بيت (المدى).. يستذكر شاعر الرفض والاحتجاج كاظم إسماعيل الكاطع

بيت (المدى).. يستذكر شاعر الرفض والاحتجاج كاظم إسماعيل الكاطع

 بغداد/ محمد جاسم  عدسة/ محمود رؤوف

كما في كل جمعة يكون بيت المدى واحة الثقافة في المتنبي، يحتفي بقامة ثقافية من قامات الثقافة العراقية من الاحياء او الراحلين،

واختارهذه المرة صاحب قصيدة الرفض والاحتجاج الشاعر"كاظم اسماعيل الكاطع" الشاعر الذي يطلقون عليه مدرسة الشعر الشعبي لما يحتله من موقع كبير في الشعر الشعبي العراقي، فهو ثالث اهم الشعراء بعد مظفر النواب وعريان السيد خلف. قدم للجلسة الباحث التراثي "عادل العرداوي" وبحضور كثيف غصت بهم قاعة بيت المدى، ما جعل الكثير منهم يظل واقفا على قدميه .

شاعر الومضة

" العرداوي" قال:- شكرا لبيت المدى لاحياء ذكرى الراحل الكبير كاظم الكاطع صاحب المفردة الشعبية المتميزة. وهو من القامات السامقة في الشعر والنص الغنائي وقصيدة الرفض والاحتجاج. نستذكر الكاطع اليوم واجواء البلد تعيش احتجاجات متواصلة منذ مطلع تشرين الماضي، للمطالبة بحقوق الشعب العادلة، تماما كما كان الكاطع ينادي بذلك من اجل حياة افضل للناس. وهو من مواليد 1950 ولد في الاعظمية وسكن في مدينة الثورة. بدأ مشواره مع الشعر في منتصف الستينيات، وكانت معه مجموعة من الشعراء المحسوبين على الخط اليساري منهم عريان السيد خلف الذي تأثر به كثيرا، واول قصائده "انتهينة" رغم ان الناس تتصور انها لعريان. وكان يلعب كرة القدم في نادي الشرطة. وكذلك من اقرانه الشعراء ناظم السماوي وزهير الدجيلي وابو سرحان وكريم العراقي وكريم راضي العماري. من مجاميعه الشعرية (قصائد دامعة وشمس بليل ونعش النهر وغاب الكمر وشفاعات الوجد مع عريان السيد خلف والنواب، وليل المعرسين). زوجته توفيت وكذلك ابنه حيدرما اثر فيه كثيرا وعجل بوفاته في عام 2012. من شعره:-انتهينة.. وانتهى اللي ماينتهي.. وخلص حجينة .. وانتهينة.. وبكت كطرات الوفا المذبوح تتناثر بدينة.. وبكت للمجفين كومة اسرار.. عد روحي الامينة.. وكون ندري بالعتاب يفيد بينة.. وانتهينة. من ميزاته انه شاعر الومضة باقتدار. ويكتب عن الحزن الشفيف. وكان يكتب عن الموت بكثرة لاسيما بعد رحيل زوجته.

شاعر بوعي عال ويساري

وقال رفيق دربه الشاعر "ناظم السماوي":- شكري لبيت المدى الثقافي الحريص دائما على استذكار كبار الادباء والفنانين الذين شكلوا منعطفات ادبية في المشهد الثقافي العراقي. النواب كان مؤثرا في كل الاجيال الشعرية المعاصرة له او التي اتت بعده، كان حداثويا وغير مألوف. وتأثر به الكاطع كثيرا لاسيما في بداياته. في اصداره الاول، شمس بالليل تخطى حواجز الكلاسيكية، وبدأ يكتب بلغة اخرى وبوعي عال وبتأثير يساري واضح. وحين كتب "يمة حلمانه امس" سببت له الكثير من المشاكل مع السلطة. ثم بدأت مطارداته الشعرية مع الشاعر كريم العراقي وغيره. فكتب دم التماسيح وشجرة آدم والفارس المسافر وللشاعر الشهيد وتأبينة واللي مضيع ذهب وين الذهب يلكاه. وحين توفي ابنه حيدر كتب قصيدة الفجيعة "مرثية العام الدراسي" (بده عام الدراسي وانته ما جيت/ وبيتي عالمدارس بابه صاير/ نسيت وداعتك جيت اشتري اهدوم الك/ ومحضر اقلام ودفاتر). تعرفت عليه بمدينة الثورة عام 1971 وكان قد عرف بقصيدته انتهينة. وتلازمت علاقتنا الى حد وفاته. كتب الكاطع الاغنية ايضا واولها اغنية "ياخوة اولاياتنة"، كما كتب لكاظم الساهر وكريم منصور ووحيد علي وسعدون جابر.

يغزل كلماته من خيوط الغيم

وقالت الاعلامية "بشرى سميسم" تقف وحدك في سهوب الشعرية العراقية مترامية الاطراف.. تقف وحدك بلون مميز ناصع لتغزل من خيوط الغيم... مطر الاحاسيس المرهفة التي تهطل على فيافي الارواح العطشى، فتورق وتزدهر محبة وصدقا، كم عاشق قال وهو يكتب لحبيبته (زعلان..بس يا زعل لمن ترد تصدك... كبل المنادي اجي وشلون جية اجي... اركض ركض محترك). الكاطع كان العمود الثالث الذي رفع خيمة الشعر االشعبي مع مظفر النواب وعريان السيد خلف. كانت حروفه الملاذ الذي تنمو في دفء حنينه ازهارالتفرد والابداع. لك ايها الراحل في وجداننا الكثير الكثير، فأنت من تغلغل في الذائقة العراقية، وصنعت لها اجمل واعذب الاغاني. لم تكن بعيدا تتحصن في برج عاجي، ولا تتكلم من خلف زجاج الصالونات الفارهة، بل كنت مع الناس تأكل مما يأكلون وتشرب ما يشربون.عشت الفواجع كلها والافراح الشحيحة كلها. فكنت الشاهد الامين على مشاهد حياتنا.

قمة شعرية

وقال الباحث حيدر شاكر الحيدر:- يتميز الكاطع بروح الالم والوجع الذي لا يكاد ان يفارقه ابدا. وكان يمثل قمة كبقية قمم الشعر الشعبي في العراق كالنواب وعريان وناظم السماوي وغيرهم. وكان يدرس الانكليزية الى جانب العربية وحصل على الماجستير فيها. وكتب عشرات الاغاني الجميلة لمجموعة من اهم المطربين، منها شلك علي يازمن، وسبتني الحلوة البنية، وقطار العمر، ودمعة، وغيرها.

الموت والصور الغريبة

وقال الناقد امين قاسم الموسوي:- تناول الشاعر الراحل كاظم اسماعيل الكاطع الموت في شعره، وانا اكتب حاليا مقالة طويلة عن الموت قلت فيها:- يصف الشاعر عبد الامير الحصيري "الموت" في رثاء الفنان الكبير جواد سليم:

وادي الحياة خفي القاع 

يحضنه سطحان

نضر وسفح قاسم خرب

والعمر خيط يلاقي بين بعدهما

حينا فيفزعه رعد ويغتصب

تمشي الليالي عليه غير راغبة

قوافلا ليس يهني عودها سبب

انه تصوير جميل وسريع ومعمق للموت يقوله الحصيري، لكن الشاعر مع شاعريته الكبيرة لم يتعمق الا في جوانب الموت. كذلك المتنبي الكبير يقول في احدى قصائده عن الموت:-

وما الموت الا سارق دق شخصه

يطول بلا كف ويسعى بلا رجل

انها صورة سريالية مؤثرة ومكثفة استطاع ان يلتقطها سيد الشعراء المتنبي. اما الشاعر عريان السيد خلف فقال:-

هذا الموت هاجس يبدي بينة بلحظة التكوين

ويرافكنة العمر من غير ضجة وصوت

على جف المنايا مشرجين انام

ونلهف على الدنيا ونبني بيهة بيوت

ونتعافى ونذم بالخلك هذا وذاك

وعلى غفلة زرك كدامنة التابوت

لقد ذكرت هذه الشواهد الشعرية لكي اصل الى الفارق بين عريان والكاطع. شعر الكاطع هو شعر صورة يركز فيه على الصورة وليس الكلمة، بما فيها من الغرابة. بينما نجد ان شعر عريان السيد خلف المعنى فيه سيده، وربما المعنى هنا اعمق حتى مما تناوله المتنبي. في حين ان الكاطع تكلم عن الموت بطريقة اخرى كما قوله:-

الليلة اموت الليلة

الليلة آخر ليلة

والغيم مد ايده على راسي

والمطر شد حيلة

وهنا تبرز الصورة الغريبة لدى الكاطع وتنال قسطا اكبر من العناية بالمعنى. ولو حللنا معنى الكلمات لوجدنا الغرابة الشديدة حاضرة. وهذا ليس بغريب على الكاطع. كما قال الصحفي "زيدان الربيعي" من حسن حظي اني اجريت مع الكاطع غير حوار صحفي، تحدث فيها حكاية قصيدة انتهينة. فقال لست بشاعر انا لاعب كرة قدم في فريق الشرطة وذهبت مع الفريق في رحلات خارج العراق. وكان لقبي كاظم ابو اليسرى، وكنت لاعبا ممتازا بشهادة الكثير من لاعبي الشرطة. وذات مرة اثناء مباراة قال لي احد الاصدقاء ان حبيبتي قد تزوجت! فذهبت الى بيتهم وبيدي قلم رصاص وكتبت قصيدة "انتهينة" على باب بيت الحبيبة. 

والكاطع شاعر كبير جدا ولا يمكن تجاوزه اثناء الحديث عن الشعر الشعبي العراقي، لانه يمثل ركنا مهما منه. وهو مبدع في القصيدة وفي الاغاني وفي اظهار الصور باعظم مايكون. واشكر دار سطور لانها وثقت قصائد الكاطع بكتاب انيق.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top