المُحَرِّك العاطل... وخدمة المجتمع ؟

آراء وأفكار 2019/11/11 08:28:47 ص

المُحَرِّك العاطل... وخدمة المجتمع ؟

   رضا المحمداوي

في البدء لا بُدَّ من المرور على الأحداث ذات الإيقاع الدراماتيكي التي أعقبتْ إجراء الانتخابات البرلمانية يوم 12/ 5 / 2018

مِن مثل حملة الطعن بنزاهة الانتخابات نفسها ، وعمليات التشهير بوجود تزوير في صناديق الاقتراع ، ثم بعد ذلك تم إعفاء أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من المهام الموكلة إليهم وفق القانون ليتم إنتداب قضاة من أجل إعادة الفرز والعد اليدوي ، ليعقب ذلك حادث حرق مخازن صناديق الاقتراع في مركز الرصافة وبعدها إنهيار أو تكسّر لبعض الرفوف التي كانت مُحمَّلة  بالأجهزة الفنية الداخلة بعملية إدخال البيانات الخاصة بعملية الانتخاب ، وبعد كل هذا خرجتْ الانتخابات من كل تداعيات تلك الأحداث وتبعاتها بنتيجة صافية لا تشوبها شائبة  وكانت النتائج مطابقة 100% ...  !؟

وبعد لغة الأرقام بدأتْ لغة المكونات الثلاثة وتقابلها لغة الرئاسات الثلاث ، فالمكّون السنّي ( بالمعنى السياسي للتسمية والعنوان) وفي جلسة عاصفة دارتْ حولها الاسئلة وشابها الغموض إنتهتْ الى السيد : محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان .

في حين إنتهتْ الجلسة الطويلة للمكّون الكردي( بالمفهوم القومي للعنوان داخل الاطار السياسي) بغَلَبة السيد: برهم صالح رئيساً للجمهورية العراقية.

المُكّون الشيعي (بذات المعنى السياسي للتسمية والعنوان) أهملَ وتجاهلَ الأسماء التي ترددتْ كثيراً في الأوساط السياسية وسط التكهنات والتوقعات التي تشبه الرمال المتحركة وأخيراً  إنتهى هذا المُكّون (توافقياً ) الى السيد: عادل عبد المهدي ليكون المُكّلف بتشكيل الحكومة الجديدة في غضون شهر لتحكم العراق  حتى العام  2022 .

كل هذا جرى، وما زال يجري، وسط غياب غامض ومقصود لما يُسمَّى ب( الكتلة الاكبر ) أو (الكتلة الاكثر عدداً) ومعهُ تم تغييب التفسير الغامض هو الآخر لهذا المفهوم من قبل المحكمة الاتحادية ، وهو التفسير الذي يخالف - في أقلِّ تقدير- كافة مفاهيم نتائج الانتخابات المعمول بها في الدول التي ترسختْ بها الديمقراطية وآلياتها منذ مئات السنين .

حسناً .. لقد كان ما كان ... وأستحضرٌ هنا مقولة الشاعر: جون غودفري ماكس  - ( أن الصفقات السياسية مثل السجق كُلّما زادتْ معرفتنا بطريقة صنعها قَلَّ إحترامنا لها ) والآن وبعد أن بدأت المرحلة التأريخية المفصلية الأخيرة في الحياة السياسية العراقية الساخنة بل الملتهبة  وبعد ما يقربُ من عام على تشكيل حكومة عادل عبد المهدي : هل أنجَبَ ذلك المخاضُ الصعب والطويل  حكومةً عراقيةً بهويةٍ وهموم وطنية بحجم وقدر معاناة المجتمع الذي إنتخبها لتكون تلك الحكومة المرجوة قادرة على تحويل الفشل الحكومي المزمن وضعف الأداء المؤسساتي الى قوةٍ وطنيةٍ ، وتتمكن من تحريك عجلة الاقتصاد العراقي ليكون إقتصادا ً فاعلاً ، ومتحركاً ، وبخطوط بيانية متصاعدة ومتنامية ؟

إنَّ جسامة التضحيات التي قدَّمَها المجتمع العراقي منذ حرب الإطاحة بالنظام الصدامي السابق عام 2003 وما جرّتهُ من ويلات وخسائر بشرية ومادية وإقتصادية مع إنهيار كامل لبنية الدولة العراقية القديمة التي تأسستْ عام 1921 ، فضلاً عن التركة الثقيلة للنظام السابق نفسه  وعلى مدى عشرات السنين ، كان يتوجب أن تكون  حاضرةً في واجهة المشهد السياسي المُنتَظر والعقل السياسي الجديد قبل الدخول فيما سميَّ ب(العملية السياسية) التي أصبحتْ هي الشغل الشاغل (للدولة العراقية )وبدلاً من أن تعمل تلك العملية السياسية وطبقتها الحاكمة على بناء الدولة والإضطلاع بمهمة البناء الفوقي للمجتمع العراقي وتحسين النمو الاقتصادي وتحقيق الأمن والأمان المجتمعي والعمل على توفير الحياة الحرة الكريمة ، مقابل هذا وغيره وجدنا أن إدارة (العملية السياسية) وملاحقة يومياتها والصراع بين أجنحتها  ورموز السلطة هي الشغل الشاغل للدولة التي باتتْ شبه مُعّطلة أو متوقفة عن إداء مهامها أو القيام بواجباتها ومسؤولياتها تجاه الشعب الذي إنتخبَ تلك الحكومة .

ثمة إزدواجية مُعطّلة لمُحرِّك (الدولة ) في أداء واجباتها ومسؤولياتها إزاء (الشعب ) وبناء المجتمع، وتتمثل هذه الإزدواجية بتصدي رجال السياسة وأحزابها وحركاتها ومسمياتها العديدة والمتكاثرة ..تصدي تلك القوى السياسية المُهيمنة بقوة السلطة والنفوذ والمال العام للقيام بواجبات (بناء الدولة)من خلال الوزارات والمؤسسات التنفيذية وهو مأزق العملية السياسية الخطير الذي ما زالتْ  تدور في دائرته دون أن تعمل على الخروج مِنهُ ، فهناك المئات بل الآلاف من المنخرطين بالعملية السياسية والمنظوين لتياراتها وحركاتها ولكن لنسأل انفسنا :

- كم من هؤلاء لديه القدرة والكفاءة والتخصص العلمي لكي يتصدى لعملية(بناء الدولة )عبر وزاراتها ومؤسساتها ودوائرها الخدمية ؟

إنَّ مفهوم الدولة ،هنا، بالمعنى الوظيفي يلزمها أن تقوم بواجبها الأول وهو (خدمة المجتمع) بكل أنواع وأصناف وعناوين الخدمة المجتمعية ، وإلاّ ما هو واجب الدولة وهي تصرف مليارات الدولارات في كل عام من خلال موازنة سنوية تدخل فيها الكثير من المساومات والصفقات السياسية  قبل أن تدخل حيز التنفيذ ؛ وما أن توضع تلك الموازنة التشغيلية والاستثمارية حتى تجد أن رجال السياسة والأحزاب والمكونات الذين يتصدرون الواجهة الامامية لمايسمى ب(العملية السياسية )ومن خلال نظام المحاصصة ولغة المكونات  في تقسيم الوزارات والهيئات المستقلة والدرجات الخاصة ووكلاء الوزارات والمدراء العامين قد أتوا على تلك الموازنة التي لم تُحققْ إلا القليل من الخدمات العامة للمجتمع الذي يعاني من ارتفاع نسبة البطالة، وإزدياد في نسبة الفقر، مع إستمرار أزمة مالية خانقة اصابت مفاصل الحياة الاقتصادية بالشلل والعجز ، إضافة ً الى مأزق الملف الامني وتعقيداته ،وسرطان الفساد المستشري في جسد الدولة ومؤسساتها ودوائرها ، وفي الحصيلة الاخيرة يبدو المواطن العراقي معوزاً  ، فقيراً  في حين انه يعيش في بلد ثري تدّرُ الارض التي تحت قدميه مليارات الدولارات يومياً ولكنها تذهب سدىً.

من هنا يجيء السؤال الصعب عمّا قدمتهُ حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وهي تقترب من السنة الأولى من عمرها ،  خاصةً  بعد إكتمال الكابينة الوزارية ، وبعد ما يُفترضُ ان الموازنة وهي في أشهرها الأخيرة - قد وفرَّتْ الغطاء المالي لفقرات المنهاج العام للحكومة وبرنامجها السنوي والذي أعلن عنه رئيس الوزراء وقرأهُ بنفسهِ على رؤوس أعضاء مجلس النواب   :

 فهل أنجبَ البرلمان حكومة ً خدمية ً  تستمدُّ  قوتها وشخصيتها وهيبتها مما قَدَمَتْهُ لإبناء مجتمعها الذي وَضَعَ ثقتَهُ بها ؟

وفي معاينة تاريخية عامة للسنوات ال16 الماضية من عمر ما يُوصفُ أو يُسمَّى عادةً ب(التغيير ) الذي أعقب سقوط النظام السابق عام 2003، وبعد عدة حكومات ديقراطية مُنتخَبة ، وبعد عدة دورات برلمانية  نجد أن النظام الديمقراطي لدينا في العراق ومن خلال إعتماده مبدأ المحاصصة المكوناتية وآلية التوافقية السياسية قد ثبت أنَّهُ نظام ليس بمستوى قيام (دولة ) ورثتْ الكثير من تركات النظام الصدامي وهي تركات ثقيلة وذات طبيعة متراكمة ، كما ان الحصيلة النهائية للحكومات الديمقراطية المتعاقبة، ومعها كذلك الحصيلة النهائية للدورات الانتخابية البرلمانية لم تكن بمستوى طموحات النظام الديمقراطي نفسه الذي كانت الطبقة السياسية ومعها المجتمع  قد علقَّا عليه الكثير من الآمال والطموحات ؟

* ناقد وشاعر ومخرج تلفزيوني

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top