رواية سلمون عراقي.. الكتابة على جسد الأنثى

رواية سلمون عراقي.. الكتابة على جسد الأنثى

ناجح المعموري

سلمون عراقي رواية جديدة في هدوء السرد ونموه بمرونة . ووجدت أن فاضل عبدالله القيسي استفاد بشكل واضح من تقنيات السينما الإيطالية

خصوصاً تلك التي سادت في مرحلة الواقعية الجديدة ، التي كانت الفضاءات أبرز ملامحها ، وتنوع شخوصها وتداخلها مع بعضها وتحقق لحظة التشابك والتداخل بعضها مع البعض الآخر ، تفتح له فجوة صغيرة ليتحقق احتدام الحراك والسببية في شبكة السرد .

ظاهرة الميتا سرد ليست عنيفة ، بل سهلة للغاية ، لكنها ذات وظائف بنائية ، تمظهرت بأهميتها الفنية وحضورها البنائي وتكرارها لافت للانتباه ، لكنها لم تغادر ضرورات بث معلومات لها علاقة .... بشخصية فؤاد سلطان ، التي تمتعت بتمركز بنائي مهم وحيوي ، ودائماً ما تستدعي هذه الشخصية تنوعات جديدة ، تأتيه من خلال اتساع علاقاتها مع عديد من الشخوص الروائية التي تشكلت بهدوء ...... 

ولعبت ما أراده الروائي فاضل القيسي ، لا من اجل بناء متصاعد سببي ، بل حتى تتصف بحرية الحركة القادرة على توفير فرص عديدة لوجود شخوص تعيش نوعاً من التباين في مكوناتها وعناصر الاختلاف الذي قادها كي تكون طرفاً جوهرياً في شبكة السرد ، وايضا كي تأخذ مساحتها التي حددها القاص ، ومنها مساحة قصيرة ، لكنها تتميز بعمق داعم ... النمو الهاديء والبطيء في السرد . ومثال ذلك عدد من الشخوص ، ولكن اكثرها حضوراً هي 

شخصية " هيفا " و " إسماعيل " و سلام " و " ضياء " و " علي " خديجة " فاطمة " خالد " ليلى " فاروق " . كان حضورها ثانوياً ، لكنه مثير في قدرته على التأثير بالشخوص الأخرى ومنحها الطاقة و .... 

اخرج من جيب معطفه هديته وناولها إياها . فضتها وناولته القلادة ، أحنت رأسها ليلبسها إياها / قبلتها وشكرته .

ـــ أريد أن أرى البحر فخذيني اليه .

ـــ سأغير ملابسي وأصحبك الى الروشة .

ـــ أنت ضيفي هذه الليلة .

............. كانت القلادة تتدلى بين نهديها . رفعت ذراعها اليسرى لترتدي المعطف فبان سواد إبطها غير منزوع الشعر كلياً ، سوت من هندامها أمام المرآة . كانت تفوح منها رائحة أحالته الى الفتاة التي أحبها أيام دراسته في الكلية .

ــ عطر جسدك أجمل من عطور الأرض .

ــ يبدو إنك حامياً هذه الليلة .

ــ وكل ليلة (( الرواية ص 147)) .

تظل لغة السرد لماحة ، ومتكتمة باحترام ما يريد البوح به .

ــ ستلعنه بعد أيام حين تبحر فيه .

ــ هل سبق وأن سافرت فيه ؟

ــ بالطبع لا .. أنا أحب أن أراه ولا أركبه .

ــ أما أنا فأحب أن أراه وأركبه . قال ذلك ضاحكاً وهو يضربها على قفاها .

ــ ملعون أنت ( 148) .

تكشف الرواية دقة القاص بالذهاب نحو الأنثى وكيفية التعامل مع الجسد الانثوي المتوتر برغبته والمشتهي للأخر ، حتى انه ــ الجسد ــ يبث شفراته للآخر من أجل تبادل الحب . وليس سهلاً التعرف على الرسالة والشفرة المرسلة للأخر ، لأنها تنطوي على لغة ليست قاموسية ، بل اعتباطية ، يبتكرها الأفراد والجماعات وتؤسس عبرها آلية لتبادل النداء نحو جسد الآخر . وكشف لنا الحوار السابق بأن القاص فاضل القيسي هو الأقرب لما يحتاجه الجسد الذكري ، لأنه ابن الحرب والموت مع ملاحظة تأثير وقائعه على الطاقة الكامنة في الجسد ، لكنها تتعطل بل تنفجر في لحظة ما كالبركان واراد القاص القيسي من الجسد .... أن يكون مرسلاً ومستلماً ولم يكن الاتصال الإدخالي حلماً في روايته ، بل الجوهري هو الحوار المتبادل بين الذكر والأنثى . وأعني به الحوار الصامت والاكتفاء بما يفيض به الجسد من شفرات واشارات . وهذه هي الروح الحية الباقية ما دام الكائن حياً ، حتى بعد تعطل الطاقة على ممارسة الاتصال ، لأن امتلاء الذاكرة بمرويات العلاقة مع الأنثى والعكس صحيح . من هنا يظل الجسد متمركزاً للادخال . وأريد الوصول الى إنسانية العلاقة مع الآخر وعمق التبادل بين الاثنين والدليل على ذلك الاتصال الإدخالي الذي أقامه فؤاد أسبوعياً مع امرأة عراقية موجودة في عمان ، حيث تندغم معه وتذوب وتغمض عينيها ، منادية بـ " سالم " إنه ذاكرتها العشقية الأولى ولم يستطع الزمن محو صورته . فالشخص المنفتحة له تمنحه جسدها مثلما فعلت مع " سالم " لدرجة أن انتبه لذلك زوجها قبل وفاته .

وظّف القاص الجسد مجالاً للكتابة ، تدوين الحب شفرة أو شفرات مكتنزة بطاقة مماثلة للجنون الذي يأخذ الأنثى للموت . واستطيع التذكير بـ " هيفا " التي التقطها الراوي وتبادل معها مجازيات غير صعبة عليها ، بل سهلة ويسيرة للتوصل للمعاني الآيروتيكية . وعلى الرغم من ذوبان أحدهما بالآخر ، فأن فؤاد ــ العراق ــ غزا الكويت وطردت منه ، وفقدت فرصة عملها ، وقادتها وزمرة الفرص الى عمان ومثلما قال نيتشة : إن الوعي هو بمثابة اللغة الرمزية للجسد ، وهذا ما اكدت عليه اكثر من مرة . هذه المرأة ــ هيفا ــ جعلت جسدها داعية للاستمتاع بالضرورة . لأن للإنسان على الجسد حق الانتفاع واستفادة من كتاب تجليات الصورة للأستاذ سعيد بنكراد الى ان العلامات والإشارات هي محفوظات الانسان والموجودة بين يديه وهي ممتلكاته ، لأنها ذات تجوهر مادي ، وفي اللحظة التي تنتهي فيها ضرورات العلامات والاشارات تنتهي جوهريتها وتتحول الى رمزيات في تداول الأفراد والجماعات . إن لغة الجسد أو لغاته العديدة المحملة بالدلالات التي يفهمها الانسان ، ذكراً أو أنثى ، ولابد من الانتفاع منها . والعلامات هي اللغة الرمزية الخاصة بالجسد ولابد من توظيفها وتفعيلها جنسياً لأنها غير معطلة او متعطلة ، لأنها متناسلة . ومثلما قال د. محسن جاسم الموسوي : لم تكن هذه الفضاءات عن جو عام تتوالد فيه الاحداث وتتناسل فيه اللذة ... إن جمال المرء يجري شبيهه صورة بالجواهر وآلات الموسيقى والطيور والألوان .

هناك طقوس للعشق والحب والجمال ....

ويفيض الشعر المعني بالعشق فيملاً الحياة ، حتى يظهر مكتوباً على كل ما يحيط بالجسد ، فاللذة تتنفس من بعضها للآخر ، وتتوالد في غيرها ، فلا شيء غيرها في حياة الخاصة . ويجري احتلال البدن وامتلاكه ضمن تراضٍ بين الاطراف المتنفذة ، لكن الجسد يمكن يؤول الى مصدر للسلطة ايضا كلما اغتنى بمكونات الحياة والصدارة كالشعر وتلجأ الحكاية التاريخية ، كما هو امرها الى تعددية الاصوات ، فتدخلات الخليع بصفته مشاركاً في الحدث لها شأنها في تطوير الاحداث وكذلك الروي ، فثمة ما ينقله صوت الصبية / د. محسن الموسوي / الذاكرة الشعبية لمجتمعات ألف ليلة وليلة / المركز الثقافي العربي / بيروت / 2016/ص 101//

حضور الجسد في وحدات السرد المتعددة بوصفه مكاناً للتدوين عليه ، وافراغ توترات الجسد الآخر مع قبول مهم أو رفض قوي ، بحيث يتحول الفعل الجنسي الى اغتصاب ، وهذا ما أشار له فاضل القيسي عن الذي يحدث في سجن رومية . واطلق د. محسن الموسوس مصطلح الفجيعة الجسدية ، وتدفق السرد عن العلاقة الثنائية بين الذكر والانثى واستمرار هذه الثنائية المتجددة والمتناسلة : لكن الفجيعة الجسدية او الجنسية تحديداً هي حافز للروي ، ولتدفق الكلام على الرغم من أن الاستجابة المذكورة تتفاوت بين الواحد والاخر // د. محسن الموسوي / ص 198//

لابد من الاشارة الى أن الرواية حفلت بالميتاسرد كآلية جوهرية وظفها السرد الجديد كثيراً ، بحيث لعبت دوراً مركزاً للاحتفاء بالسرد وكانت الرسائل حافلة بتلميحات جنسية ، تكررت أكثرها خطورة الكوابيس وهو ما عبرت عنه تلك التي كان فيها " عايد " فاعلاً قوياً وخصوصاً كوابيس الاتصالات الشاذة . ويبدو لي بأن الجسد الموظف ايجاباً وسلباً والجنس الثاني نتاج موضوعي لمثل تلك السجون والمماثل لها . وحضور الغلمان متجدد ، ولعل العمل الموسوعي للدكتور محسن ( الذاكرة الشعبية ) حافل بالدور الذي يؤديه الغلمان في بلاد الشام وغيرها ، ومثل هذا الدور يمثل ملمحاً مركزياً في العصر العباسي على سبيل المثال . 

فصل الشتاء حاضر والمطر دال على وجوده ومعروف بأنه ــ المطر ــ رمز سماوي ــ مثلما هو مقذوفات الاله آنو ، رب الارباب في الميثولوجيا العراقية ، منذ سومر وحتى أشور . ونزول المطر فعل اتصالي مع الارض وطاقته الرمزية كبيرة ، لأن الارض فاتحة جسدها كله لحظة نزوله .

وتضمن الشعر العراقي القديم نصوصاً كثيرة عن الزواج الإلهي المقدس بين السماء والأرض وبالامكان الاطلاع على كل تلك النصوص من خلال الاطلاع على الجزء الاول من ديوان ( سومر وأكد ) : اعطني اعطني ماء القلب . لهذه العلاقة الأسطورية والموضوعية ولأسباب أخرى ودلالات خاصة بالقاص وثقافته الفنية . لأن المطر له حضور في السينما والقاص مدرك لما يعنيه ودائما ما تم اختزال أفعال من خلال صورة المطر .

وجدت في المطر حضوراً مثيراً للانتباه . أثناء الحرب ، وفي الغربة والحرية ، بعد مغادرة سجن رومية ، لكن الدلالة الجوهرية للمطر ، هي ترميزه المعبر عن ثنائية الاتصال بين الذكر والانثى . وكلما تبادل فؤاد حواراً مع هيفا وغيرها يهطل المطر ، ليوميء لإمكانات تحقق فعل تناسل الرغبة والنجاح عبر الادخال . واعتقد بأن المطر في الحرب ، وغزو الكويت والهروب الى دمشق ، وفي بيروت أيضاً ، هو دال على حتمية حصول انفراج وتوقف الموت ومعاودة الحياة لسياقها الحقيقي ، المتمثل بالانبعاث والتجدد واستمرار سيرورتها . والمعاني التي تنطوي عليها المطر عديدة ولها طاقة لذّية وقوة عارمة تجدد الحياة وانبعاثها ثانياً حيوية ذكورية وأنثوية ، آلية تطهيرية وإزالة الدنس والنجس .

توفرت الرواية على نصيات مركزة جداً حول العلاقة مع الجسد الانثى لكن القاص لم يذهب طويلاً تمثيلات العلاقة المنسية والمثير إن اكثر المشاهد اثارة هي تلصصه على جارته التي كان يرقبها مع زوجها وهما يمارسان الاتصال . وظلت كل التكثيلات الاخرى ، ذات حضور خاطف ومثير . وتحكم القاص بالتكتم وامتنع عن الافصاح ، الذي قاده من اجل التستر على الانثى : أعاد السؤال مع نفسه . ربما المقاتل والتفاحة بينهما رابط ما ، لكن الوطن .... كيف ساجد الرابط مع التفاحة والمقاتل ؟ 

مقاتل / وطن انهما يتسقان فالمقاتل يدافع عن الوطن ، لكن ما شأن التفاحة ؟ اهي تفاحة الغواية الأولى ؟ التي اخرجت آدم من الجنة ، لكن أين هي الغواية ؟ // ص 9/ سلمون عراقي / رواية / دار روافد القاهرة / 2018//

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top