نافذة من موسكو..أزمة رئاسة الوزراء والخيارات المتاحة لحلها

فالح الحمراني 2019/12/08 07:30:57 م

نافذة من موسكو..أزمة رئاسة الوزراء والخيارات المتاحة لحلها

 د. فالح الحمـراني

الشعوب والأمم تتعثر تاريخياً في إيجاد طريقها الخاص للتطور والتقدم، وإحلال الاستقرار والأمن والوفاق الاجتماعي.

لقد مرت الأمم، بما في ذلك الأوروبية، في مراحل مظلمة سادها العنف والحروب المحلية والخارجية، قبل أن تجد طريقها الأصح الذي أفضى بها الى ما نراه ما عليه تلك الدول من التطور والازدهار والتقدم. ومن نافل القول الحديث عن ضرورة دراسة خبرة تلك الشعوب والأمم، ونقل ما يصلح منها ويلائم الذهنية العراقية وخصوصية شخصيته وتقاليده ومرجعيته الفكرية وثوابته الأخلاقية. ولكن الهدف من ذلك هو تقريب المرحلة التي سيسود فيها بالعراق الاستقرار والأمن، وتعمير البنية التحتية لإطلاق طاقاته الاقتصادية والبشرية، والتغلب على الانقسام والتجزئة، وإقامة المجتمع المتماسك، وتجاوز تاريخياً الانقسامات الطائفية والدينية والقومية، ورفع مكانة التعايش الأخوي والسلمي وثقافة الحوار وقبول الآخر.

فجرت المرحلة الماضية منذ القضاء على النظام الدكتاتوري جملة من القضايا، كلفت الشعب العراقي ضحايا بشرية، والمآسي التي لم يرَ البلد مثلها طيلة تاريخه الحديث وحتى في ظل الأنظمة الاستعمارية والديكتاتورية الاستبدادية التي مرت به. ويعود ذلك من بين أمور أخرى الى عدم كفاءة الحكومات المتعاقبة على التعامل مع التطورات المعقدة. لقد كرست تلك الحكومات جهودها على حفظ التوازن بين الكتل المتصارعة، وإرضائها وغض النظر عن ممارساتها غير القانونية، والصمت على ممارسة أقطابها وأذنابها الفساد الفاحش بكل أشكالها الذي تسرب الى كافة مفاصل الدولة بما في ذلك العسكرية والأمنية. وأهملت إعادة بناء القاعدة التحتية، وإعادة تشغيل قوى الإنتاج لاستحداث فرص عمل، أو إطلاق سياسة تنوع الاقتصاد الذي تعتمده اليوم كافة بلدان الخليج، ووجدت كل دولة منها روافد إضافية لموازنة الدولة الى جانب النفط الذي تدلل المؤشرات على اقتراب نهايته كمورد مالي لسد احتياجات الدولة. فضلاً عن ذلك أن هناك عوامل أخرى كرّست الشرخ في نسيج الدولة العراقية الذي قام منذ 2003 في مقدمتها التدخل الأجنبي، والطائفية علاوة على اللاعبين من خارج مؤسسة الدولة، التي أعاقت تسوية النزاعات، والرد على التحديات التي تواجهها الدولة. إن هذه المشاكل نشأت بالدرجة الأولى بسبب الانتخابات الفاشلة، واختيار الستراتيجيات الخاطئة. وفي هذه الحالة يتحمل رئيس الوزراء، وفقاً لصلاحياته الدستورية المسؤولية الأكبر.

هناك سيناريوهات عديدة يجري رسمها في الداخل ومن قبل الخبراء الأجانب، تطرح وصفات لمعالجة الوضع المتأزم في العراق. داخلياً تتمحور حول نداءات الإصلاح التي باشر مجلس النواب على عجل فيه لتخفيف حدة الانتفاضة الشعبية ومنعها من التحوّل الى ثورة شاملة، فضلاً عن النداءات المتتالية الصادرة عن الحوزات الدينية، والتي أكثرها وضوحاً وإصراراً الصادرة باسم آية الله السيستاني. ان هذه النداءات رغم أهمية توجهاتها وفاعليتها، إلا إنها تبغي الإصلاح في إطار المعايير الرئيسة للنظام القائم، إنها لا تتخطى ما يسمى بخطوطه الحُمر. ولذلك فان دخولها حيز التنفيذ لن يعطي الضمانة الأكيدة بان السلبيات التي سيتم القضاء ستشق من جديد طريقها للحياة، وتخلق الظواهر المقيتة وتدفع الشعب للثورة والانتفاضة التي سيتجابه ببنادق حراس النظام الملثمين، صقور الظلام.

الخبراء الأجانب ينظرون للوضع العراقي من زاوية، خالية من الاندفاع والانفعال بها، نظرة باردة علمية، ربما لا تأخذ بالاعتبار العديد من العوامل وما يجري على الأرض. مثلا نشر أحد خبراء معهد الشرق الأوسط بموسكو، في معرض متابعته للتطور في العراق مقاربة مفادها أن المشرفين على العملية السياسية الحالية في العراق، الجزء الرسمي والظاهر، مشغولون الآن بتغيير معايير الحملة الانتخابية، محاولين إزالة تلك الاختلالات التي ربما لا يمكن ملاحظتها على خلفية التهديد الإرهابي العالمي. ولكن التي لا يمكن التسامح معها تماماً تحت ظروف انخفاضه الكبير. وأضاف "من الواضح أيضاً يجب أن يخف صوت "دعاة المزيد من الحرية" بشكل جذري، لأنه في ظروف العراق، وليس فقط فيه، بل في غالبية بلدان الشرق الأوسط، تستخدم التعددية وحرية التعبير لممارسة الفساد على نطاق واسع، الفساد الذي لن تكفيه حتى أموال نفط بأسرها". وبرأيه "هذه ميزة العقلية المحلية وهي معروفة منذ زمن طويل" ويذهب الى أن " هذا هو السبب في أن الاستبداد أو الديكتاتورية هما الشيء الوحيد الذي سيمنع ممارسة الفساد". إنها قراءة سافرة عن القبضة الحديدية، والشخصية الكارازمية التي يذعن لها الجميع، تبقى برأيه أحد الإمكانيات لإعادة الاستقرار والنظام وقيادة " سفينة الوطن". لكنها أيضا تبدو طوباوية، نظراً لأن الوعي الاجتماعي قد تغير ولن يتحمل هذا الشكل من الأنظمة. أذن ينبغي البحث عن طريق آخر. 

ويقول: إن البلاد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الانزلاق مرة أخرى في الفوضى المسلحة والحرب، وهذه المرة، وليس السنّة ضد الشيعة، وليس الكرد ضد التركمان ، ولكن الجميع ضد نظام الدولة ككيان. ويضيف "لو تم العثور على قائد ذي شخصية جذابة، وميول وطنية في الجيش العراقي، وبالتحديد في الجيش، وليس في الميليشيا، فستدعمه غالبية المجتمع، وسيكون الانقلاب العسكري أكثر من المحتمل" . وحسب رايه "إن المجتمع العراقي سيرحب بطرد البرلمان في مثل هذا السيناريو" وحسب رأيه " إن الديموقراطية البرلمانية بأكملها أتعبت الجميع". 

ويطرح العالم الأمريكي المعروف رنت اينهار في كتابه "الديمقراطية التوافقية..." رؤية أخرى، يمكن أن تنسحب على الوضع في العراق، رغم أنه استحدث نظريته في الديمقراطية التوافقية في ستينيات القرن الماضي لكنها ما زالت حيوية، ويقول" إن الرأي الراسخ في العلوم السياسية أن من الصعب تحقيق حكم ديمقراطي مستقر والحفاظ عليه، في مجتمع متعدد المكونات (التعددية) . ويعود هذا الرأي إلى مقولة أرسطو القائلة إن "الدولة تسعى جاهدة من أجل أن تكون مجتمعاً متساوياً ومماثلًا" . ويعتبر وحدة المجتمع والتماسك السياسي شرطين أو عوامل ضرورية تسهم بشكل كبير في استقرار الديمقراطية. وبالمقابل، تعتبر الانقسامات الاجتماعية العميقة والتناقضات السياسية في المجتمعات متعددة المكونات سبب عدم استقرار واضطراب للديمقراطيات...." ويمضي في القول " قد يكون من الصعب، لا المستحيل، أن يتحقق الحكم الديمقراطي التوافقي ويصان في مجتمع تعددي". ويرى "أن تعاون النخب، هو السمة المميزة للديمقراطية التوافقية". وهو ما افتقدته الساحة السياسية في العراق على طول تاريخه الحديث.

لقد اقتضى اختيار رئيس وزراء في العراق بمرحلة ما بعد الديكتاتورية، فترات تستمر لعدة أشهر تصاحبها الصراعات بين الكتل، والتفاهمات ما وراء الكواليس، يبدو لنيل الحقائب الوزارية التي تتحكم بمصادر أموال وأملاك الدولة للسيطرة عليها، وتدخلت في تشخصيه قوى أجنبية، مما جعله بشكل عام "بيدق" بيد أكثر من لاعب، عليه أن يسهر ليلبي مطالبهم حتى لا يفقد كرسيه، وضعيف في مواجهته. وتفانى كافة رؤساء الوزراء في خدمة رعاتهم، ومن ثم تباكوا بحرقة على ضياع الكرسي.

إن الديمقراطية التوافقية تبقى اتجاهاً حيوياً للعراق، على شرط أن يديرها رئيس وزراء مستقل وقوي بمقدوره فرض القانون والعدالة الاجتماعية، وصيانة استقلال الدولة وثرواتها، ووضع البرامج الستراتيجية بعيدة المدة لاستعادة البلاد الحيوية والقدرة على التقدم والازدهار، إن بإمكان رئيس الوزراء الاحتفاظ بمثل هذه السمات فقط إذا ما كان منتخب مباشرة من قبل الشعب، ويكون مسؤولاً أمامه، وليس أمام الكتل التي كلفته، ويتقن فن توازن مصالح وضمان حقوق كافة المكونات الاجتماعية، وهذا بدوره يتطلب إجراء تعديل في الدستور على مادة رئيس الوزراء وآلية انتخابه وصلاحيته التي يجب أن تتسع على حساب تقليص صلاحيات البرلمان، بهدف نزع الطابع السياسي عنه وتحويله الى مؤسسة لسن القوانين لتنظيم المجتمع والدولة لا غير. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top