عَـنِ الـوِحـدةِ سَـأَلـوُنيِ ..

عَـنِ الـوِحـدةِ سَـأَلـوُنيِ ..

د.سعاد محمد خضر

بعد غياب طويل وقسري، أعود لأوراقي وأقلامي وكتبي التي ابتعدت عنها ما يقارب السنة تقريباً بسبب خضوعي لعمليات العظام بعد سقوطي على جانبي الأيسر وبعد خروجي من خيار الموت.

وأبدأ بشكر الأطباء الذين عالجوني وساعدوني على هذه العودة رغم وجود بعض الصِعاب في الحركة والمَشْي. وانتهز الفرصة لأرد على الذين يعتدون على الأطباء الاكفاء جداً، وذلك لأن مريضاً ما هنا أو هناك لم يتم شفاؤه. إن الأطباء ليسوا آلة يمنحون الموت أو الحياة، بل هم فئة من شعبنا يبذلون بالغ الجهد والعلم ليساعدوا المرضى، عِلماً بأن المرض ليس واحداً في كل الأحوال. وسأترك هذا الموضوع لأعود إليه في مساحة أخرى ونعود لموضوعنا الذي بدأناه.. وسيكون موضوع اليوم هو الوِحْدَة، أحد المواضيع التي سنتناولها تِبَاعاً .. وِحدة المرض وكبار السن والأرامل والأطفال اليتامى بلا نصير أو مُعِين، وأتساءل هل جَرَّب أحدكم خيار الوحدة الطويلة القاتلة لِمَريض تصل أحياناً إلى السبع عشرة ساعة أو تزيد، وَحِيدَّاً ينهشه القلق ويجتر مشاعر العجز والتوتر والألم حيث يتلاعب به محيطه الأخرس وخيار الموت والأفكار القاتلة.. ينظر هنا وهناك ويتوقف نظره أمام ذلك الحائط الذي تتكدس عليه صور الأهل والأصدقاء والاحبة الذين غادرونا وغابوا عنا. انهم يُطِلِوُن علينا وربما يتساءلون عن ماهية ما نقوم به من أعمال وأقوال وتساؤلات ومشاغبات ؛ وقَريباً أو بعيداً سنصعد لنأخذ مكاننا بجوارهم ولنطل بدورنا على تفاهات غيرنا .. الرفقة الحقيقية الباقية، المكتب والأوراق والأقلام وذكريات الغائبين الغالية.. لقد أصبحت الكنية، حيادية اللون، جزءاً من حياتي، تحتضنني من الصباح حتى أواخر الليل الطويل وصولاً إلى صباح اليوم التالي. ومن الجميل أن تلك الكنية تقع في إحدى جنبات الصالة المُتَصِلة بالشرفة . ولا يتوقف النظر في تلك البقعة من الطبيعة حيث ترتاح على سياج الشرفة شبكة صغيرة من الفروع تمتد من شجرة كبيرة، وجاءت لتصنيف لمسة من الحياة الساكنة الصامتة حول المكان.. وفجأة تهب لفحة ريح ساخنة فتتحرك أوراق شبكة الفروع على مَضَض.. وأُفَجَأُ أحياناً ببروز عدة رؤوس أوراق صغيرة بخضرتها الزاهية تتزاحم لتجد لها مكاناً على شبكة الفروع تلك .. وتتداخل تلك الألوان، الزاهية مِنْها والذابلة أو شاهقة الخضرة مع زرقةٍ لبعض كُتَلٍ من السماء تتسلل بين فتحات الفروع ومع الخضرة الشفافة للوريقات المشاكسة تظهر وتطرد الأوراق الصفراء الذابلة فَتُضْفي جمالاً متزايداً على جدار الشرفة.. إنها نفس دورة حياة نعيشها حتى خروجنا بلا عودة.. 

وأحاول الاقتراب من ركن الشرفة واستشعر مشاعر الجمال المتدفق من تلك الكتلة الخضراء. مشاعر لم أحس بها من زمن طويل مع دوامة حياتي المليئة بالعمل والكتابة، وتتصاعد أصوات الناس لتقطع التأملات الحاملة لتغرق في دوامة حِدَّة الأصوات المتداخلة أحياناً عندما يشتط غضب أحدهم فَيْنقَلِبُ الكلام الغاضب الى ذلك السُبَابِ الراقي الخاص جداً ربما بسبب احتكاكه بإحدى مشكلات الطريق .. ويقودني التأمُل الى حسبان عدد الأوراق الناضجة والوريقات الصغيرة الشفافة اليافعة تتألق بخضرة زاهية تحت الشمس اللاهبة في سماء صافية الزرقة التي تبعث أشعتها الحارقة نحونا.. هل تعرفون عدد هذه الأوراق صغيرها وكبيرها على شبكة الفروع التي ترتاح فوق سياج الشرفة؟ ألف وخمسون ورقة مع حسبان تلك النبعات الصغيرة تطل وتتدافع لتتطلع الى الشمس ولتزيد من جمال متألق في ذلك الركن.. وتساءلت حينذاك ، كم ورقة إذن تتألق وتتألق بها تلك الشجرة تحت الشرفة! 

ونأتي مشاهدة التلفزيون والاستماع الى المذياع صورة من صور التغلب على الوحدة أو مواجهتها ؛ ولكنها مواجهة قاسية حيث تتواتر أخبار العدوان على شعبنا الصامد، كما تتصارع أخبار الموت والدمار وأعداد القتلى المتزايدة قادمة من جنوبي العراق وكل بقعة فيه. ولا يمل أعداؤه من التآمر والعدوان. فمتى يرتاح الشعب العراقي من تلازم العدوان والحرب وأخبار الحرائق المتناثرة في أسواق العراق ومدنه وقراه؟ 

لم يترك العملاء والأعداء وأصحاب المصالح لشعبنا أية وسيلة لمواصلة مسيرة الصراع والنضال من أجل عراق حر مستقل. ومع ذلك ها هي الأجيال الجديدة تواصل مسيرة الخلاص والنضال. إنها الحرب وتصارع الأخبار القاسية أمام لا مبالاة ساسته الى جانب الطمع والفساد. فمتى يرتاح العراق يا ترى من الخيانة والتآمر وتَكَالُب إعدائه على وجوده. لك الله يا عراق!

وإلى لقاء قادم

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top