بيت (المدى)..  يحيي ذكرى خطيب الاحتجاجات العراقية محمد مهدي البصير

بيت (المدى).. يحيي ذكرى خطيب الاحتجاجات العراقية محمد مهدي البصير

 

 بغداد/ رفعت عبد الرزاق  تصوير: سلام صبري

سمي بشاعر الثورة وخطيبها المفوه وقارنه الكثيرون بميرابو خطيب الثورة الفرنسية وغير ذلك من الاوصاف الجديرة به، ورغم ما قدمه للادب العربي وتاريخ الفكر العراقي، فقد بقي الدكتور محمد مهدي البصير ـ الشاعر الكبير والباحث المحقق ــ في عالم النسيان والعقوق وتناسته المؤسسات الثقافية ولم يذكره احد الا لماما. وقد انتهز بيت المدى في شارع المتنبي ما يشهده الوطن من حركات احتجاجية ومظاهر الثورة الشعبية ليقيم فعاليته الاسبوعية عن الدكتور محمد مهدي البصير وما قدمه للفكر العراقي وتاريخه الوطني. قدم الجلسة الباحث رفعة عبد الرزاق محمد الذي استهل مقدمته بالحديث عن اهمية تذكر تاريخنا الوطني والنضالي في هذه الايام التي يكتب فيها الشعب العراقي اروع الصفحات الاحتجاجية ضد فساد الطبقة الحاكمة التي اوصلت البلاد والعباد الى حال يرثى له. وكان اختيار محمد مهدي البصير يصب في هذا الاهتمام بتاريخنا الوطني واعلامه المشهورين. ثم قدم المقدم نبذة عن سيرة المحتفى بذكراه وما قدمه من جهود فكرية وما خدم به القضية الوطنية في فترة مبكرة من تاريخ العراق منذ ولادته في الحلة سنة 1895 وحتى رحيله سنة 1974 .

ابتدأ الدكتور علي حداد الباحث في التراث العراقي حديثه عن ضرورة اعادة الحديث عن اعلامنا الكبار ومنهم الدكتور محمد مهدي البصير. وذكر ان اغراض شاعرية البصير ومواقفه الوطنية قد تغلبت على جهوده العلمية التي بدأها منذ عشرينيات القرن الماضي واستمرت بعد رحلته العلمية الى باريس ونيل شهادة الدكتوراه عن الشعر الغنائي لدى الشاعر الفرنسي كورنييه، غير ان عودته الى وطنه بعد تخرجه ودخوله دار المعلمين العالية استاذا للادب العربي، كانت المرحلة الثانية من سيرته العلمية اذ وجه اهتمامه الى تدريس الادب الكلاسيكي العربي وفق تصور علمي جديد، وتكاد تكون سيرته شبيهة بسيرة عميد الادب العربي الدكتور طه حسين في مصر، الا ان طه حسين كانت له محاولات رائدة في دراسة المسرح والرواية والآداب الاجنبية القديمة وبقي البصير مهتما بما خلص له وهو دراسة الادب العربي في عصوره المختلفة فكان كتاب (بعث الشعر الجاهلي) وكتابه عن الادب العباسي حتى وصل الى القرون المتأخرة فكان كتاب عن ( نهضة العراق الادبية في القرن التاسع عشر) الذي اجلى فيه صفحات مطوية وطريفة من ادب العراقيين في العهد العثماني في بغداد والنجف والحلة وغيرها من حواضر العراق. واشار حداد الى ان بعثة البصير الدراسية وان كانت لابعاده عن الحركة الوطنية وكان احد وجوهها الشهيرة الا انها انتجت لنا شخصية علمية جديرة بالدراسة والتحقيق واعادة الحديث عنها في كل وقت.

وكان حديث الدكتور ماهر عبد الجبار الخليلي الباحث الاكاديمي عن الدراسات العلمية التي تناولت البصير وطنيا و شاعرا وباحثا وخطيبا، فنوه بعدد من الرسائل الجامعية المهمة عن البصير وقد كشفت لنا امورا مخفية من سيرته، فضلا عن البحوث والمقالات الكثيرة التي تناولته من جوانب عديدة. وقال الخليلي: غير ان اهم مافي حياته كان موقفه الوطني قبل وعند بدء تأسيس الدولة العراقية، اذ كان خطيبا مفوها في احداث الثورة العراقية سنة 1920 كما كان شاعرها الذي كانت الجماهير تردد اشعاره التحريضية ودعوته الى الثورة لنيل الاستقلال. ولم يغفل الخليلي في حديثه عن مضامين الوحدة الوطنية التي تجلت بابهى صورها في الاجتماعات الوطنية في جوامع بغداد ومساجدها وكان البصير يتنقل بينها داعيا الاهالي الى الثورة وعدم السكوت على ما يظهره المحتلون البريطانيون من اساليب الاضطهاد والعنت مما عرف لدى السلطات الاستعمارية حتى بقيت اشعاره يرددها ابناء الشعب حتى يومنا هذا، ومن ذلك قصيدته الكافية الشهيرة:

ان ضاق ياوطني علي فضاكا فلتتسع بي للامام خطاكا

اجرى ثراك دمي فان انا خنته فلينبذني ان ثويت ثراكا 

وتناول الناقد شكيب كاظم الموقف الادبي عند الدكتور البصير وقال: ان انشغال البصير في الفترة الاولى من حياته بالعمل السياسي قد ابرز لنا شعرا سياسيا كان اهم محطات حياته، الا ان تخليه عن العمل السياسي وتوجهه الحاد نحو البحث والتحقيق كان واضحا بعد نيله الدكتوراه من ارفع الجامعات الفرنسية، وفي دراسته في فرنسا واجه التحدي العلمي الاول عندما تم رفض ما اعد له نفسه لنيل الدرجة العلمية الرفيعة من جامعة (مونبليه) عن الشعر في العهد الجاهلي ووجوده المحقق، وكأنه اراد برسالته التي لم تقدم الرد على طه حسين الذي شكك بوجود الشعر الجاهلي واعتبره من المنحولات الا ان الجامعة الفرنسية التي تضم بعض اعلام الاستشراق الفرنسي التي كانت تعتقد بما يراه طه حسين اعترضت على البصير وطلبت منه ان يحول دراسته من الادب العربي الى الادب الفرنسي فكانت رسالته عن الشعر الغنائي لدى الشاعر الفرنسي كورنييه، وهي الرسالة التي لم تترجم الى يومنا هذا. وتساءل شكيب كاظم عن السبب الذي تغفل عنه مؤسساتنا الثقافية عن تذكر اعلام يقظتنا الفكرية والخواء الفكري الذي ينتاب حياتنا الثقافية في كل مفاصلها بسبب الابتعاد عن جهود الرواد المخلصين.

وتحدث الباحث معن حمدان علي عن احياء ذكرى الشخصيات الكبيرة في تاريخنا مثنيا على مبادرة بيت المدى في المتنبي السباقة لاستذكار اعلامنا والتغني بذكراهم ومحاولة تنبيه الجميع الى ضرورة ايلاء هؤلاء الاهتمام بنشر آثارهم المطبوعة والمخطوطة، بعد ان ابتعدت دور النشر ولاسباب تجارية عن تجديد نشر آثار اعلامنا الخالدين في صفحات التاريخ والمنسيين في صفحات المؤسسات الثقافية العراقية التي بلغ بها الضعف الى حد ان الكثير من القائمين عليها لا يعرفون شيئا عن الشخصيات العراقية التي ارست دعائم نهضتنا الفكرية ولعبت الدور الكبير في نهضتنا الفكرية في وقت مبكر. وقال حمدان: الى متى نبقى في هذا الضياع الفكري والنكران الواضح لجهود من سبقونا وقدموا لنا الخدمات الكبيرة في التوثيق والتاريخ والرصد.. كيف يمكننا ان نعيد كتابا كبيرا في مادته التاريخية والوثائقية، وهو كتاب (تاريخ القضية العراقية) للدكتور محمد مهدي البصير المطبوع ببغداد سنة 1923 ويتحدث به عن مجريات الثورة العراقية ضد الاحتلال البريطاني والمحاولات الوطنية التي سبقت اندلاع الثورة لنيل العراق استقلاله.. هل فكرت احدى دور النشر العراقية في اختيار هذا الكتاب الرائد لاعادة نشره بعد ان اصبحت نسخ طبعته الاولى من الندرة حد ان تباع باسعار باهظة؟! كانت قصائد البصير في الاغراض الوطنية على كل شفة ولسان لدى طلاب مدارسنا ويقرأ بعضها في ساحات المدارس وفي المناسبات الوطنية، اما اليوم فحدث عن الحجر الاصم والجهل المطبق بما قدمه الرواد من اعمال وافعال شرفت تاريخنا الحديث. واكد حمدان على ان نهضتنا الحالية بنيت على اسس قويمة ارساها البناة الاوائل من اعلامنا الوطنيين ومنهم الاستاذ محمد مهدي البصير.

 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top