الصراع الرئيس بين المحاصصة و المواطنة

آراء وأفكار 2019/12/09 08:12:04 م

الصراع الرئيس بين المحاصصة و المواطنة

د. مهند البراك

فيما أعادت انتفاضة تشرين/اكتوبر بأيام معدودات و بقوة، الروح العراقية القائمة على الوحدة الصلدة للتنوع العراقي،

بعد أن كسرت حاجز الخوف و الصمت الذي استمر ستة عشر عاماً، التنوع القومي و الديني و المذهبي و الثقافي المتفاعل الذي شكّل الأساس في قدرة الشعب العراقي على التغيير.

داعية الى استلام الكفوئين النزيهين، الحريصين على مصالح البلاد، استلامهم للمهام الحكومية ممن تزخر بهم البلاد، و على أساس المواطنة و الإنتماء للهوية العراقية، بغض النظر عن الانتماء الاثني و الديني و المذهبي و الطائفي و سواء كانوا رجالاً أو نساءً . . داعية الى إلغاء نظام المحاصصة اللادستوري، الذي صار و كأنه هو النظام الحاكم.

في وقت يشير فيه العديد من المتابعين و الوجوه الاجتماعية، الى أن المحاصصة اتُّخِذَت إثر سقوط الدكتاتورية كعُرفٍ لا أكثر، بمعنى مشاركة كل أطياف الشعب العراقي في الحكم للوقوف أمام نزعة احتكار السلطة الدكتاتورية المنهارة، و كبديل لنزوعها الى الاعتماد على (طائفة سنيّة) واحدة حمّلها حينها اسم (الطائفة المنصورة).

و يشير آخرون الى أن اتخاذ ذلك العُرف، جاء للوقوف أمام نزعات الاحتكار و الهيمنة على كل الحكم إثر سقوط الدكتاتورية، الهيمنة من قبل (أحزاب التيار الإسلامي الشيعي المعارض لصدام) باطرافه، مستندة الى تحريض و دعم دوائر حاكمة في الجارة إيران لها، ضاربة عرض الحائط إرادة التيارات المعارضة الأخرى من كل أنواع الطيف العراقي التي نشطت في معارضة صدام، و قدّمت تضحيات فلكية على طريق اسقاط الدكتاتورية. 

و بأنواع الخدع و وسائل العنف و الصدامات الطائفية التي هدف القائمون عليها أما للعودة الى نظام الدكتاتورية، و إما الى احتكار السلطة الجديدة لهم وحدهم بتوظيف (مظلومية الشيعة) و (البيت الشيعي) لذلك، فسارت أحزابهم الى إفراغ محتوى مشاركة الجميع، بالدخول خلسة و بالتهديدات و بمواجهة الاحتجاجات الشعبية بالرصاص و بأنواع العنف المفرط، و سيطروا على مختلف مرافق الحكم بعد تطويع كتل المحاصصة لهم، باشراكها معهم و غض نظرهم عن أنواع الفساد الإداري الحكومي و أنواع السرقات و كومشنات العقود الحكومية الفلكية.

حتى صارت المحاصصة و بعبورها للكتل الطائفية، بالتشارك بالفساد و السرقات و بشتى الطرق، و كأنها هي الكتلة الأكبر في البرلمان القائم و في اللجان و الهيئات المستقلة و في الدولة، و كأنها القاعدة الوحيدة للحكم، و صار رؤساء الكتل و الاحزاب الحاكمة بقيادة حزب الدعوة و بالاستناد الى عنف أنواع ميليشيات الحشد الحكومي / الإيراني الطائفية و العائلية العشائرية المتخذة من اسم الحشد الشعبي غطاءً، حتى كوّنت ما دُعي بـ (الدولة العميقة) التي تحكم و تقرر سراً، التي جعلت من مؤسسات الحكم و الانتخابات و كأنها واجهة كرتونية للحكم الفعلي، وفق تصريحات برلمانيين و مسؤولين سابقين، و وفق ماتتناقله وكالات انباء دولية مستقلة.

فادّت الى إفراغ مؤسسات الحكم من جوهر وجودها، و الى عدم قيامها باعمالها لتحقيق ما انتظره الشعب منها (لعدة اسباب على رأسها الفساد و سباق الرشاوي)، حتى ضاعت أنواع الخدمات اليومية من الكهرباء و الماء الصالح للشرب، و الى الحق بالعمل و الصحة، و حقوق أجيال عديدة بالعيش الكريم في وقت تصاعد فيه الفقر الى درجات لم تعشها من قبل البلاد التي تعتبر من أغنى بلدان العالم . . و ضاع الوطن !!

و فيما أدّت انتفاضة تشرين البطولية الى كشف الكثير من مساوئ نظام المحاصصة القائم و الى التأكيد على وجود من يتصدى له، تحدّث و يتحدّث منتفضون في وسائل الإعلام الداخلية و العالمية على ضرورة إلغاء نظام المحاصصة القائم الذي شكّل و يشكّل الإساس القوي للفساد و الطائفية المقيتة . . و يدعون الى الالتزام الدستوري بالسير على طريق التبادل السلمي للسلطة، الذي يؤكد عليه الدستور في عدة ابواب و فقرات. 

في وقت ادىّ فيه نظام المحاصصة المقيت، البعيد عن التمثيل الحقيقي للشعب مصدر السلطات، أدىّ الى خسارة النظام الحاكم لثقة الشعب بالانتخابات وفق قوانينها التي اعتُمدت و الذي يعني خسارته للشرعية الدستورية، بل و أن اعتماده على العنف المفرط لمطالب المتظاهرين و مواجهته لهم بأنواع العنف و الاختطاف و التعذيب و الخدع، راح ضحيته اكثر من 500 شهيد و 20 الف جريح و معوّق وفق إحصاءات لايرقى لها شك، في أكثر قليلاً من شهر واحد حتى الآن، نظام لايمكن أن يكون في الواقع الاّ نظاماً دكتاتورياً قد يفوق دكتاتورية صدام البائدة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top