الثورة العراقية الكبرى..

آراء وأفكار 2019/12/24 07:23:03 م

الثورة العراقية الكبرى..

سلام حربه

لم يشهد التاريخ العراقي منذ آلاف السنين ثورة شعبية كثورة تشرين / اكتوبر عام 2019 ، هذه الثورة أذهلت العالم أجمع وأبقته مندهشاً على الصور والملاحم التي رافقتها ،

لم يحصل عبر التاريخ أن يقود الثورة شباب من طلبة المراحل الدراسية والجامعية كافة تتراوح أعمارهم بين الخمسة عشر عاماً وبين الثلاثين والتحق بهم بعد ذلك العمال والفلاحون وكافة فئات وطبقات الشعب وبالأعمار المختلفة لكن بقيت القيادة والمشورة بيد هؤلاء الشباب والتخطيط لكل مرحلة من مراحلها..ومنذ اللحظة الاولى لثورتهم كان الشعار الأساس لها إسقاط النظام السياسي الطائفي المحاصصي واستبداله بنظام مدني تتوفر فيه العدالة الاجتماعية والحرية والمساواة بين أفراد المجتمع كافة وهنا يتحقق مفهوم الثورة وهو استبدال نظام قديم متهرىء بنظام حديث يواكب حركة العصر ، كما أن المطالب الشعبية لم تكن فردية ولا فئوية أو حزبية أو طائفية أو عنصرية ،بل إن هناك شعاراً ثانياً موحداً للجميع ( نريد وطن ) هم يبحثون عن حاضر الوطن ومستقبله وقد ضيعهما عصابة من الطائفيين اللصوص المخربين تسلطوا على رقاب الناس وجاءوا مع الدبابة الاميركية منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا..من شروط قيام أية ثورة أن يتوفر لها عاملان ، موضوعي وذاتي ، الموضوعي ما يخص الصراع الطبقي والاضطهاد التي تتعرض له شريحة واسعة من الناس من قبل فئة قليلة من الجشعين المستغلين ، أي أن يتوفر الفقر والجوع والحرمان والاستغلال لتشتعل الثورة وقد قال ماركس ( الثورة لا يصنعها الفقر ولكن الوعي بالفقر هو الذي يصنع الثورة ) أما العامل الآخر الذاتي فهو قيام الأحزاب الوطنية السياسية بتوجيه هذه الجماهير والأخذ بيدها نحو تحقيق أهدافها في الحياة الحرة الكريمة ورسم الغد المشرق والتخلص من الاستغلال والعبودية..وحين نطبق هذين العاملين على الثورة العراقية سنجد أن هناك عوامل أخرى أُبتكرت وأُستحدثت ، الثورة التي اشعلها هؤلاء الشباب لم يكن محركها بالأساس الصراع الطبقي رغم وجود ملامح صراع بين طبقة شعب عريضة مسحوقة وبين فئة سياسية فاسدة استحوذت على مقدرات الشعب وعلى سلطته السياسية ، الجوع والحرمان لم يكونا المحرك الأساس لهؤلاء الشباب فما زالت الموارد العراقية ، رغم إنها لم توزع بعدالة ويستحوذ على أغلبها الفاسدون وفشل اقتصاد البلد الريعي ، إلا أنه لا توجد في البلد ملامح مجاعة وصراع قاس من أجل لقمة العيش والميزانية التشغيلية ،ونتيجة لسوء التخطيط ،فإنها تستهلك أكثر من سبعين بالمئة من الميزانية الاتحادية والتي تصل في أدنى مستوياتها الى مئة مليار دولار سنوياً ، لم يكن شعار الثورة نريد خبزاً ، بل إن الشعار الذي طرّز صدور الشباب الابطال نريد وطناً ، وهنا يجب التوقف عند هذه الجملة ، ماذا يعني الوطن بالنسبة لهذا الشباب الثائر ..؟ الوطن يعني الخبز والكرامة والحرية والأمان والجمال والوطنية وأن يدير هذا الوطن رجال يضعونه في حدقات عيونهم وليس في جيوبهم ، يريدونه أنيقاً مرتباً لأن الكثير منهم زار بعض البلدان وأبهره جمال المدن وتخطيطها والسعادة على وجوه مواطني تلك البلدان والاطمئنان البادي في كلامهم وقسماتهم على حاضرهم ومستقبلهم رغم إمكانيات تلك البلدان البسيطة والتي لن تصل الى عُشْر الإمكانيات العراقية ومواردها الضخمة ، لكن العراق يعيش في أسوأ مرحلة تاريخية وكل شيء مخرّب وإن بقي هناك شيء فإنه ذاهب الى الخراب ، الوطن يعني لهم ضمان المستقبل فهو كالأم التي ترعى ابناءها حتى آخر العمر ، الوطن هو من يوفر العمل لهذه الطاقات الشابة ويحررها من قيود البطالة ويشعرها بالأمان وإن البلد يكافئهم على ما بذلوه من جهد علمي وتحصيل دراسي بتوفير فرصة عمل تليق بشخوصهم وإمكانياتهم ومواهبهم ، الشباب لا يريدون العودة الى تجربة آبائهم وأجدادهم وقد قضوا أعمارهم في الحروب والمطاردة من قبل الأنظمة الدكتاتورية والموت وعيش البعض ببؤس في بلاد الغربة ، تجربة آبائهم قاسية ولن تعاد فالزمن قد اختلف ،وهذا التأريخ المأساوي لن يعود ثانية وعليهم إن أرادوا العيش بكرامة أن يفتحوا صدوراً عارية أمام بطش النظام الطائفي وميلشياته القاتلة وأن يقدموا التضحيات فالثورة لها قرابينها وهي بالمئات وربما تصل الآلاف والجرحى عشرات الإلوف وكلما ازداد بطش النظام القاتل ومرتزقته ازداد إصرار هؤلاء الشباب وتعاظم عددهم والموت لم يعد يخيفهم فهو منيّة تحصل للإنسان في كل زمان ومكان ..لم يكن هناك مُشعل ذاتي وحيد لشرارة الثورة هذه سواء كان حزباً أو جهة سياسية أو منظمة مجتمع مدني أو..أو..أو..لا يخفى على أحد أن هناك دعوات من مواقع الكترونية تحث العراقيين الى التظاهر في اكتوبر ولكنه كالصوت الذي في البرية تجمع الناس حوله ولكن حين التقوا وجدوا أن مصيبتهم واحدة وهدفهم واحد ونضالهم مرير مشترك ، لم تكن هذه الشرارة الثورية بلا جذور بل إنها بكامل الإبوّة ، فقد عمل التيار المدني الديمقراطي على تأليب الشارع في تظاهرات منذ نهاية عام 2010 وحتى قبل ثورة اكتوبر بأيام ، تظاهرات المدنيين في السابق رغم إنها لا ترتقي بأعدادها الى أعداد ثورة اكتوبر لكنها كانت الجمرة المتقدة تحت الرماد والتي وفرت الشرارة لهذه الثورة الكبرى ، إذن من أين جاء الوعي للقيام بالثورة..؟ لا ينكر أن هناك تأثيراً واضحاً للقوى اليسارية في مد هذه الثورة بالرجال والأفكار ،ودور آخر للمثقفين والأدباء والفنانين لكن هذا كله غير كاف لأشعال فتيل ثورة أبهرت هؤلاء الآباء فما زال هذا الجيل من الشباب يسمى تندرا بجيل البوبجي لعبة المبارزة العسكرية في الهاتف النقال التي هيمنت على عقول الكثير من الشباب وبذرت أوقاتهم وحتى تعاطيهم للثقافة والكتب الأدبية والسياسية كان ضعيفاً ، إلا أن هذا الزمن ، زمن الثورة العلمية التكنولوجية وتقنياته المذهلة وفر لهم وعياً وثقافة خاصين ،الثقافة التقليدية التي تربى عليها آباؤهم هي في الكتاب وسحر الكلمة وتجليات اللون والمعنى في اللوحة الفنية أو السرحان في متاهة الخيال والتحليق وراء الجملة الموسيقية ، اليوم وجد جيل الشباب أن هناك ثقافة جديدة تغنيهم عن كل ثقافة أخرى وهي ثقافة الصورة التي يوفرها لهم جهاز الهاتف النقال الذي يحملونه ففيه العالم كله وهو قادر أن يستدعي أي جزء في هذا العالم بمجرد أن يضغط زراً فيأتي إليه طائعاً شبيك لبيك عبدك بين ايديك ، البوبجي وكل صنوف الثقافة والفنون والأفلام ومواقع التواصل الاجتماعي والحوارات وكل أسرار الشبكة العنكبوتية وغرائب الإنسان واكتشافاته وكل ما يطمح إليه المستخدم ، كل ما يحتاجه الشاب أن يكون ماهراً في استخدام هذا الجهاز والمعلومة التي كان الآباء يبحثون عنها زمناً في بطون الكتب يجدها الشاب في أقل من ثانية وكأنه هو من اطلقها والكل يعرف بأن المعرفة تراكمية وبمرور الوقت يصبح هذا الشاب البسيط موسوعياً يفقه في أمور كثيرة ، ربما ، يجهلها أبوه والجيل الذي سبقه ، حقاً إن الإنسان هو ابن الواقع وهذا العالم المنطلق حضارياً بسرعة الضوء قد سحب معه جيلاً من الشباب التواقين الى حياة جديدة لم يعيشوها سابقاً ولكنها تبقى حلماً في الوطن الجديد الذي يريدون..ما أفرزته ثورة اكتوبر ،وقد مضى عليها أكثر من شهرين وما زالت في مجدها وعنفوانها ،إن هذه الثورة لم تفرز بعد قادة حقيقيين لها وهذا الأمر ليس شاذاً ، فليس بالسهولة أن تهيمن على ثورة ملايين الشباب وتوحد أفكارهم وتطلعاتهم فهم مازالوا مفتونين بنشوة صوتهم الجمعي ونصرهم الذي يتلألأ في حدقات عيونهم ويرفض الكثير منهم أن يكون تحت وصاية قيادة قد تحد من انطلاقهم وقد يتعثرون عند الموانع التي تُنصب لهم ، لكن بمرور الوقت والتضحيات الجسام التي بدأوا يقدمونها يصبح البحث عن قيادة لهم أحد مهماتهم الحيوية ليتم في النهاية اختيار الأكفأ من بينهم ليكون لساناً ينطق بمطاليبهم التي خرجوا من أجلها والتي لن يحيدوا عنها حتى لو رجعوا الى بيوتهم بتوابيت وتعرضوا ما تعرضوا من قتل واختطاف من قبل القوات الأمنية أو الميلشيات التي تدين بولائها الى إيران البلد المتضرر الأكبر من هذه الثورة والتي تحاول إفشالها حتى لو اضطرت الى إبادة هؤلاء الشباب وكل الناشطين المدنيين..الثورة العراقية عنوان جديد في تأريخ البشرية وسفر خالد لنضال شعب رفض نظاماً سياسياً فاسداً شيّده الإسلام السياسي ولن يهدأ حتى تغيير هذا النظام ورموزه بالكامل..

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top