المونيتر: كورونا غيّر تقاليد عراقية راسخة

المونيتر: كورونا غيّر تقاليد عراقية راسخة

 ترجمة حامد أحمد

غًيّر انتشار وباء فايروس كورونا المعدي في العراق من طبائع اجتماعية تقليدية اعتاد عليها العراقيون في التعبير عن علاقاتهم ومودتهم فيما بينهم من مصافحة وتقبيل. واتضح ذلك جلياً أيضاً من خلال منع التجمعات في مناسبات اجتماعية من أفراح ومآتم على حد سواء .

وغالباً ما تتخلل لقاءات الترحاب بين شخصين قبلات على الخد ومعانقة بالأكتاف للتعبير عن المودة، ولكن هذه الممارسات لم تعد مقبولة بل وتعتبر محظورة في زمن كورونا .

كثير من العراقيين الآن يبقون على مسافة فيما بينهم حتى مع أقرب الناس إليهم، خشية من نقل الفايروس. لم تعد بعد التحية بين الرجال والمصافحة وتبادل القبلات على الخد والكتف ولا العناق بين النساء قائمة، لقد وضع هذا الداء حداً لهذه التقاليد المتوارثة ولو بشكل مؤقت .

فرضت السلطات العراقية بتاريخ 16 آذار إجراءات صارمة بسبب تزايد أعداد الإصابات بالمرض. ومنعت أيضاً إقامة التجمعات والزيارات الدينية وكذلك منع إقامة مجالس العزاء وحفلات الزواج. ولكن هناك بعض العراقيين ممن لم يلتزموا بهذه التوجيهات .

جاسب لطيف الحجامي، مدير دائرة صحة في منطقة الكرخ ببغداد، قال – قبل مدة - إن شخصاً مصاباً بكورونا أعدّ مأدبة لأكثر من 80 شخصاً للاحتفال بعودته من إيران. وشكك الحجامي بقدرة السلطات على اقتفاء أثر 80 شخصاً من الذين حضروا المأدبة والذين كانوا ملامسين للشخص المصاب، وحث مدير الصحة الناس أيضاً على ضرورة حجر أنفسهم في البيت عند عودتهم من السفر. وحتى شهر شباط الماضي، كانت السلطات العراقية تسمح بإقامة حفلات الزواج ونصب مجالس العزاء. مع ذلك، فإن بعض العشائر وجهت أبنائها بالتخلي عن عادة التقبيل والمصافحة عند اللقاء بين اثنين وأمرت الذين يحضرون مناسبات اجتماعية أن يحافظوا على إبقاء مسافة في الجلوس بين واحد وآخر . وضمن التقاليد والأعراف الاجتماعية العراقية، فإن عوائل الشخص المتوفي وخصوصاً في مناطق الوسط والجنوب اعتادوا أن ينصبوا صفاً من الخيم لاستقبال المعزين، هذا فضلاً عن تقديم القهوة العربية وغالباً ما تتخلّلها وجبتا طعام يومياً خلال فترة جلسة العزاء. العشرات ممن يحضرون مجالس العزاء تُقدم لم القهوة من نفس الفنجان الذي شرب منه عشرات آخرين قبلهم بدون أن يُغسل .

ولكن العشائر التي تتمتع بنفوذ اجتماعي واسع منعت هذا التقليد. حيث استبدل عنها بأكواب ورقية ذات استخدام واحد وقسم من العشائر حتى امتنعت عن تقديم القهوة .

من ناحية أخرى، فإن قسماً من العراقيين يرون ذلك شيئاً مخجلاً بعدم إقامة مجلس عزاء لموتاهم. حمزة يحيى، الذي توفي جدّه في بغداد في نهاية شهر آذار يقول "عدم إقامة مجلس عزاء للمتوفي هو بمثابة إهانة للميت ولعائلته."

السلطات الأمنية في منطقة حي الشعلة في بغداد منعت عائلة يحيى من إقامة مجلس عزاء ونصب خيم في الشارع. العائلة استقبلت المعزين داخل بيتهم، حيث وضعوا مسافة بين مقعد وآخر وقاموا بتعقيم وتطهير المكان والأبواب، وتم تقديم المياه المعدنية فقط للقادمين .

وقال يحيى في حديث لـ(المونيتر) "إنه أمر محزن. جدي من الشخصيات المعروفة في المنطقة، كثير من الناس لم يستطيعوا الحضور بسبب منع التجوال، فقط الجيران في المنطقة من حضروا، مع ذلك فإن صحة الناس مهمة جداً بالنسبة لنا، نحن لا نريد أن يتحول مجلس عزاء جدي الى بؤرة لنقل العدوى، قدّمنا المياه المعبأة بقناني فقط للضيوف وحاولنا تعقيم وتعفير كل شيء ."

كما هو الحال مع مجالس العزاء، فإن حفلات الزواج يحضرها أيضاً كثير من المدعوين والتي عادة ما تقام في قاعات تكون مكتظة بالناس .

عمار الكعبي، من أهالي منطقة الطالبية شرقي بغداد، حدّد يوم العاشر من نيسان موعداً للاحتفال بزفافه، ولكنه ما لبث أن بلّغ جميع أقاربه وأصدقائه من الذين وجّه إليهم دعوة مسبقة بأن حفل الزواج قد تأجل الى إشعار آخر .

وقال الكعبي "تمنيت أن تكون الظروف أفضل لأتمكن من إقامة حفل زواجي، ولكن خطورة فايروس كورونا أصبحت أكثر وطأة. لا أريد أن أقيم احتفالا بأجواء مخيفة ."

منذ 22 آذار شددت السلطات الامنية إجراءات فرض الحظر على السكان مع فرض عقوبات وغرامات على المخالفين، تخلّلها بعض الأحيان مصادرة العجلات والدراجات النارية. ولكن في حالة واحدة شهدتها محافظة الديوانية ضمن هذه الظروف، هو أن هذه القوات الأمنية نفسها ساعدت زوجين من أبناء المحافظة الراغبين بالزواج في أن تسير سيارة العروسين المزينة عبر شوارع المدينة والتي أوصلتهم الى الفندق حيث قضوا ليلة زواجهما هناك .

في جنوبي العراق، كثير من زعماء العشائر والقبائل أرجأوا جلسات لقائهم الدورية. أما الذين أبقوا على إقامة مجالسهم فقد فرضوا إجراءات وقائية لمنع حصول عدوى لفايروس كورونا، واشتملت تلك الشروط على الزائرين ضرورة ارتداء كمامة وجه وعدم التصافح وتبادل القبلات. ومنعوا أيضاً أي شخص يشعر بأنه مريض أن يحضر اللقاءات والاجتماعات أو أن يتصل مع أي فرد من عشيرة أخرى .

وبينما عمل هذا الوباء على تعديل وتغيير كثير من عادات العراقيين وتقاليدهم، فإنه يبدو أن كل فرد مستعد لاستئناف تلك التقاليد مباشرة حال القضاء على فايروس كورونا .

عن: المونيتر

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top