حِداد الحديقة على ربيعها

حِداد الحديقة على ربيعها

ناجح المعموري

( هزّي جذع هذه النخلة اللحظة / تساقط عليك / موتاً سخياً ) رواية مريم ص 104) حضور النخلة في الفن العراقي القديم جوهري ،

وظهرت بالعديد من الاختام الاسطوانية وبالتحولات الثقافية ، صارت رمزاً دالاً على الوفرة والخصوبة والانبعاث ، وتمركزت كثيراً في الأساطير الشرقية وتحوّلت الى عنصر بنائي مهم في أسطورة ولادة يسوع . وابتدأ الاقتران بين السيدة العذراء مريم وبين النخلة ، مثلما كان في البدء تجاور الآلهة الانثوية مع النخلة . وصارت النخلة مهيمنة عالية في الخصب المسيحي الذي يمثل امتداداً طبيعياً ومتطوراً للبنية الذهنية العراقية القديمة . وكان للسيدة العذراء / مريم حضور مركزي في رواية سنان انطوان " يا مريم " متجاورة مع النخلة التي ظلت ممتدة في الرواية ثقافياً ودينياً وبالإمكان إجراء تناوب بين الاثنين ، النخلة والسيدة العذراء / مريم . ودخل الطفل يسوع / لاحقاً السيد المسيح ليكون مثلثاً مهيمناً ... هذا يعني إمكان استحضار كل الأساطير المرتبطة بالنخلة والسيدة العذراء ويسوع ، يشكل الثالوث المسيحي بؤرة الخصوبة والانبعاث في ديانات الشرق الأدنى القديم .

نجح الروائي سنان انطوان في توظيف الثالوث بمهارة فنية عالية ، بعمل روائي قصير ودفع الروائي النخلة للتجاور مع شجرة التوت بأسطورتها البابلية البليغة بدلالتها على التضحية ، وهي غير بعيدة عن أسطورة التضحية المسيحية والقربان الجمعي ( ترى هل تتحاور النخلة مع شجرة التوت أم إنها تتعالى عليها ص 76) النخلة ساكنة بذاكرة يوسف ثقافياً واجتماعياً . ونجح الروائي بتحقيق التوازن بين وظيفتها الاجتماعية والثقافية / الدينية . وتميز سنان ببراعة فائقة في تخليق شخصية " بريسم " صاعود النخل الذي ظل يطرّب ويلقح النخلتين في بيتي لأكثر من ثلاثين سنة . كان يصرخ غاضباً لو رأها ( برسيم كان يدور في الشوارع ، وعندما يرى نخلة أهملها أصحابها كان يظل يرن الجرس حتى يخرج أحد من أهل البيت ، ليوبخهم على قسوتهم وغلاظة قلوبهم . أصبح بريسم شبه أصم في سنواته الأخيرة وكان يصرخ : " ما عندي غير الله والنخل ..... ما عندي غير الله والنخل ..... ولعل الله كان يحبه حقاً لأنه أخذه ذات ظهيرة وهو يعانق نخلة في بستان كان قد تسلقها ليلقحها فسكت قلبه وهو في التبلية . مات وهو يعتني بالنخلة التي كان يخاطبها وكأنها بشر . وكان قد أصبح أسطورة بين صواعيد النخل . هذا ما سمعته من جاسم ! الصاعود الذي بدأ يعتني بالنخلتين بعد وفاة بريسم ص 83) تبدو وظيفة بريسم وجاسم مصدراً اقتصادياً ،لكنها في المعنى الأعمق نوعاً من التشارك الخفي بالطقوس الدينية الخاصة بالنخلة ، المنفتحة على رمزية الآلهة الأنثى في العراق والسيدة العذراء ، وهما لا ينتميان للمسيحية ، بل هما متجاوران معهاً ، حتى اقترنت النخلة بالكنيسة وصارت كائناً حياً ، يومئ للعذراء ويسوع ( اعجبني أن النخلة تقف في باحة الكنيسة . ربما كانت تحمي مريم التي في المغارة ... كان عبد الباسط يجود سورة مريم التي ظهرت آياتها على الشاشة بخط جميل .... وعندما وصل الى ( فأجأها المخاض الى جذع النخلة ، قالت يا ليتني متُ قبل هذا وكنت نسياً منسياً ، فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً ، وهزّي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً ص 97) .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top