الدستور والمسؤولية التضامنية للحكومة عن أعمالها

آراء وأفكار 2019/11/17 06:43:05 م

الدستور والمسؤولية التضامنية للحكومة عن أعمالها

 القاضي سالم روضان الموسوي

حدّد دستور العراق النافذ مسؤولية رئيس الوزراء والوزراء بأنها مسؤولية تضامنية وشخصية وعلى وفق نص المادة (83) من الدستور

التي جاء فيها الآتي (تكون مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء أمام مجلس النواب، تضامنيةً وشخصية) ومعنى أن تكون المسؤولية تضامنية وهو الشق الأول من المسؤولية التي حددتها المادة الدستورية أعلاه، بأن جميع الكابينة الوزارية مسؤولة عن أداء الحكومة بأي مجال من مجالات عملها ولا تقتصر على الوزير المسؤول المباشر، فقط أو رئيس الوزراء ويعتبر التضامن الحكومي في تحمل التبعات سمة من سمات النظام النيابي لأنها مسؤولة أمام البرلمان، وأساس هذا المبدأ هو العرف الدستوري والنيابي البريطاني ويشير أحد الكتاب إلى أن أساس المسؤولية السياسية التضامنية يعود إلى المثل الانكليزي الشائع القائل بان (الملك لا يعمل منفرداً) وذلك بعد قيام الملك ك جون ستير الملقب بجون لاكلاند بإعلان الميثاق الأعظم المعرف بماغنا كارتا (MAGNA CARTA) للنبلاء الإنجليز الثائرين عليه عام 1215م،

ويعرف المختصون في الفقه الدستوري المسؤولية التضامنية بأنها (المسؤولية التي تكون شاملة للوزارة بأسرها وهي تنهض عندما تتعلق المسؤولية بالسياسة العامة للوزارة أو إذا كان العمل للوزارة أو إذا كان العمل المسبب للمسؤولية صادر عن رئيس مجلس الوزراء) لأن رئيس الوزراء مسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للدولة على وفق حكم المادة (78) من الدستور ومجلس الوزراء بأكمله مسؤول عن تخطيط وتنفيذ السياسة العامة على وفق المادة (80/أولا) من الدستور ، ومن هذه المقدمة نرى بأن رئيس الوزراء أو أي وزير في الكابينة الحكومية لا يمكن أن يتحلل من مسؤوليته عن أداء الحكومة بأكملها وليس له أن يتعلل بعدم معرفته بما جرى أو إنه غير مختص في هذا الجانب، والأزمة التي تمر بها البلاد في الوقت الحاضر أفرزت لنا مؤشرات عن عدم وجود وعي دستوري تجاه تحمل تبعات المسؤولية التضامنية، لربما الأمر ناجم عن عد تحسب القائمين على مقاليد الأمور لمثل هذه الأزمة حيث أفقدتهم التركيز وأصبحوا يناورون عبر الإعلام بإبعاد المسؤولية عنهم مثال ذلك اختلال الوضع الأمني وهو من صلب اختصاص الوزراء الأمنيين مثل وزير الداخلية ومسؤوليته في حفظ الأمن العام في البلد ومنع وقوع الجريمة وحماية الحدود ومنافذها، وكذلك مسؤولية وزير الدفاع عن حماية البلاد من أي عدوان لأن القوات المسلحة ملزمة بحكم الدستور بحماية البلاد وتدافع عنها ولا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية وليس لها دور في تداول السلطة سلمياً وعلى وفق ما جاء في المادة (9/أولا) من الدستور، وهذه الأمور تعد من مفردات السياسة العامة التي تمارسها وتنفذها الحكومة لذلك ظهور وزير الدفاع أو الداخلية أو ضابط كبير في القوات المسلحة مسؤول عن قيادة عمليات بأنه لا يعلم عن الجهة التي تقتل أو التي تتصدى للمتظاهرين أو إنه لا يعلم عن كيفية دخول بعض أنواع الأسلحة وكيفية استخدامها ويجهل الجهات التي تستخدمها أو ظهور للمسؤول الأول في الحكومة بمناشدة جهة ارتكبت جريمة خطف مع أن واجبه الأول منع وقوع الجريمة والثاني القبض على الجناة وتقديمهم للعدالة، فإن ذلك إقرار بالخطاء والتقصير في تنفيذ الواجب والإلزام الدستوري بحماية البلاد وامن المواطن وحماية الممتلكات العامة والخاصة لأن واجب الحكومة في توفير الأمن هو مقابل حق المواطن في الحياة الآمنة الوارد في المادة (15) من الدستور، وكل الأعذار والتبريرات التي تقدمها الحكومة لما جرى لا يعفيها حتى وإن سعت إلى تلبية طلبات المحتجين وطلبات الشعب، ويذكر إن أحد السياسيين البريطانيين عام 1780م كان له جواب على دعوة رئيس الوزراء آنذاك (اللورد نورثمام) بأنه مستعد لتعديل سياسة حكومته وتنفيذ طلبات المعارضين له ، فكان رد السياسي البريطاني آنذاك (اللورد فوكس) (بأنه لا يجوز لوزارة إن تستمر في الحكم لتطبيق سياسة وبرامج خصومها ومعارضيها) وهذا الكلام يسري على الكتل التي تبنت تقديم مرشح رئاسة الوزراء في حينه فليس لها أن تعدل عن خيارها وتسعى لتنفيذ برامج خصومها في البرلمان وخارجه.

لذلك أتمنى أن يكون مجلس الوزراء قد تحسب لمسؤوليته التضامنية وإن لا يقوم الوزراء بنقل عبء المسؤولية عنهم إلى زملائهم لأنها إقرار بالخطأ وكشف عورة الأداء الحكومي ولا تبعد المسؤولية عنهم، لأن الدستور قضى باليقين الجازم إنهم متضامنون في تحمل المسؤولية، وفي تجارب الدول المتقدمة في مجال العمل النيابي نجد في فرنسا إن ميشال روكار ،رئيس الوزراء الأسبق في فترة حكم فرانسوا ميتران، عندما كان وزيراً للزراعة بأنه قدم استقالته لأنه لم يكن موافق على تشريع قانون لم يقتنع به يتعلق بالتمثيل النسبي في الانتخابات التشريعية والأمثلة كثيرة على ذلك للوقاية من تحمل تبعات قرارات غيره من الأعضاء في الكابينة الوزارية، وإختتم بأن جميع الوزراء بما فيهم رئيس الوزراء هم مسؤولون مسؤولية تضامنية أم مجلس النواب بحكم الدستور في المادة (83) وأمام الشعب لأنه مصدر كل سلطاتهم وصلاحياتهم على وفق حكم المادة (5) من الدستور

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top