تشيخوف في النقد الأدبي الروسي قبل الثورة

تشيخوف في النقد الأدبي الروسي قبل الثورة

د. ضياء نافع

تشيخوف في النقد الأدبي الروسي قبل ثورة اكتوبر 1917 - مصطلح سوفيتي بحت كان سائداً في ستينيات القرن العشرين ,

عندما كنت طالباً آنذاك في القسم الروسي لكلية الفيلولوجيا ( اللغات وآدابها ) بجامعة موسكو . وكانت هناك خلاصة عامة مستقرّة حول هذا المصطلح تقول , إن كل هؤلاء النقاد قبل الثورة لم يفهموا بشكل صحيح ومتكامل خصائص الأديب الكبير تشيخوف وإبداعه , وإن هذا الفهم العلمي والحقيقي لنتاجاته على أسس فكرية ماركسية حدث فقط بعد ثورة اكتوبر1917. لم نسمع باسماء النقاد والباحثين هؤلاء, و لم نطلع على كتاباتهم حول تشيخوف , وإنما كنّا , نحن الطلبة , نكرر ما يقول الاساتذة لنا حول ذلك ليس إلا . 

أثناء الدراسات العليا في جامعة باريس شعرت بضرورة الإطلاع على هذا النقد الادبي بشكل موضوعي معمق , إذ أن التحدث عن ذلك الرأي السوفيتي حول النقد الأدبي عن تشيخوف في مرحلة باكملها دون الاطلاع المتكامل عليه هو موقف غير علمي بتاتاً, ولكني اصطدمت بعدم وجود المصادر الاساسية له في المكتبات الفرنسية , إذ أن معظم هؤلاء النقاد كانوا ينشرون كتاباتهم في مجلات روسية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين , وهي محفوظة في المكتبات الروسية فقط بالأساس . وهكذا كنت انتظر العطلة الصيفية , وأسافر الى موسكو ( من أواسط حزيران الى أواسط ايلول ) للاطلاع على تلك المصادر في مكتبة لينين بالأساس , وبعد الاطلاع على تلك المصادر أصبح لديّ – بشكل عام ليس إلا - تصوّر متكامل على معالم ذلك النقد الغني فعلاً بأفكار متنوعة عن تشيخوف , وأذكر من بينها دراسة ليف شيستوف المشهورة بعنوان – ( إبداع من لاشيء ) ( انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف والفيلسوف شيستوف) .

اصطدمت خططي العلمية هذه بصعوبة الحصول على سمة الدخول ( الفيزا) الى الاتحاد السوفيتي وأنا طالب الدراسات العليا في باريس , وكذلك السكن في موسكو نفسها , إذ كان كل ذلك يخضع لروتين سوفيتي محدد حسب قوانين صارمة جداً , وقد قررت ( حلّاً لكل هذه الصعوبات ) أن أحاول الالتحاق بقسم الدراسات العليا بجامعة موسكو ( عن بعد) , أو ما يسمى في العراق ( الدراسة بالمراسلة ) . وهكذا أرسلت وثائقي من باريس بالبريد المسجّل الى جامعة موسكو , ومضت فترة ليست بالقصيرة ( كدت انسى الموضوع برمته ) , وفجأة استلمت رسالة بالبريد المسجّل أيضاً من جامعة موسكو يعلمونني فيها بالموافقة على قبولي بالدراسة العليا عن بعد , وكان هذا يعني بالنسبة لي الحصول على الفيزا السوفيتية والسكن الرسمي في القسم الداخلي بجامعة موسكو طوال أشهر الصيف , وهذا ما تمّ فعلاً . طلبت مني الجامعة أن أحدد موضوع الأطروحة وموافقة المشرف العلمي كخطوة أولى لهذه الدراسة , وحددت لي موعداً مع البروفيسور كوليشوف رئيس قسم ( تاريخ الأدب الروسي في القرن التاسع عشر) من أجل ذلك. قابلت البروفيسور كوليشوف طبعاً , وقال لي انه يتذكرني بالشكل ولكن لا يعرف اسمي , وحدثني عن انطباعاته الجيدة حول جميل نصيف التكريتي وجليل كمال الدين , ثم سألني عن الكاتب الروسي الذي أود كتابة أطروحتي عنه , فقلت له – تشيخوف , فقال لي رأسا – ( لا تقترح تشيخوف في العراق , فأنا لا أوافق بتاتاً على مثل هذه المواضيع , ليس لأنها غير علمية , ولكن مكانها ليس هنا في قسمنا , إذ أن المشرف العلمي يجب أن يعرف اللغة العربية أيضا , وهذا اختصاص آخر لا يتوفر في قسمنا ) , فقلت له , إنني اقترح موضوعاً آخر وهو – ( تشيخوف في النقد الأدبي الروسي ما قبل الثورة ). اندهش البروفيسور كوليشوف بشكل واضح جداً وسألني إذا كنت اعرف ولو أوليات هذا الموضوع , فحكيت له قصتي , وإنني أكتب أطروحة في جامعة باريس وكيف بدأت بالاطلاع على الموضوع , فطلب منّي أن أُحدثه بتفصيل أكثر عن ذلك , وبعد ان استمع بانتباه الى كلامي , قال لي رأساً , إنه موافق على ذلك , ولكن هذا الموضوع (الحسّاس!) يتطلب موافقة مجلس القسم , ودعاني لحضور جلسة المجلس , وقد حضرت طبعاً وشاهدت النقاش الحاد حول موضوع الأطروحة تلك , وكيف دافع كوليشوف بحرارة عن تلك الفكرة ضد هؤلاء الذين عارضوها وهو يقول – آن الاوان أن ندرس هذا النقد عن تشيخوف بتفصيل وموضوعية , وقد تمّت الموافقة على الموضوع بصعوبة وبعد التصويت .

رجعت في السنة التالية الى جامعة موسكو واضطررت أن اؤدي امتحانين , الأول في اللغة الروسية المعاصرة والثاني في تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر , والتقيت عدة مرّات بالمشرف العلمي وهو البروفيسور ألباتوف , ولكني عدت الى العراق بعد انهاء دراستي في باريس , وكتبت لجامعة موسكو اعتذاراً حول عدم امكانية اكمال الدراسة نتيجة لظروف عملي في العراق , وقد أخبرتني السيدة ناديجدا اوكتابرسكايا مسؤولة الاجانب في الكلية بعد عدة سنوات أثناء لقائي معها , إنهم تأسفوا لعدم اكمالي تلك الدراسة , خصوصا وإنني قطعت مرحلة مهمة في مسيرة متطلباتها ( هكذا قالت لي ) , فاعتذرت مرة أخرى .

تشيخوف في النقد الأدبي قبل الثورة يعدّ الآن موضوعاً طبيعياً في روسيا الاتحادية , وغالباً ما يستشهدون بأفكار وملاحظات وردت في تلك المصادر , أما بالنسبة لي فهو موضوع أطروحة لم تتحقق .. 

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top