بيت (المدى).. يحتفي بمحمد خضير لمناسبة مرور خمسين عاماً على كتابته للقصة

بيت (المدى).. يحتفي بمحمد خضير لمناسبة مرور خمسين عاماً على كتابته للقصة

 بغداد/ محمد جاسم

 عدسة/ محمود رؤوف

خلال 50 عاماً من احترافه الكتابة، لم يصدر الكاتب العراقي محمد خضير سوى بضعة كتب، بدأت بـ"المملكة السوداء" (1969) وانتهت بـ"حدائق الوجوه" (دار المدى ــــ 2008). لكنّ أعماله كانت دوماً تثير ردود أفعال تفتح المجال لنقاشات واسعة، مثلما كانت تؤكد حضوره الاستثنائي في المشهد الثقافي عراقياً وعربياً. ولان بيت المدى يحتفي بالقامات الكبيرة في تاريخ الثقافة والفنون ممن قدم خدمة جليلة للثقافة العراقية، جاء احتفال المدى امس الاول بالقامة القصصية المديدة "محمد خضير" بحضور كبير من الادباء والمثقفين.

لا يتحدث عن نفسه

قدم للجلسة وادارها الباحث "توفيق التميمي" الذي اشارالى ان خضير بعث بتحيته لجميع الذين يحتفون به اليوم، وهو يعاني من المرض في البصرة. واضاف التميمي:- لم اتعرف على خضير قبل عام 2003 لكنني التقيته بعدها في البصرة وبغداد بالمربد وبجلسات ادبية متعددة. وفي كل مرة اتعلم منه درسا جديدا يغني افكاري ومخيلتي باشياء جديدة. وهو مبدع كبير ومقتصد في حديثه وغير مدع ولا يتحدث عن نفسه كثيرا، وفي كل المرات اخرج بدرس اخلاقي من هذا المبدع الكبير. الذي يمتلك اسرارا كبيرة. واتشرف بالحديث عن ابن مدينتي الذي يتشرف بالبصرة واهلها. وهو يختلف عن كل ابناء البصرة لانه لا يتشبث بالبصرة وبحاضرها بل يسكن في ماضيها ايضا. واضاف: لو نملك جهازا اعلاميا سليما لتسويق مبدعينا لاحتلت الكثير من قاماتنا بضمنهم محمد خضير مواقع متقدمة في ادبنا العربي المعاصر.

خضير والتعبيرية

وقالت الدكتورة نادية هناوي:- راهن كثير من كتّاب الرواية والقصة القصيرة على الواقعية مذهباً أدبياً، مجرِّبين مختلف صورها، باستثناء القاص محمد خضير الذي انتهج خطًا مختلفًا في الكتابة السردية، تمثل في التعبيرية التي أجاد تطبيقها على القصة القصيرة، مخالفًا كل القصاصين، منتزعًا لنفسه الريادة، والجًا متاهات السرد وأفانينه، متطلعًا برؤية فكرية واعية إلى مستقبل فيه تتبوأ إنسانية الفرد مكانها اللائق الذي به ترتفع عن العالم المادي إلى عالم آخر صاف ونقي لا يشوبه صراع ولا نزاع. 

ولاجل تحقيق ذلك وظف خضير كثيرا من سمات التعبيرية، منها التداخل بين السرد والسينما، الذي يجعل القصة القصيرة مثل شريط فيلمي تتم ملاحقة اللحظة الزمنية الواحدة في أماكن مختلفة، وبالطريقة التي تمكن السارد من صنع المفارقة مع التركيز على المكان بحميمية خاصة أتقنها القاص في أكثر قصصه، موظفا منتجه بالقص والتشذيب للقطات، التي تؤلف وتركب بحسب انتقالات الكاميرا وحركاتها. ومن السمات التعبيرية ايضا استعمال السارد المراقب المعني بالزاوية التي منها يقبض على اللقطة المميزة أو يقتنص الصورة الفوتوغرافية المناسبة، مستقصيا بعين الكاميرا أبعاد المكان ومواقع الحيوات والأشياء فضلا عن الوسائل التكنيكية الاخرى وتوظيف الضمائر واستعمال الخصائص الكلامية للحوار وغيرها.

متمرد على أن يكون تابعا

وقال الناقد الدكتور "نجم عبد الله كاظم":- في موضوع قديم لي عن القاص محمد خضير قلت عندما استحضر التأسيس الفني للقصة القصيرة العراقية لا يمكن الا ان يحضر عبد الملك نوري والتكرلي. وحين استحضر تجريبيات الستينيين لا يمكن الا ان يحضر عبد الرحمن الربيعي. وحين استحضر الخروج من عنق الستينيين بخصوصية فنية غير مسبوقة لا يمكن الا ان يحضر محمد خضير. واؤكد اليوم واعني تمرد هذا القاص على ان يكون تابعا، في قصصه، للسائد، بل هو يتجاوزه او في الاقل يعمل على ذلك، ليتجاوز زمنه وقصة زمنه حتى وهو، وهذا مهم جدا، لا يلغي عمليا حضور السائد. وكل ذلك مسكون بهم دائما ولا يغادره، في اي تجربة كتابية له، وهو الهم الفني. وهو لا يتردد في الاختراق واجتياح المحذور وغير المحذور ليقدم القصة على حد تعبير د.علي جواد الطاهر. وهو شغوف بالحكاية التي قد توحي بالسلفية الفنية والسائد والتقليد، لا يتردد ابدا في التجريب وخرق الحكاية، ولكن الى الحكاية بمنطق جديد ورؤيا جديدة وباساليب فنية جديدة، والامر نفسه ينسحب على المكان مثلا، فاذا هو شغوف بالمكان بهيمنة البصرة، فانه يطلق قصته في عطائها النهائي عن التعبيرعن اي مكان، واذا هو شغوف في زمنه الحاضر، فانه لايفارق الماضي.

يكتب تحت درجة حرارة 45

وقال الكاتب شكيب كاظم سعودي:- اذا كان (راي برادبري) يرى ان درجة 451 فهرنهايت هي درجة الحرارة التي تحترق فيها الكتب، فان محمد خضير يرى ان درجة 45 مئوية هي درجة الحرارة المثالية لتأليف كتبه، وهي درجة واقعية لا متخيلة، لانها درجة حرارة غرفته الكائنة فوق السطح وفوق المطبخ، في صيف البصرة شديد القيظ، حيث كتب قصته (في درجة 45 مئوية).اي تتحول غرفته الى فرن تنضج فيه قصصه. واضاف شكيب:- يصف خضير نفسه بالقاص التجريبي، مع انه ينكر مصطلح التجريب، كونه يعني عدم الاستقرار، في حين يرغب في اطلاق مصطلح (تحقيقي) بوصفه حقق منجزا في عالم القص، والفرق واضح بين التجريب الخائف والوجل. وخضير لايقنع بالتجريب البسيط الممهد، انه يوغل في غايات الكتابة وقلاع الحرف النائية البعيدة، وصحراء الكلمة، التي لايستطيع سبر اغوارها الا الملهمون المبدعون. محمد خضير يشتغل بتؤدة وثقة وهدوء في مشغله الفكري والفني، الذي دخله منذ منتصف الستينيات، ولا يغادره الا بعد ان يقدم للقراء ماهو جدير بالبقاء. انه يبدع القليل الاصيل على حساب الكم.

سرده أشبه بحفلة تنكرية

وقال القاص "حميد المختار" هو سارد خرج من دوائر الزمن الروائية باجناسه المختلفة، ومارس مسؤولية المدون المديني في توثيق روح المكان عبر مسارب عربية وتراثية موغلة في القدم وعبر منافذ عالمية، اعطته ضوءا اخضر حين عبر بوابات بورخيس وادغار الن بو وكبلينك. كان سرده اشبه بحفلة تنكرية كما يقول هو دائما، يتنكر خلف سبعة اقنعة كما حاول في كتابه (حدائق الوجوه). ونبقى نحن مريدوه ومتابعوه ومحبوه اشبه بالمتنزهين الذين يتنقلون من حديقة الى اخرى، باحثين عن ملاذ آمن ومستقر في (خان العالم)، بينما ظل هو يسيرمتأنيا من الكاووس الذي يعني اللانظام والفوضى الى الناموس والحكمة والاستقرار والاتزان في نصوصه، التي عبرت الانواع والتجنيس، وان لم يعلن هو ذلك. وصار سرده بحد ذاته يعني الانتقال الى اقصى حدائق العالم وان لم يقل ذلك. ولا يعترف به لتواضعه الجم وابتعاده عن الغوص في اناه وكشفه لاسرار حرفته وتطلعاته وخططه. اقول صار محمد خضير واحدا من بستانيي العالم، وهذا جل ما كان يطمح به ليحتل هذه المكانة كما نوه بذلك في حوار معه.

وختم الجلسة القاص "محمد علوان جبر" فقال:- حدثني صديق فقال مرة سألتني صحفية عن مرجعياتك القصصية وما اهم ما قرأت؟ فقلت منذ كنت في الصف الثاني متوسط قرأت قصة الارجوحة لمحمد خضير، وهي اهم ما قرأته وظل عالقا في مخيلتي، وقرأتها مرات ومرات، ومن يومها عاهدت نفسي على ان اكتب قصة كالارجوحة او تفوقها فنيا وثيمة. وظلت عالقة قصة الجندي المكلف باخبار عائلة صديقه الجندي الذي مات في الحرب، وظل حائرا امام سؤال الام عن ابنها فيجيبها (علي ابنك.....قد....) وهنا يتوقف الزمن وتتوقف الاجابات.. لانه لا يستطيع ان يقول لها ابنك مات في الجبهة. لكن لماذا صمت؟ سألته الصحفية؟ فقال لها: قد مررت في حربنا الكارثية بموقف مشابه.. لكني هربت يومها ولم افعل ما فعله الجندي حينما اخبر الام ان ولدها بخير.. وسيعود لاحقا.. انا لم افعلها، انتظرت ان تسمع من غيري. وهذا جزء آخر حيوي يربطني، ولكن بارتباك انساني كبير مع قصة الارجوحة. ومن يومها اتذكر حديث صديقي الذي احالني الى الاعجاز والجمال في قصة خضير. كم انت كبير ايها البصري الرائع وانت تخط هذا الجمال في اواخر الستينيات. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top