شاب يوثّق حياة الأسلاف من سكنة الأهوار

شاب يوثّق حياة الأسلاف من سكنة الأهوار

 مرتضى الحدود

رعد الأسدي شاب في الثلاثين من عمره ولد وترعرع في قضاء الجبايش ( 100) كلم شرق محافظة ذي قار جنوبي العراق، تنفس منذ صباه حياة الطبيعة التي تزخر بها مستنقعات الأهوار،

ولاحظ مع تقدمه في الدراسة وإطلاعه على تاريخ بلاده أن حياة من حوله تشبه في جوانب كثيرة منها حياة السومريين الذين سكنوا المنطقة قبل ( 3500) سنة قبل الميلاد.

عندها بدأ بحثه عن الأدوات المحلية الخاصة بالمنطقة منذ ثماني سنوات تقريباً . وهو يقول حول هوايته بجمع التحف الخاصة بالأهوار " كنت اقتطع جزءاً من مصروفي الجامعي لشراء كل ما من شأنه توثيق حياة سكان الأهوار التي تمتد لآلاف الأعوام، واعتقد أني في النهاية تمكنت من الوصول الى جزء مهم من الحياة اليومية لسكان الأهوار عبر اكتشاف الكثير من أدوات المعيشة والحرف والألبسة المستخدمة"

ويضيف حول خطواته " بعدما اجتمعت لدي أشياء كثيرة فريدة من نوعها قمت بتشييد متحف خاص بتلك الحِرف والألبسة اسميته "متحف الأهوار العراقية" واعتقد أنه الأول من نوعه في العراق ويضم قطعاً نحاسية وأخرى خشبية وأحجاراً وحاجيات قديمة كأسلحة الصيد البدائية وآلات صنع البيوت"

أنشأ الاسدي متحفه التراثي على شكل مضيف سومري من القصب والبردي وبمساحة أكبر من المضائف الريفية الأخرى في الجنوب إذ بلغ طوله ثلاثين متراً وعرضه عشرة أمتار تقريباً وهي أبعاد لا تتمتع بها بقية المضائف المجاورة.

الأب حبيب الأسدي ومن أجل تحقيق طموحات أبنه قام ببيع بعض مواشيه من الجاموس التي تعد إحدى أهم مصادر العيش في الأهوار لتحقيق حلم ولده. وهو يقول عن ذلك " كان علينا توفير الأموال من أجل شراء ألفي متر مربع من الأرض تعود لأحد أفراد عشيرتنا لتكون انطلاقة مشروع ولدي الذي ينعدم نظيره في المنطقة".

ويضيف عن أهمية المتحف " السواح الأجانب الذين يرتادون المناطق الآثارية والأهوار في ذي قار غالباً ما يسألون عن طبيعة المكان، وكيف يعيش الأهالي وما الأدوات المستخدمة في حياتهم وسط هذه المساحة المائية الشاسعة، هذه كلها أمور دفعت أبني لتوثيق فترة زمنية مهمة من تاريخ و حياة سكان الأهوار القدامى".

وتم وضع الأهوار العراقية على لائحة التراث العالمي في عام 2016، إلا أن خطط استثمارها سياحياً لم تتقدم خطوة، ويعاني أغلب سكانها من الفقر وقلة الخدمات التعليمية والصحة والبنى التحتية.

وجمع رعد حبيب (400) قطعة تراثية وثقت أغلب حياتهم البدائية من أدوات الطبخ والأكل والشرب وأدوات قطع نبات القصب مثل "المنجل" وغيره، وأدوات صناعة الزوارق والمنازل وغيرها.

وهو يرى أن كل قطعة من هذه القطع تحكي قصة بحثه الشاق ويقول " لقد عانيت كثيراً في جمع تلك الأدوات من مالكيها الأصليين وأنفقت الكثير من المال من أجل شرائها ووضعها في متحفي الريفي كي تعكس ما كانت عليه حياة الناس"

ويضيف "بعض القطع تعود الى بدايات القرن العشرين كما هو الحال مع حجارة "الرحى" التي استخدمت قديماً لطحن الحبوب أو قدور الطهي النحاسية الذي يقدر عمره بنحو( 300) عام وآنية أخرى تسمى " السلبجة" يستخدمها الأهالي في غرف الماء للاغتسال، وكذلك أحذية الأطفال البلاستك".

ولم يتوقف مشروع المتحف عند هذا الحد بل عمد رعد حبيب الى إيجاد محنطات الطيور المهددة بالانقراض وبمساعدة بعض الجامعات العراقية لتكون تذكيراً بضرورة الحفاظ على الحياة الطبيعية في الأهوار.

رعد حبيب الذي تقاسم مصروفه الجامعي مع متحفه البسيط على مدى سنوات حتى اكتمل، يقول إن إنشاء المشروع كلفه سبعين مليون دينار، أسهمت إحدى شركات الاتصال في العراق بعشرين مليون منها، بينما اقترض الجزء الاخر منه، ولايزال يسدد ديون مشروعه برغم مرور تسعة أشهر على افتتاحه بشكل رسمي.

وبرغم الضائقة المالية فأن طموحه بدأ يتسع ليأخذ زوايا أخرى منسيّة، إذ شرع منذ فترة وجيزة بجمع الحُلي التي كانت تتزين بها نساء الأهوار، وتتمثل بجميع أدوات الزينة في الحقب السابقة، فجمع ما يقارب مئتي قطعة من الفضة وبعض الأحجار الكريمة.

ويقول عن تلك الحُلي " إن هذه الأحجار الكريمة من العقيق فضلاً عن أنواع أخرى ربطت أناس الأهوار روابط روحية بها، بسبب معتقدات توارثوها إذ تستخدم في معالجة الأمراض مثل "ابو صفار" أو التهاب الكبد الفايروسي، وهناك حجارة أخرى ضد لدغة الافعى وغيرها الكثير.

عامر عبد الرزاق مدير متحف الناصرية الحضاري للأثار يتحدث عن مشروع المتحف التراثي قائلاً إن " الحفاظ على موروث الأهوار كالحفاظ على أيقونة عراقية خاصة، وأحياء هذا التراث في متحف محلي يعني إحياء بيئة تعود بموروثاتها إلى العهد السومري. نحن مستعدون لدعم الشاب بما نملكه من أفكار وخبرة متحفية" وتتطلب زيارة المتحف دفع مبلغ رمزي لا يزيد على ألفي دينار عراقي، والغاية من ذلك بحسب رعد حبيب أن يجري توفير ميزانية لإدامة مقتنيات المتحف الذي لا يشهد اقبالاً كبيراً من السواح في فصل الصيف نظراً لارتفاع درجات الحرارة و الرطوبة، وهو ما يدفع رعد لتغطية نفقة العاملين الثلاثة فيه من ماله الخاص، فيما يواصل بحثه عن مقتنيات جديدة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top