رواية ساعة بغداد صفعة على وجه التطرّف اللغوي

رواية ساعة بغداد صفعة على وجه التطرّف اللغوي

عفاف مطر

لم أرغب في الكتابة عن رواية ساعة بغداد حال نزولها، ولا بعد نزولها وانتشارها. ولن أتحدث كما تحدث من هم قبلي وانقسامهم الى فريقين بين معارض متطرّف، ومؤيد أكثر تطرّفاً،

ولن أعطِ رأيي في هذه الرواية، فكل الأراء فقدت قيمتها حال فوزها بالقائمة القصيرة لجائزة البوكر، ونشرها وترجمتها الى الانكليزية عبر أكبر وأهم دار بريطانية – دار وون- إلا أني سعيدة بشكل أو بآخر بصدور هذه الرواية وفوزها وانتشارها بين القراء انتشار النار بين الهشيم، وهو انتشار لا يماثله انتشار رواية (اكتشاف الشهوة) لفضيلة فاروق، أو روايات غادة السمان في مقدمتهن (رعشة) و(عيناك قدري) و(الجسد حقيبة سفر)، ولا روايات أحلام مستغانمي...الخ، على الرغم من قناعتي بأن كل الروايات سالفة الذكر أهم بكثير من ساعة بغداد، إلا أني سعيدة، لأني أرى أن هذه الرواية هي نتيجة طبيبعة لتطرف اللغويين والنقاد في الوطن العربي واصرارهم الساذج على الالتزام بحرفية سيبويه والفراهيدي. كيف يمكن للغة أن لا تتطور في منطقة الشرق الاوسط وهي المنطقة الأكثر تغيُّراً على كل المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ كيف يمكن أن تبقى اللغة بمنأى من هذه الصراعات والتغيرات؟ ظلًّ متعصبو اللغة يبسطون أسوارهم الحديدية حول حقول الكتابة كلها حتى ضمرت وصارت الكتابة مصدر ذل وفقر للكتّاب على امتداد الوطن العربي، واستمرت الهوة بين الكتّاب والقراء تتسع اتساع الفضاء بين الأرض والسماء، ومع ذلك ما انفكَّ غرورهم اللغوي يسوغ لهم ما يفعلونه من تعصب أجوف، لا معنى له، فإذا ما حاول كاتب شاب كتابة رواية فيها ما ليس ما في قبلها ولو بشيء البسيط، أقاموا عليه الحد، واقصوه الى خارج جزيرة اللغة. ربما تعصبهم هذا يمدهم بشعور الرضا، فالجزيرة لا تتسع إلا لهم، ولمن يمشى على خطاهم، كعبد مطيع، ليولوه من بعدهم حراسة هذه الجزيرة. من بعض تبجح حرّاس اللغة وخدامها المطيعين، أن اللغة الضعيفة –الضعيفة هنا المقصود خلوها من التعابير الرنانة والمجاز والتشبيه...الخ- ما هي إلا دليل على التفكير الضعيف! إذن كيف تطوّرت الرواية الانكليزية هذا التطور الرهيب والهائل مع تبسيط في اللغة الانجليزية، فأين لغة أوسكار وايلد وشارلوت برونتي وتشارلز ديكينز، من لغة دوريس ليسينغ ، أو لغة وليام غولدنغ الحائزان على النوبل؟ مع العلم أن دوريس ليسينغ كانت عضوة في جميعة اللغة الحديثة، والجمعية الملكية للآداب، إلا ان لغتها كانت بعيدة جداً عن شارلوت وشارلز. لذا وبعد كل ما ذكر سابقاً أرى أن رواية ساعة بغداد صفعة قوية على وجه متطرفي اللغة، لا يمكن أن نتحول اليوم الى مجتمع يقرأ بلغة متكبرة لا تهتم باحتياجات قرائها أكثر من احتياجتها هي، هم بذلك يقضون على اللغة حين يمنعون تطورها، لا بدَّ من تطوير اللغة، وتبسيطها هي أهم مؤشرات هذا تطور، فالرواية والقصيدة ليست معجماً، بل هي ثيمة وفكرة وحكاية وسرد، هي مشاعر وأحاسيس، كيف يمكن لأي إنسان أن يشعر بلغة لا تعبر عنه؟ هذا مستحيل. ومن المعروف إن من أهم مصاعب الترجمة من لغة الى أخرى هو ترجمة المشاعر وليس الكلمات، ومازالت هذه النقطة موضع جدل بين المترجمين، فهناك من يميل الى الترجمة الحرفية بقصد الأمانة الأدبية، وهناك من يميل الى التصرف في الترجمة، بقصد الأمانة الانسانية. الصدفة التي قادت رواية ساعة بغداد الى أن تطفو فوق السطح، في وقت يأس الكتّاب الشباب من التحرر اللغوي، فتحت الباب على مصراعيه ليس أمامهم فقط، بل لروايات أسوء وأقل قيمة، فلغة شهد الراوي الركيكة - باعترافها هي شخصياً بحجة أن الراوي طفلة لا تمتلك مصطلحات لغوية كثيرة! وهي حجة واهية لأن الرواية مكتوبة للكبار وليس للأطفال- صارت ملاذاً للبسطاء وعديمي اللغة، وبهذه الرواية ستتحول الرواية العراقية وربما العربية من نقيض الى آخر، ولو أن حرّاس اللغة تنبهوا وتوقعوا أن هذا ما سيحصل بطبيعة الحال، فلا توجد إمكانية حبس مشاعر الكتّاب الى الأبد، ولو تنازلوا ونزلوا من عروشهم الى الحقيقة والواقع، لربما فازت روايات لم تكتب، أو روايات كتبت ولكنها تحت ضغط وديكتاتورية اللغوين العرب، لم تطبع، ولما وصلت رواية مثل ساعة بغداد الى البوكر. وليس من العجيب أبداً أن تختار دار وون البريطانية هذه الرواية لطباعتها، ذلك أن الأدباء الغرب يهتمون بالثيمة والفكرة أكثر من اللغة، ولا يمكنني تجاهل أن فكرة الكتابة عن أيام الحصار القاسي والعدوان الأمريكي على العراق، لم يتعرض لها الكثيرون، أكاد أجزم أن هذا هو سبب اختيار دار وون لطباعة هذه الرواية. وأجزم أنه لولا ترجمة بدر شاكر السياب لنصوص تي اس اليوت الى العربية لظلَّ الشعر يعاني ما تعانيه الرواية العربية والعراقية من قوالب قديمة ومترهلة. إلا أن الباب قد فتح أخيراً، بغض النظر عن الكيفية والآلية والنتائج التي ستشهدها الساحة الأدبية، إذ ربما تصدر روايات أقل مستوى من رواية ولغة ساعة بغداد، فالرواد غالباً ما يلحقهم المقلدون وهم بطبيعة الحال ذو إمكانيات أكثر تواضعاً، وسنحتاج الى زمن حتى يأتي من يعيد الميزان الى وضعه الصحيح، والكتابة بلغة متطورة ولكن ليست كلغة ساعة بغداد، وإنما لغة بسيطة لكنها متماسكة ومعبرة، لا تُتأتئ وتتكسر على السطور. ولا بأس في ذلك، إذ كل مرحلة انتقالية تحمل في حناياها ضرائب عالية، لكنها ضرائب ضرورية للوصول الى المبتغى. فهنيئاً لحرّاس اللغة. وقد جنت على نفسها براقش. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top