جويس كارول أوتس .. إيمانُ كاتبة.. الحياة - الحِرْفة - الفن

جويس كارول أوتس .. إيمانُ كاتبة.. الحياة - الحِرْفة - الفن

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

جويس كارول أوتس Joyce carol Oates ، المولودة 1938 ، روائية أميركية تمثل ظاهرة فريدة في غزارة الانتاج والانتشار .

نشأت في ضواحي نيويورك وفازت بأول جائزة لها في مسابقة الرواية عندما كانت طالبة تتمتع بزمالة دراسية في جامعة سيراكيوز- وتخرجت من الجامعة بتفوق ثم حصلت على درجة الماجستير من جامعة ويسكنسون ، وفي سنة 1968 عملت مدرسة في جامعة ويندسور ثم انتقلت في 1978 الى ولاية نيوجيرسي لتدريس الكتابة الابداعية في جامعة برنستون ، وهي الآن استاذة متمرسة للإنسانيات .

جويس كارول أوتس مرشحة مزمنة على قوائم جائزة نوبل للأدب ، ولم تغفلها هذه الترشيحات للسنوات العشر الماضية على أقلّ تقدير . 

أقدّم أدناه ترجمة لمقالات منتخبة كتبتها (جويس كارول أوتس) في شتى الحقول الإبداعية والفكرية ، وتضمّ هذه المقالات تنويعة تعكس خصائص فكر الكاتبة المبدعة والطيف المتنوع والواسع لانشغالاتها الحياتية فضلاً عن الإبداعية .

 المترجمة

القسم الرابع: بواكير الحب

أليس في بلاد العجائب: استذكارات

نُشِرت هذه المقالة أصلاً في مطبوعة American Poetry Review عام 1999 

ثمّة حُزمتين من المؤثرات الأساسية التي تفعل فعلها الأعظم في حياة الكاتب - أيّ كاتب كان - : الأولى هي المؤثرات التي تأتي مبكّرة للغاية في طور الطفولة ، وتبدو كأنّها تتموضع عميقاً في ثنايا نخاع عظامنا إلى حدّ يكفل لها تكييف تأويلنا للكون بأكمله في أطوار لاحقة من حياة الكاتب ؛ أمّا الثانية فهي تلك المؤثرات التي تأتي بعد طور الطفولة بقليل عندما نكون كباراً بما يكفي لممارسة شكلٍ من أشكال السيطرة على كلّ من بيئتنا واستجابتنا لتلك البيئة ؛ إذ في تلك الحقبة من حياتنا نبدأ في تحسّس أولى خطوات الإدراك التي لاتكتفي بشحن طاقة مشاعرنا التي نُبديها تجاه الفن بل يمضي الأمر أبعد من محض التأثر المحايد بالفن إلى حدّ تشكيل بعضٍ من ( الستراتيجيات ) المناسبة لنا في التعامل مع أشكال الفن أجمعها . 

حصل في عيد ميلادي الثامن عام 1946 أن أهدتني جدّتي نسخة مصوّرة جميلة من كتاب ( لويس كارول ) الأشهر المعروف بعنوانه ذائع الصيت في كلّ العالم : أليس في بلاد العجائب ، كما أهدتني كتاباً آخر للكاتب ذاته ، عنوانه ( عبْر المرآة ) . كانت هذه الهدية الثمينة بمثابة أعجوبة جاءتني من حيث لاأعرف ، أنا الطفلة التي تعيش في منزل ريفي وتنغمس في أعمال منزلية مُقدّر لها أن تحضّر فتاة صغيرة لكي تكون ربة منزل مجتهدة ، وتتعاظم قيمة تلك الهدية إذا ماعلمنا أنّ منزلنا لم يكن يحوي سوى القليل من الكتب فضلاً عن أننا لم نمتلك سوى القليل من الوقت للقراءة . تسلّمتُ هدية جدّتي وهي مغلّفة بغلاف أنيق مزخرف بكائنات غريبة الأشكال لاحت في وسطها أليس وهي مفتونة بالدهشة المتفجرة في داخلها ، وقد برهنت تلك الهدية عاماً بعد آخر أنها كنز طفولتي الأعظم والمؤثر الأدبي الأكثر فتنة وتشكيلاً لحياتي المهنية اللاحقة . كان حبي لتلك الهدية شيئاً أقرب لحبّ من النظرة الأولى ! وفي الوقت ذاته ومع حبي لتلك الهدية نشأت تباشير حبّي الأعظم للكتاب باعتباره ظاهرة تنمّ عن كينونة مادية مرئية ؛ إذ تساءلت حينها في دهشة عجائبية : ماعساه ( لويس كارول ) يكون ؟ أو ربما من عساه يكون ؟ تزاحمت تلك الأسئلة في رأسي وأنا أطالعُ إسمه على غلاف الكتاب وعلى ثنيته الجانبية كذلك . 

تماهيتُ مع أليس - على الفور ومن غير مساءلة - وفعلتُ مثلما فعلت تماماً : إنكفأتُ بسرعة في قعر حُفرة الأرنب و/أو تسلّقتُ بشجاعة عبر المرآة نحو العالم ، وبشكلٍ ما لم أعُد بأدراجي ثانية نحو العالم « الحقيقي « . 

ستتذكّرون جميعاً أنّ أليس عندما تسلّقت عبر المرآة في غرفة الإستقبال الخاصة بعائلتها ( إنتبهوا إلى أنّ عائلة أليس لاتظهر أبداً في الكتاب ؛ إذ تبقى أليس دوماً وحيدة وسط الدهشة الفاتنة ) فإنها تنتقل لغرفة إستقبال مماثلة لغرفة الإستقبال التي غادرتها في منزل عائلتها ، ثم تتفكّر ملياً وهي جذلةٌ يتملّكها مسّ من طرب طفولي : « أوووه ، أية متعة ستأتي مع هذه الحقيقة : أن يراني الآخرون ماكثة حيث أنا عبر المرآة ولايستطيعون اللحاق أو الإمساك بي ! « ، ثم سرعان ماتدرك أليس وهي تستكشف بأنظارها مكانها الجديد : « كلّ ماكان يمكن رؤيته في غرفتي القديمة كان شيئاً عادياً مشاعاً وغير بهيج ؛ لكن ماأراه الآن هو شيء مختلف تماماً : الصور المعلّقة على الحائط الذي يحتوي موقد النار بدت ضاجّة بالحياة ، والساعة ذاتها المعلّقة على المدخنة صار لها وجه إمرأة عجوز قميئة ، وصرتُ أبتسم إبتسامة عريضة لها . « 

صارت أليس بطلة حياتي في طفولتي . أليس : تلك الفتاة الواثقة وثوقاً غريباً في نفسها ، والمتهوّرة بعض الشيء ، والتي كانت في عمر يقارب عمري ، وماكنتُ أعرف حينذاك أنها كانت تنتمي لثقافة أخرى متمايزة عن ثقافتي ، وأنها تنتمي لطبقة إقتصادية تختلف عمّا أنتمي إليه . كلّ ماعرفته حينذاك أنني عشقتُ أليس لأبعد الحدود المتصورة بسبب فضولها العارم في إستشكاف العالم - ذلك الفضول الذي فاق بكثير فضولي الذي حسبته كبيراً في معرفة العالم الذي أعيش فيه . ثمة أيضاً رباطة الجأش الفائقة التي حبّبت أليس إليّ وجعلتها صنو روحي ، وأشيرُ بخاصة إلى رباطة جأشها في مواجهة كوابيسها الليلية ، وذاك أمرٌ عجزتُ عن التعامل معه بمثل مافعلت أليس . حصل في بحر أسابيع قليلة من تسلّمي هدية جدّتي أن حفظتُ معظم ماجاء في كتابَي أليس ، وصار بمقدوري الإستشهادُ بكلّ القصائد التي وردت فيهما وترديدها على أسماع كلّ من كانت تعتمل في دواخله رغبة جامحة في الإستماع ، والحقّ أنني واظبتُ على إمتلاك هذه الخصلة ( التي أراها جميلة ) حتى يومنا هذا ؛ إذ يحصل في أحيان ليست بالقليلة أن أستيقظ في الليل لأراني ، ومن غير ترتيب مسبّق مني ، أردّد تلك القصائد بحسب ترتيبها الدقيق وأنا أتفكّر في نشوة وعاطفة مشبعة : كيف يمكن لكلمات ( لويس كارول ) هذه ، الفاتنة والمدهشة ، وبعد أن غادر كاتبها الحياة منذ عام 1898 ، أن تبقى وتظلّ محفوظة في كلّ مكان ( حتى في القنوات الهضمية للأحياء ، إذا ماشئنا إعتماد كلمات « أودن « التي تفتقد إلى الكياسة وتحمل الكثير من الفظاظة برغم كونها تعبّر عن حقيقة أؤمن أنا بصحتها ! ) . 

القصيدة الأولى في كتاب ( أليس في بلاد العجائب ) - وهي ذاتها القصيدة الأولى التي تُتوّجُ معنى حياتي - تبدو في عين يافع معاصر أقرب إلى النثر التجريبي الذي يكتبه ، مثلاً ، إدوارد كمّنغز أو ويليام كارلوس ويليامز . هذه القصيدة الأولى ( أو الفضول الأعظم الذي إجتنيته في حياتي وملأني دوماً بالدهشة كطفلة صغيرة وألهمني كتابتها بألوان صارخة على الورق الصقيل ) ، أقول : هذه القصيدة الأولى كانت بلا عنوان ، وبدأت بالكلمة المروّعة ( عُنف Fury) . كُتِبت القصيدة بطريقة تبدو معها وكأنها تشبه ذيلاً طويلاً لفأر ، والكتابة تتصاغر وهي تتجه نحو أسفل الصفحة حتى تبلغ نهايتها بحيث تبدو الحروف عصية على القراءة حينذاك . 

كانت تلك القصيدة قاسية ، غامضة ، متعالية على فهم طفل يرادُ منه فكّ مغاليق المعاني المستبطنة فيها ؛ ويبدو أن كاتبها عرف منذ البدء هذا الأمر فتقصّد تصغير الحروف المكتوبة إلى حدود غير معقولة فضلاً عن أنه جعل علاقة القطّ / الفأر التي تغيب عنها العدالة شيئاً أقرب إلى مزحة يرادُ منها تحريك حسّ الفكاهة لدى القارئ . في كلّ الكتب الخاصة بِـ ( أليس ) ثمة توقٌ ممضّ إلى العدالة ؛ وبرغم ذلك فإنّ اللاعدالة هي السائدة معظم الأحايين - أمرٌ مدمّر وباعث على الحزن بالتأكيد . إنّ كتاب ( أليس في بلاد العجائب ) هو أحد الكلاسيكيات الفخمة المكتوبة للأطفال ، وهو مشحون بأفكار تتناول موضوعات الإحتضار ، والموت ، وأن يأكل كائن ما سواه من الكائنات ، وربّما الأمر الأكثر إثارة لمكامن الرعب في النفس هو التحوّل المادي الذي يطال بعض الأجساد ليجعلها كائنات مفرطة في أشكالها الغريبة . سعى لويس كارول من قصيدة ( عُنف ) أن تكون مادة قادرة على ملاعبة الطفل ومراوغته بقصد إظهار عاطفته المضطرمة تجاه الفأر المستضعف المحكوم عليه بالفناء حتى لو كان العنف ( وهو إستعارة مجازية للقطّ ، المترجمة ) هو المنتصر صاحب الكلمة العليا التي لارادّ لها ، وعلى الرغم من أنّ الفأر / الضحية يتم تصويره في الكتاب بموضع من يناشد طالباً الرأفة من قاتله (الغضب - القط) فإنّ الكاتب يمعنُ في إستصغار شأن العنف في عيون الصغار عندما يتقصّد إغفال توصيفه في كينونة مشخّصة معروفة لمدارك الصغار . 

لم يكن أدب الأطفال - وبخاصة الأدب المكتوب قبل عقود عديدة من اليوم - يتهيّب من تصوير مشهديات تتّسمُ بالقسوة والسادية : لويس كارول ، على سبيل المثال ، الذي ظلّ عازباً طيلة حياته ولصيقاً بذاته الطفولية الأولى ، فهم بطريقة فذّة فريدة من نوعها أنّ ميول الطفل التي يحكمها جهازه العصبي تتجه لتفعيل دافع الضحك إزاء تلك الماهيات التي تثير القلق : غياب العدالة ، الموت الفجائي ، الإختفاء غير المسوّغ ، إفتراس كائن ما من قبل كائن آخر . إنّ معظم قصائد ( أليس ) تظهر كأنها نزوات غريبة الأطوار مالم يدفع القارئ نفسه لإمتحانها بِرويّة وتدقيق ، وتوظّف كثيرٌ من تلك القصائد في مشهدياتها حالات من الإنفجار المفاجئ في الأمزجة البشرية - مشهديات على شاكلة : إقطع رأسه ، لاتقف أمامي وإلا ركلتك حتى نهاية السُلّم ،،، وقد يحصل في مواضع أخرى أن يتمّ تضخيم ردات الفعل لدى الكبار بحيث تبدو فكاهية تدفع الطفل لضحك دفعاً لاسبيل لمغالبته :

Speak roughly to your little boy

And beat him when he sneezes; 

He only does it to annoy,

Because he knows it teases.

تكلّم بخشونة مع طفلك الصغير 

واضربه عندما يعطس ؛

هو يفعل هذا بقصد الإيذاء فحسب ، 

لأنه يعلم أنّ هذا الأمر يُغيظ .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top