الأسئلة الكبرى

الأسئلة الكبرى

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

تأليف : بول ديفيز

1 . النشأة

القسم الثاني

تتكوّن النجوم ، والكواكب كذلك ، نتيجة التقلّص التدريجي والتشظّي الذي يحصل في سحب غازية هشّة تمتدّ في الفضاء الفاصل بين النجوم وتتكوّن في معظمها من غاز الهيدروجين ،

ومن اليسير حتى في يومنا هذا العثور على مناطق في مجرّتنا ( درب التبانة ) يمكن فيها معاينة ولادة نجم ، وإحدى تلك المناطق هي السديم العظيم Great Nebula في منطقة برج الجوزاء Orion ، وهي منطقة يمكن رؤيتها بالعين المجرّدة . لم تتكون النجوم - ببساطة - مرة واحدة وإلى الأبد ؛ فشمسنا ، على سبيل المثال ، تبلغ من العمر حوالي خمسة بلايين سنة وهو مايعادل في أقصى التقديرات نصف عمر النجوم الأقدم في مجرّتنا . إنّ تكوّن المنظومة الشمسية هو محض نتيجة واحدة لعملية مستمرّة لم تزل تتواتر وقد حدثت مئات بلايين المرات في مجرة ( درب التبانة ) وحدها وستستمرّ في المستقبل . هكذا هو الأمر إذن ، وبقدر مايختصّ الأمر بتكوّن النجوم والكواكب فليس ثمة خلقٌ حقيقي ( بالمعنى اللاهوتي السائد لمفردة خلق ، المترجمة ) ، ولايعدو الأمر برمّته أن يكون شكلاً من التجميع الكوني الذي يحوّل على نحوٍ ثابت ومستديم المادة الخام - الهيدروجين والهيليوم وجزيئات دقيقة من عناصر أثقل - إلى نجوم وكواكب . 

إذا ماعلمنا أنّ النجوم تستمرّ في الإحتراق في حين تتشكّل نجوم أخرى محلّها فلنا أن نتساءل : هل يمكن أن تستمرّ هذه الدورة المتعاقبة من ولادة النجوم وموتها بلا نهاية ؟ من المؤسف أنّ أمراً مثل هذا غير ممكن الحدوث طبقاً لما يؤكّده لنا القانون الثاني في الديناميكا الحرارية ؛ فالمادة الناشئة عن إحتراق النجوم لايمكن إعادة تدويرها بشكل كامل لأنّ الطاقة التي نحتاجها لإحداث عملية إعادة التدوير تتبدّد في الفضاء الشاسع بهيئة شعاع ضوئي يمتدّ فوق الفضاءات التخمية السحيقة كما تضيع بعضٌ من تلك المواد الناشئة عن الإحتراق داخل الثقوب السوداء . لكن برغم ذلك ثمة سبب مباشر يجعلنا نعتقد أنّ النظام الكوني بكليته لم يحصل أن نجح في إعادة تدويره على نحو مستمر منذ بداياته السحيقة . أثبت إسحق نيوتن Isaac Newton ، أحد مؤسسي العلم الحديث ، أنّ الثقالة Gravity قوة كونية تعمل بين كلّ الأجسام المادية في الكون حيث يجذب كلّ نجم وكلّ مجرّة ماسواهما من النجوم والمجرات بفعل قوة الجاذبية ، ولكون الأجسام الفلكية ( أي المنتشرة في الفضاء ، المترجمة ) تطفو بحرية في الفضاء فليس ثمة من سبب يمنع إمكانية إنجذابها وسقوطها الواحد فوق الآخر نتيجة لقوة الجاذبية المنتشرة في كل مكان في الكون ؛ لكنّ التأثيرات النابذة لقوة الطرد المركزي Centrifugal للكواكب في النظام الشمسي هو مايمنع إنهيار القوة الجذبية بين هذه الكواكب التي تدور حول الشمس ومن ثمّ سقوطها عليها . تدور المجرات حول الشمس بطريقة مماثلة لما تفعله الكواكب ، ولاتتوفّر شاهدة تفيد أنّ الكون يدور مثلما تفعل الكواكب والمجرات ، ومن الواضح أنّ المجرّات لايمكنها البقاء معلّقة حيث هي إلى الأبد ؛ لذا يبدو أنّ الكون لايمكنه المحافظة دوماً على تنظيمه الحالي . 

وبرغم أنّ هذا اللغز الكوني قد جرى التعامل معه بما يستحقّ من الإهتمام والبحث وكان موضع النظر منذ زمن نيوتن ؛ لكن لم يحصل سوى في عشرينيات القرن الماضي أن يتمّ إكتشاف الحل

لذلك اللغز بعد أن وجد عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل Edwin Hubble أنّ المجرّات لاتتساقط على بعضها البعض لأنها بدلاً من ذلك تندفع في الكون مبتعدة عن بعضها بعضاً : لاحظ هابل أنّ لون الضوء المستلم من المجرّات مشوّه بعض الشيء ( مُزاحٌ نحو اللون الأحمر إذا ماشئنا استخدام بعض مفردات الجعبة التقنية ) ويشير هذا الأمر إلى تباعد سريع ، ويكمن السبب وراء ذلك في أنّ الضوء يتكوّن من موجات ، ويمكن لمصدر الضوء المتحرّك أن يمدّد الموجات أو يقلّصها وبالطريقة ذاتها التي تعمل بها مركبة متحركة على تمديد أو تقليص موجات الصوت الصادرة عنها : إنّ نغمة ( أي تردّد ، المترجمة ) صوت محرّك السيارة أو صافرة القطار تتناقص بصورة كبيرة للغاية عندما تندفع السيارة أو القطار مبتعدين عن منطقة ما . أما في حالة الضوء فلو جعلنا ( اللون ) يقوم مقام تردّد الصوت فسنحصل حينئذ على إزاحة هابل الحمراء ، وتنطوي تلك الإزاحة على سرعات عالية للغاية ؛ إذ تتباعد المجرّات البعيدة عن بعضها بعدة آلاف من الأميال في الثانية الواحدة .

يُساءُ في أحايين كثيرة تفسير إكتشاف هابل على الكيفية التي تعني أنّ مجرّتنا تقع في مركز الكون في الوقت الذي تحلّق فيه المجرّات الأخرى بعيداً عنّا ، وهذا خطأ جسيم إلى أبعد الحدود لأنّ المجرات البعيدة تبتعد عنّا بأسرع من تلك القريبة منّا ؛ وعليه تتّسع الفجوات بين المجرّات لأنّ كلاً منها تتحرّك في الواقع بعيداً عن المجرات الأخرى ، وهذه هي الحقيقة ذائعة الصيت والمعروفة (الكون المتوسّع The Expanding Universe) ، وممّا تنبغي الإشارة إليه في هذا الموضع أنّ نمط تباعد المجرّات عن بعضها يظهر متماثلاً من أيّ مكان من الكون نراقب فيه تلك المجرات .

تتفق نظرية الكون المتوسّع وبشكل مدهش مع الفكر (الفيزيائي) الحديث فيما يختصّ بطبيعة الفضاء والزمان والحركة : ألبرت آينشتاين Albert Einstein ، الذي حاز على مكانة رفيعة في المجتمع العلمي شبيهة بمكانة القدّيس بولس في المسيحية ، حقّق ثورة في مفهومنا لهذه الموضوعات من خلال نظريته النسبية ، وقد إستغرقت مفاهيم إعوجاج الفضاء والزمان التي جاء بها آينشتاين ستين سنة لكي تستثير خيال عامة الناس رغم أنّ أفكاره عن إنحناء بنية الزمكان كانت قد نالت قبول الفيزيائيين وتقديرهم العالي منذ زمن ليس بالقليل باعتبارها تفسيراً مقبولاً للثقالة . 

تحكم قوة الثقالة كلّ ظواهر الكون واسعة النطاق، وتبدو قوتها على الأجسام الفلكية هائلة الأحجام أعظم بكثير من تأثير القوى الأخرى مثل المغناطيسية والكهربائية ؛ فقوة الثقالة هي التي تشكّل المجرّات وتتحكّم بالحركة ، وعندما يختصّ الأمر بالتفسير المقبول للكون المتوسّع فإن قوة الثقالة هي التي تقدّم المفتاح الأهمّ لفكّ مغاليق هذا اللغز وفهمه بطريقة مقبولة. 

أثبت آينشتاين بتمكّن مشهود له حاز على درجة كبرى في الإقناع أنّ الثقالة تمدّد الفضاء والزمان وتحرفهما ، ويمكن معاينة هذه الفكرة على نحو مباشر من خلال مراقبة ثقالة الشمس وهي تحني أشعة النجوم عندما تقترب من سطحها وعلى نحوٍ يجعل السماء خلف الشمس تبدو مقوّسة قليلاً بطريقة مميزة ، ويمكن أيضاً ، وعلى نحوٍ أكثر مباشرة ، إثبات حقيقة مطاطية الزمان باستخدام ساعات تحلّق بعيداً في الفضاء حيث يمرّ الزمان حينئذ أسرع في بيئة متحررة من تأثيرات الثقالة بالمقارنة مع مايفعل على الأرض . 

إذا كانت الشمس قادرة على تمديد الفضاء حولها فكذلك يمكن للمجرّات أن تفعل ذلك وهي المكوّنة من شموس كثيرة يصعب حصرها ؛ لذا ، وبدلاً من التفكير في تشتت المجرّات بعيداً في الفضاء السحيق يفضّل علماء الفلك التفكير بِكَوْنٍ متوسّع في الفضاء بين المجرّات وحيث تجد كلّ مجرّة من تلك المجرّات نفسها وهي تتوسّع أكثر فأكثر كل يوم ، وهكذا يمكن للكون على هذه الشاكلة أن يتمدّد من داخله من غير أن يبدو كشيء يتمدّد ليشغل فجوة خارجية فارغة بجانبه . 

إذا ماوضعنا جانباً مفهوم الزمان والمكان المتّسمين بالمرونة واللذيْن يصعب فهمهما من قبل كثيرين فمن الواضح تماماً ، من جانب آخر ، أنّ الكون الذي لايفتأ يتوسّع أكثر فأكثر لابدّ من أنه كان في الماضي شيئاً صغيراً ، ولو أنّ الكون حافظ على معدّل توسّعه الحالي عبر كلّ تأريخه فستكون النتيجة المحتّمة أنّ هذا الكون القابل للمراقبة كان منذ عشرين أو ثلاثين بليون سنة خلت منكمشاً في هيئة ليست أكثر من نقطة صغيرة لايمكن إدراكها وتخلو تماماً من أي جسم فلكي ، وقد إكتشف علماء الفلك تناقصاً ما في معدّل توسّع الكون ، وعلى هذا الأساس لاتعدو الحالة عالية الكثافة التي كان عليها الكون أن تكون حصلت - ربما - في مرحلة متأخرة من عمر الكون منذ خمسة عشر إلى عشرين بليون سنة خلت (لنتذكر ، لغرض المقارنة فحسب ، أن عمر الشمس هو خمسة بلايين من السنوات) ، وقد كان معدل التوسّع عند تلك المرحلة المتأخرة أسرع بكثير ممّا هي عليه الآن ، وتشبه المراحل الأولى من توسّع المجرات وتشتتها إنفجاراً أكثر من كونها توسّعاً بطيئاً (مثلما هي عليه الحالة اليوم) . 

يُقالُ أحياناً أنّ الكون الحالي الذي نعرفه خُلِق بإنفجار حصل فيما يشبه " بيضة " بدائية ثم تشظّت المجرات نتيجة الإنفجار وراحت تندفع - وماتزال - عبر الفضاء ، وقد حصل الإنفجار في شيء ما كان منكمشاً ، والفضاء كان منكمشاً كذلك آنذاك. تلك صورة قد تنطوي على بعض الخصائص الصحيحة ممكنة الحدوث لكنها تحمل صورة مضلّلة بعض الشيء في غير جانب من جوانبها ؛ إذ من الخطأ الفادح التفكير وفقاً لفكرة " البيضة التي يحيطها الفراغ " ؛ لأنّ للبيضة سطحاً وحيّزاً وسطياً في حين يعتقد علماء الفلك أنّ الكون - وقت حصول الإنفجار - لم يكن لديه سطح أو حافة أو مركز خاص. 

نحن نخوض هنا في مخاضة معقدة تختصّ بموضوعة اللانهاية Infinity ، وهذا أمر حافل بالمآزق الإشكالية ويستوجب وقفة إستطرادية شاملة لكونه موضوعاً غاية في الأهمية لا فيما يخصّ الكون المتوسّع فحسب وإنما - كذلك - لارتباطه الوثيق بموضوعات العلم والدين في أوسع آفاقها الممكنة.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top