صناعة الخبر وفلسفة الإعلام

صناعة الخبر وفلسفة الإعلام

ياسين طه حافظ

"الإعلام" أحد الموضوعات الشائكة. السبب هو تداخل الإعلام مع علوم اللغة والفلسفة وتداخل معيارية "النوع" المرسل بثاً بالتحكم الفردي.

وفي الإعلام جانب يتصل بالأخلاق العامة والمتطلبات التربوية التي تتطلبها التحولات الحضارية. فالمتخصصون في هذه الموضوعات يتوزعون في أقسام الجامعات المختلفة ومن بينها القسم المركزي المتخصص الذي هو قسم الإعلام أو كلية الإعلام. بل تعدى ذلك إلى تدخل بعض علماء الاقتصاد في الموضوع ضمن موضوعة الاقتصاد المعرفي. فالإعلاميون يدركون أن الفلسفة الأخلاقية التحليلية التي يحتاجون لها، لا تعول على الجانب الاجتماعي قدر ما تعتمد اعلامياً على تغذية الموضوعات المعرفية والفنية التي ذكرناها. ووسائلنا للتواصل ترتكز عادة على التفكير بالطبيعة البشرية وعلى دراسة البيئة المستهدفة والحاجة اليومية لها. وهنا يستدعينا العلمي والعملي أكثر مما يسعفنا به البلاغي وروح الخطاب. وكل العمل يتم ,على أساس معرفتنا بالآخر، معرفة لا تقوم على التسيّد والتوجيه الوعظي ولكن على الندية وروح الحوار. المشاركة أول ما نحتاج. فننتقل في بلاغتنا إلى بلاغة حديثة تعتمد مفردات العيش اليومي وعبر أنماط وأجهزة التواصل التي استحدثتها الحضارة. الإعلام يصنع لغته التي تنماز عن لغة الابداع الأدبي أو لغة السرد الحكائي. الادراك لازم اعلامياً للاحتياجات المدنية الجديدة. وعلى الفلاسفة الأخلاقيين هنا الاهتمام بالظاهر الاجتماعي لعلاقاتنا أفراداً مستقلين وجماعات (مهنية أو منظماتية) ليستطيعوا التنظير لحركة واتجاهات الإعلام.

أخلص من هذا إلى أن أبسط ما يمكن فيه استثمار المنظور السابق هو أن نتواصل مع آخر نعرفه. نعم، نتواصل مع آخر نعرفه. وهذه المعرفة متعددة المستويات، تبدأ من لقاء اللحظة، أو لحظة اللقاء إلى مستوى العلاقات الحميمة، ومنها المشاركة الفكرية و العمل على إيجادها إن لم توجد.

بالنسبة إلى الإعلام، نحن نوجه الخطاب إلى بيئة اجتماعية، ومعرفتنا لهم هنا هي معرفة انتساب وطني و لغوي و نفعي تجاري. وغالباً ما تكون هذه الانتسابات حاضرة معاً فنوجه لها خطابنا الإعلامي مجتمعة. وهنا تتنوع البرامج حسب احتياجهم واحتياجنا منهم. وقد يكونون غرباء لهم اهتمام بما عندنا والعكس وارد أيضاً، وهذا ما يجب الا يغيب عن الاهتمام. أما الانقطاع التام، أعني انعدام اوجه المعرفة بهم، فهذا يعني انتفاء ضرورة الخطاب!

على هذه الأسس تنظم وتستحدث البرامج وعلى أسسها أيضاً تحدد نسبة الخطاب ومدى سعته، أي زمن بثه. بعض الإذاعات وبعض الفضائيات تحدد ساعتين أو ثلاثاً تبث فيها لجهة معينة وأخرى تقارب أو تتجاوز العشرين ساعة. المدى الزمني يتناسب والمدى المعرفي بين جهة البث وبين البيئة الاجتماعية التي يوجه لها الخطاب. أكثر من هذا تبذير. في الإعلام لا مجال لإضاعة الزمن والمال من غير جدوى واضحة. كل مال وجهد يبذلان بحساب. السذاجة في العمل مسألة أخرى، تجدها لدى المؤسسات الإعلامية التابعة لدول تملك مالاً وتريد تأكيد اهميتها، فالأهمية الإعلامية هنا أهمية بديل. هي تبث لفضاء يعنيه حضورها أو لا يعنيه. الخطأ عموماً لا يؤسس عليه.

استيعاباً لهذا العرض لأخلاقية الخطاب الإعلامي نحتاج إلى دروس لم تكن في حسباننا حين كان الخطاب تقليدياً بين فرد مستقل أو افراد مستقلين. ولا حين كان الخطاب سيادياً، بمعنى وعظياً أو تعليمياً أو طلبياً. فكر جديد الآن مطلوب لرسم البرامج وفلسفة جديدة مستندة إلى ثقافات العصر مطلوبة.وصياغة وفن جديدان مطلوبان وبتقدير لأنماط المتلقين، ثقافاتهم واحتياجاتهم. وفي كل هذا يحسب حساب لعناصر التفاعل والعناصر المسببة للتفاعل علمياً، لا اجتهادات ورغبات. المتلقي ليس سلبياً وليس مستسلماً. إن له دوراً في سلامة وصول الخبر إلى ما يراد منه، أي إلى غايته. وهنا يحضر بقوة ما يسميه عالم النفس وليم سوان William Swan بـ"تفاوض الهوية" Identetity Negotiation والذي يشتمل على عمليات عدة يتفق عن طريقها أعضاء في ثنائي أو مجموعة ضمنياً على مجموعة الأدوار لكل منهم. وفي هذا تأكيد على الدور "التفاوضي" أو ما سبق أن اسميناه "التشاركي" لكي ترسم صيغة الخبر وزمن وكيفية بثه. تحضر هنا صورة المتلقي الذي يتجه له الخطاب كعنصر فاعل، وشريك. هو في كل حال الطرف الثاني. وانعدام المشترك، بتمامه، معناه انعدام جدوى الخبر بالتمام أيضاَ! إن غياب الجو التفاوضي يعني أولاً أن الخبر يفتقد دقة (الصنع)، وثانياً، إذا تم إرساله، فسيقع في مكان لا يتلقاه فيه أحد. وهنا خسارة كل الجهد. 

تطبيق نظام الدولة السلطوي في الإعلام، هو غاية الجهل بالمهنة، لا سيد في الإعلام ولا عبد أو تابع. في الإعلام، الأساس ومجال العمل هو المشاركة هو التشارك في الانجاز بين منتج المادة الإعلامية والمتلقي أو بيئة التلقي. معنى هذا مشاركة كاملة ومحترمة بين الأثنين أو هو الفشل.

لعلها بداية درس إعلامي، ألا يعزل معد أو منتج الخبر أو البرنامج ثقافته الخاصة عن الثقافة الكلية لبيئة المتلقي. أي أن تكون ثقافته فاعلة ضمن تلك الثقافات التي يخاطبها، أو كما صوبنا، يشاركها الخطاب. هذا هو الممر الوحيد لتقدير النتائج. الجهل بردود الأفعال سببه الحاجز، أو غربة الطرفين. معرفة النتائج أو تقديرها حكم أخير. فصل، يؤكد أو ينفي مدى كفاءة تنفيذ الخطاب. وهو المنتج أو المخاطب، لا غيره، تقع عليه مهمة ومسؤولية فهم البيئة الاجتماعية المتلقية. وإلا كيف يخاطبها؟ كيف يدخل في ما اسميناه "تفاوضية" معها؟ عدا ذلك لا تقدير مصيب لردود الأفعال أو لا استقراء جيد للنتائج . فكيف نسوغ استمرار العمل والتكاليف ونحن نجهل جدوى العمل؟

التفكير الأصوب هو أن نعرف كيف يفعل الخبر أو المادة المرسلة كعنصر منطقي وكيف نستحدث اسلوبنا في السلوك الاعلامي وفي فهم الأحداث من خلال عملية تفكير متدرجة وعلى مدى زمني كاف. إن مهمة جعل المتلقي يصنع مما سمعه أو رآه أو قرأه فكرة أخرى، هذه مهمة تحتاج لأن ينجزها إعلامي كفء وتواصلي ومثقف كفء وألا يتحول المتلقي إلى فضاء نرمي فيه ما يعن لنا!

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top