحديث عن شذرات من حلم كان يرسم أفقه بقلم القلب.كما أشكر دار المدى شكراً لا حدود له لأنها فتحت جسرا للتواصل مع أحد أهم مترجمي بلدنا عن الاسبانية.وهذه خطوة تُحسب للمدى.

تعليقات الزوار

  • شكرا لك عزيزي نوزاد على شهادتك القيمة هذه..انتم الامل وانتم الغرس الذي اينع ونحن سعداء بكم وفخورون. باهرة عبداللطيف /اسبانيا

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top