شبــاب الـعــــراق في زمن الرصاص

آراء وأفكار 2019/10/13 07:20:00 م

شبــاب الـعــــراق  في زمن الرصاص

د. مهندالبراك

ـ1ـ

اندلعت انتفاضة شباب العراق الأبطال في الأول من تشرين أول من العام الجاري و سجّلت و تسجّل ملاحم لم تتصورها الكتل الحاكمة و لا السلطات الثلاث و الأحزاب،

رغم تنبيه العديد من الكتّاب و المحللين الى أن إهمال الجماهير الشعبية و خاصة الكادحة منها سيؤدي الى انفلات الأوضاع كلّها بوجه السلطات الحاكمة، بعد ان وصل الألم و الحرمان مداه، ولأن ليس لديها ماتخسره.

أشعل الانتفاضة شباب العراق من الأجيال الأقل من عمر 20 عاماً ، ليعطوا درساً للجميع فيما يعانيه الشعب العراقي على كل المستويات، التي صار لا يحدّها مقال أو بحث، معاناة بسبب الفساد و الارهاب و البطالة و الفقر، التي تسببت بها الفئات الحاكمة التي تعكّزت و تستّرت فيها بملحمة الحسين الشهيد زوراً و بهتاناً، في محاولة لتغطية نهبها و سرقاتها الفلكية بنظام المحاصصة الذي حوّل البلاد الى كانتونات شبه مستقلة لاتبالي بسحق ابنائها و في مقدمتهم عنصرها الفاعل و الأهم . . شبابها و شاباتها. 

لم يدركوا لغبائهم سعة معرفة و منطق شباب اليوم الذين رغم الفقر المدمّر، توفرّت لهم فرص الإطلاع على تجارب العالم و كيف تعيش الدول و شبابها و أية قوانين إنسانية تحكمها و كيف يتطور العالم و أين نحن و كيف تسيّرنا عقول و أساطير مئات السنين لايعرف الى أين ؟ و كيف دجّن الجهل أوساطاً و أوساط . . 

سواء عبر الانترنت و تطبيقاتها التي لاحصر لها و التي أصبحت من مقومات حياة اليوم حتى في اقصى مجاهيل العالم و صارت حقّاً من حقوق الإنسان، أو ما شهدوه عبر موجات الهجرات المليونية وسط انواع الاهوال طالبين اللجوء، هرباً من الارهاب و الحروب و العنصرية الدينية و المذهبية و الاثنية، و عودة النسب الأكبر منهم الى دفء الوطن. 

و يلاحظه كثيرون، بأن أجيال مابعد 2003 لم تغرق في كتب و نظريات، و إنما فتّحت اعينها على سقوط الدكتاتورية و على أنواع المعارك و الحروب الارهابية و الآلاف المؤلفة من الضحايا و أنواع اللافتات المبشّرة بغد افضل و بالرفاه، بل و صدّقت بالدستور و بالوعود الديمقراطية بداية و تحدّت الرافضين و تحدّت أنواع الصراعات العنيفة التي تجري من اجل منافع انانية ضيّقة و سرقات هائلة مشرعنة، حتى انكشف زيف الوعود من حياتها التي تزداد بؤساً، فعارضت و احتجّت و تجمّعت بلا حزب يجمعها أو يوحدها بل فقدت ثقتها بالسياسيين و بالأحزاب، و فقدت الثقة بمن يدّعون تمثيل الطوائف الدينية. 

أجيال صدّقت بحق الاحتجاجات السلمية التي كفلها الدستور، إلاّ إنها فوجئت بالرصاص الحي يطلق عليها في واضحة النهار و واجهته مقدّمة مئات الضحايا في أعوام 2010، 2014 ، 2015 . . حتى انفجرت انتفاضة شباب البصرة السلمية قبل عام، التي واجهت رصاص الحكومة بالحجارة و امتنعت العديد من وحدات القوات المسلحة الحكومية عن تنفيذ أوامر فتح النيران عليها، و غيّرت معادلة الحكم و كانت السبب في خسارة رئيس الوزراء السابق العبادي (و بشكل مشابه قبله المالكي)، رغم كونه القائد العام الرسمي للقوات المسلحة التي اسقطت (دولة داعش) الإرهابية الإجرامية. 

و انتظروا نتائج انتخابات 2018 التي شارك فيها اقل من 40 % ممن يحق لهم التصويت حين ارتفع شعار (الإصلاح) و طغى على الدعايات الانتخابية التي رفعتها كلّ الكتل بما فيها الأكثر فساداً حتى ضاع معنى الإصلاح ، انتظروا بلا طائل وعود المرجعيات بالمحاسبة و من أين لك هذا ؟؟ رغم مشاهدتهم التزوير و محاولات التسييس و ركوب الموجات و تجييرها و استمرارها. 

في وقت لم تبالِ الحكومات المتعاقبة بإيجاد حلول لمشاكل الشعب الاساسية في الحياة، بالماء الصالح للشرب و الكهرباء و الصحة و العمل و التأهيل المهني، و رجال الدولة اللادولة في صراع بينهم على الغنائم، حتى افقدت الاوضاع استقلال البلاد، في ظروف يتكالب عليها أنواع الذئاب الاقليميين و الدوليين و خاصة إيران و تركيا و الولايات المتحدة و حلفائها، بعد أن وصلت نسبة ماتحت الفقر الى 30 % وفق البيانات الرسمية. 

و يجمع أوسع عدداً من المراقبين على أن التظاهرات السلمية الجريئة منتهى الجرأة على حق و كل الحق، بشهادة الانضمام السريع لأوسع فئات الشباب اليها بشكل عفوي، سواء بالمشاركة الفعلية أو التأييد و النشر. لقد اطلق الشباب شجاعة القول و الاحتجاج بعد أن يأست فئات عمرية أكبر سناً و فقدت شجاعتها امام هول العنف الذي واجهته علنا . . أمام حكومات لم تقدم شيئا لأجيال حاربت الإرهاب و اسقطت (دولة داعش) الإجرامية، يوم هربت وحدات حكومة المالكي من الموصل و تسببت بمذبحة سبايكر ! 

(يتبع)

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top