الانتفاضة الشعبية والحلقات المفتقدة في بناء اقتصاد عراقي حديث

آراء وأفكار 2019/11/18 07:08:38 م

الانتفاضة الشعبية والحلقات المفتقدة في بناء  اقتصاد عراقي حديث

د. أحمد عبد الرزاق شكارة

جزء رئيس من مشكلات وأزمات العراق الصعبة التي يعيشها أبناؤه في المرحلة الراهنة وعلى مختلف أطيافهم تلك المرتبطة بمسارات حياتهم المعيشية

التي تضمر معاناة شديدة مرهقة لحياة طبقات اجتماعية في مجملها مهمشة وضعيفة الحال والدخل خاصة بين الشباب والشابات حيث تتصاعد نسب الفقر والبطالة في البلاد لدرجات عليا (بين 25 - 35 %) أو ربما ما هو أكثر (40 %)* طبقاً لإحصاءات أخرى .

إحصاءات شملت بشكل أساس فئات المواطنين من الشباب والشابات الذين حملوا شهادات دراسية متنوعة دنيا وعليا (بكلوريوس وما فوق). مفارقة ولاشك حيوية يستوجب التوقف عندها ملياً ، إذ في الوقت الذي يمكن بل من الضرورة بمكان لشباب سوح الانتفاضات "الثورات" العراقية الراهنة أن يكونوا عنصر قوة لبناء عراق حديث متطور يتمتع بسمة وسمعة التنافس الحر نجد الصورة التقليدية السائدة لإقتصاد عراقي ريعي بإمتياز تعتمد مدخولاته المالية بنسبة 95 % أو أكثر على دخل العراق من تصدير النفط الذي يجلب للعراق مابين 6 إلى 7 مليارات دولار شهريا (سنويا = المجموع الكلي = مايقارب 96 مليار دولار) . طبيعي إن الرقم يتصاعد أو ينحدر نسبياً اعتمادا على معدلات أسعار النفط العالمية التي تتأثر بشكل واضح إن إيجاباً أو سلباً بما يحيط العراق من ظروف أمنية – سياسية – إقتصادية وبيئية داخلية ودولية . إن إفتقاد رؤية ستراتيجية وطنية لعراق جديد تقع مسؤولياتها على كل من بيده الحل والعقد من صناع القرار الذين استمرؤوا واستمروا واستثمروا في نهج مواقف ولا أقول سياسات هدفها تلبية مصالح ثلة من فرقاء العمل السياسي – الاقتصادي على حساب الاعتناء بالغالبية من شعبنا الذين يعانون من شظف العيش بصورة وصل فيها اكثر من 22 إلى 25 % منهم لحدود "الفقر المدقع" ، حيث تعيش شرائح كبيرة جداً على 1 – 2 دولار يومياً أو أقل. 

صورة أخرى مكملة من فساد مستشري في العديد من مرافق الدولة إدارياً – سياسياً، إقتصادياً - إجتماعياً وتربوياً - تعليمياً – تقنياً. علماً بإن العراق قد سجل موقعا متدنياً (168) من سجل لمنظمة الشفافية العالمية يصل عدد المنتمين له (180) دولة ، على أنه من أكثر الدول فساداً في العالم للعام 2018. من هنا، تجيئ التصورات الأولى للحلقات المفتقدة كونها مرتبطة إبتداءً أساساً بضرورة بلورة صورة معمقة وشاملة لعراق لايعتمد دخله الرئيس على تصدير النفط الخام ، الغاز الطبيعي أو بعض منتجات الوقود الاحفوري فقط وإنما عراق يعتمد على تنوع مصادر الدخل والطاقة معا كي يمتن نموه الاقتصادي الحقيقي من خلال دور دولة المؤسسات مقللا بذات الوقت من آلاثار البيئية السلبية التي تتصاعد مع مرور الوقت حيث تتنامى بشكل مضطرد نسب نفاذية غاز ثاني أوكسيد الكاربون في الجو ما يعني مزيداً من تلوث مايحيط بنا من الهواء والتربة والمياه معاً. من منظور آخر ، فإن توفر ستراتيجية شاملة مرنة يمكنها التكيييف مع تطورات الاقتصاد والسياسة والمجتمع يعني مزيداً من الاهتمام بإحداث توافق جدي بين نوع الامكانات والأولويات المتطلبة لسوق العمل من جهة وما تخطط جامعات العراق له من سياسات من المفترض أن تحدد بدقة كبيرة الاعداد المتوقعة المتطلبة من الخريجيين في مختلف التخصصات العلمية – التقنية – التعليمية - التربوية التي تلبي نشاطات سوق العمل المستقبلي . 

إن وجود بطالة مقنعة في القطاع العام بإعداد تصل بالملايين قرابة 4 مليون شخص او أكثر في إحصاءات أخرى حيث تصل إلى ماهو 8 إلى 9 ملايين شخص تبين أن مجمل أعداد من يتصدى للشأن العام لم ينجح في رسم خارطة جيو- إقتصادية –سياسية – جيوستراتيجية نحو طريق بناء إقتصاد وطني سليم هدفه تحقيق نمو اقتصادي عالٍ رفيع يمهد لإنجاز تنمية إنسانية مستدامة. 

الأمر المرافق لما ذكر كله تأتي أهمية بناء وتنمية القطاع الخاص شكلاً ومضموناً من أجل بناء اقتصاد عراقي مزدهر يلبي إحتياجات القرن ال21 . الشيء بالشيء يذكر أن هؤلاء الشباب "الابطال" كما عرفوا ، انطلقوا في إنتفاضتهم من ركيزة اساسية بعيداً عن مجرد إصلاح أوضاع آيلة للسقوط إلى المطالبة بهدف ستراتيجي عرفوه بوطن مرحب بهم يرعاهم ويحفظ لهم كرامتهم التي طالما ما أهدرت من قبل صناع القرار أو مايعرف بآمناء الامة من أصحاب الأيدلوجيات الدينية "الإسلام السياسي" الذين طالما تنادوا لحماية مصالح الفئات المحرومة من ابسط الاحتياجات الاقتصادية – الاجتماعية التي إزدادت إتساعاً في حجمها وجغرافية انتشارها منذ 16 عاما خلت . 

لعل محافظة بغداد والمحافظات الجنوبية والوسطى التي أندلعت انتفاضاتها المتكررة منذ أكثر من شهر ونصف تؤكد أن مساحة المعاناة من الفقر والفاقة والمرض والبطالة والتدهور البيئي أخذت تنذر بأوضاع إنسانية غاية في السوء والتدهور. محافظة المثنى تصل نسب الفقر فيها إلى ما هو اكثر من 51 % (الأعلى بين محافظات العراق) والبصرة بحدود 40 % وميسان والناصرية بين 45- إلى - 47 % تقريبا ونينوى التي تضم مايقارب 5/1 مجمل عدد سكان العراق . صحيح أن العينة العشوائية تشير إلى أن نسبة الفقر تصل إلى 10 بالمائة في بغداد ولكنها نسبة لاتبدو دقيقة كونها يجب أن تكون قابلة للمراجعة المستمرة توخيا للمزيد من الدقة العلمية آخذاً بالاعتبار أن طبيعة الانتفاضة الشعبية التشرينية (الاول والثاني) التي انطلقت من بغداد تشمل فئات محرومة ليس فقط لفقرها المدقع بل لكون أوضاعها العامة تزداد ضعفا بل وصلت لحالة القاع الذي لابد من بعده أن يتم خرق الجدار العازل للتقدم الاجتماعي –الاقتصادي إنتقالاً لأوضاع جديدة متقدمة إنسانية تليق بالعراق وطناً حراً كريماً ومستقلاً . فرص تقدم لهؤلاء المنتفضين الاحرار موطنا حقيقيا ، آمنا ومزدهرا بكل ماتعنيه هذه الكلمات من معنى حقيقي كي يواكب متغيرات العصر سريعة الايقاع تقنيا –علميا ومعرفيا. 

إن عراقاً جديداً لابد لأبنائه أن يحققوا آمالهم العريضة والحقة من خلاله يتضمن توزيعا عادلا لثرواته التي اهدرها الفساد بكل أنواعه ومستوياته ما يقتضي مجابهته بكل الوسائل القانونية – القضائية ، السياسية والاقتصادية – المجتمعية . دولة تتمتع مؤسساتها الوطنية وعلى رأسها المؤسسة الاقتصادية – المالية بكل المصداقية والشفافية والمحاسبة الجدية اللازمة لكل مسؤول لم يسهم ببنائه وتطوره المنشود. عراق يشعر العراقيون جميعا بإن ولائهم الأول والأخير هو له عراق موحد يتمتع بسيادة وطنية لاتتجزأ وشاملة لكل أرجائه دونما أي تمميز على اساس العرق ،المذهب ، الأصل الاجتماعي أو المكانة الاقتصادية – السياسية. من هنا ، يعد الارتقاء بالأمن بمفهومه الشامل والمستدام أمراً اساسياً وحيوياً له حيث أن له علاقة مباشرة بأنواع الأمن المتعددة المتنوعة : الاقتصادي - الغذائي - الطاقة - المياه - الصحي – البيئي وغيره. إن تنوع مصادر الدخل بعيداً عن الوقود الاحفوري بكل اشكالها وانواعها مسألة ستعزز من خلالها الدولة العراقية مكانتها وتفعل دورها الجيوسياسي – الجيواقتصادي تلبية لإحتياجات السكان المتنامية. أخيراً لابد للانظمة السياسية العربية ومن ضمنها النظام العراقي من أن تعي أن اقتصاد المستقبل لن يظل معتمداً بشكل كامل على عوائد الوقود الأحفوري بل على الاقتصاد الرقمي – المعرفي الذي يواكب مختلف التطورات والاحداث بصورة تحد من أي خسائر محتملة بل وتعظم من المكاسب المادية والمعنوية بصورة غير مسبوقة تأريخيا. أنتفاضة العراق بل قل ثورته العارمة قد وضعت اساساً صلباً يبنى عليه في بناء عراق جديد قوي الشكيمة متابع لإحدث التطورات المعرفية- العلمية – التعليمية – التقنية والبيئية ومستفيدا من نواتج النهضة بكل ماتعنيه من معنى أومضمون معمق . عراق منفتح على الاستثمارات المحلية والاجنبية يصورة تمتن دوره ومساحات الاهتمام به وطنياً – اقليمياً- ودولياً. عراق يهتم كثيراً بقطاعاته الاقتصادية التقليدية (الزراعية – الصناعية والخدمية) منها والقطاعات الاقتصادية – التجارية –الاتصالية الحديثة التي تسلط الضوء على كيفية الخروج من عنق الزجاج إلى الافاق الرحبة التي توفر لكل عراقي حقوقه ومكتسباته الأصيلة في ظل مبدأ تكافؤ الفرص وحرية إيصال المعلومات المناسبة من خلال "شبكات الانترنت المفتوح والمستدام " لكل فرد مهما كان وضعه الاجتماعي – السياسي – الاقتصادي بسيطاً أو حتى ربما متطوراً . من هنا تعد الفجوة الاقتصادية- المالية مازالت كبيرة وتحتاج للتجسير باقرب الفرص الممكنة بين من يملك ومن يقع في أدنى مراتب السلم الاجتماعي – الاقتصادي . من هنا، نهيب بكل السلطات العراقية بضرورة عدم قطع أنظمة الاتصالات الحديثة طالما استمر نفعها وتلبيتها لمتطلبات وإحتياجات الجماهير المتسارعة التي تعنى بتنمية أوضاعها الجيوسياسية – الاقتصادية-البيئية السريعة التغيير التي من ضمنها إعمال المواجهة الجادة والمسؤولة لمخاطر التغيير المناخي. 

أخيرا ليس هناك أدنى مبرر لوجود دين عام أو خاص بمليارات الدولارات يثقل كاهل موازنات العراق النفطية السنوية التي وصلت لحدود "أنفجارية" (88 ) مليار دولار للعام 2018 مع عجز سنوي خطير وصل إلى 23 مليار دولار وحالة إنفاق متنامية وصلت إلى 112 مليار دولار في بلد يحتوي على ثروات بشرية متمكنة وطبيعية - مادية "نفطية" إلى جانب ثروات أخرى لازالت كامنة أكثر منها مستغلة سينتفع بها جماهيريا في مواجهة تحديات جدية ذات تداعيات سلبية وصعبة جداً ولكنها ليست مستحيلة التحقق طالما توافرت إرادة التغيير الايجابي. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top