عبد الحسين نوشين رائد المسرح الإيراني الحديث

عبد الحسين نوشين رائد المسرح الإيراني الحديث

عادل حبه

ولد عبد الحسين محمد باقر نوشين المعروف بمؤسس المسرح الإيراني الحديث في عام 1905 في مدينة مشهد، وفارق الحياة في موسكو عام 1971.

أبدى في طور شبابه تعاطفاً مع حركة الكولونيل محمد تقي خان پاسبان (1892-1921)، وهو أول طيار في القوات المسلحة الإيرانية ثم أصبح قائداً للجندرمة الإيرانية في خراسان وقام بمحاولة إنقلاب في خراسان وأعلن الحكم الذاتي فيها وأسس الحزب الديمقراطي، ثم قمع من قبل الحكومة المركزية وأعدم في عام 1921. لقدعاصر نوشين الحقبة الأكثر غلياناً في تاريخ إيران. وعلى الرغم من أن نشاطه الفني في إيران لم يتجاوز الخمس سنوات، إلاّ أنه تميز بالإبداع والاستمرارية والانتاج. تميز في شبابه بالتفوق الدراسي، وبعد أن انهى الدراسة المتوسطة في مدرسة دار الفنون الشهيرة في طهران، أرسل في أول بعثة دراسية إيرانية إلى فرنسا في عام 1918. و بسبب تعلقه بالمسرح أختار دراسة الفن المسرحي في الكونسرفتوار الفني في مدينة طولوز الفرنسية، على الرغم من معارضة المسؤولين في وزارة التعليم الإيرانية. وإستطاع انهاء الدراسة في عام 1922 ليعود بعدها إلى إيران، وخلال فترة دراسته في فرنسا تعرف على الأفكار اليسارية إضافة إلى الفن المسرحي وحلم بتأسيس مسرح حديث في البلاد.

التحق في طهران بمحرري نشرة "الموسيقى" التي أدارها العقيد مين باشيان، وتعرف على نخبة بارزة من المثقفين من أمثال مجتبى مينوي وبزرك علوي وصادق هدايت وبرويز خانلري ونيما يوشيج، وجميعهم من رواد الأدب الإيراني الحديث، إضافة إلى تعرفه على شخصيات يسارية إيرانية وعلى رأسهم الفليسوف والقيادي في الحزب الشيوعي الإيراني تقي آراني. وأرسى نوشين بذلك علاقة وطيدة مع الشيوعيين الإيرانيين لفترة إستمرت حتى قبيل وفاته. 

عند عودته إلى إيران وجد أن البلاد تمر بمرحلة جديدة حيث كان المجتمع يسعى إلى إعادة بنائه في الميدان الثقافي، ومن ضمنها الحاجة إلى إعادة بناء المسرح. فالمشاهد التقليدية مثل مراسيم عاشوراء والمراسيم الدينية وتقديم العروض على خشبة توضع على حوض النافورة في وسط باحة البيوت (رو حوضي) السائدة آنذاك، تتعارض مع متطلبات المسرح الحديث. وفي فترة إمتدت من ثورة المشروطة (الديمقراطية) في عام 1905 وحتى إنهيار حكم رضا شاه إثر الغزو البريطاني -السوفيتي لإيران عام 1941، حاول عدد من الفنانين إعادة بناء المسرح. وإعتقد عبد الحسين نوشين إنه من غير الممكن إعادة بناء المسرح الإيراني بالاستناد إلى المسرح التقليدي المحلي، بل على أسس الفن المسرحي الحديث. وكانت أول تجربة حديثة خاضها هي عرض مسرحية "بإسم الشعب" للكاتب الدرامي الفرنسي مارسيل پانيول في عام 1933 كتعبير عن تأثره بالمسرح الغربي. كما حاول إستعارة النصوص القديمة الإيرانية في تقدديم مسرحياته بشكل حديث، وقدم ثلاث مسرحيات مقتبسة من ملحمة "الشاهنامة" للملحمي أبو القاسم فردوسي في عام 1934 بمناسبة الذكرى الألفية لميلاد الشاعر الملحمي أبو القاسم فردوسي، وقام نوشين بدور رستم بطل الشاهنامه. وإثر ذلك إشتهر نوشين كمسرحي متجدد. بعدها سافر مع زوجته لُرتا هایراپتیان (نوشين) إلى موسكو وباريس للإستفادة من تجارب الفن المسرحي في هذين البلدين. 

على اثر سقوط رضا شاه في السادس عشر من أيلول عام 1941، ساد جو من الحريات النسبية في إيران مما أتاح للفنانين والمسرحيين والمثقفين تقديم نتاجاتهم بحرية. كان نوشين على إعتقاد راسخ بأن إرساء قواعد مسرح حديث وعلى أسس علمية يحتاج إلى فنانين مهرة، ولذا بادر إلى تأسيس "كلية الفن" التي ألقيت فيها محاضرات ذات مستوى رفيع حول الفن المسرحي وفن الإلقاء، وتخرج من الكلية ممثلون بارزون من أمثال صادق شباويز ومحمد علي جعفري وعزت نظامي ونصرت كريمي. وركز نوشين في محاضراته على بناء متكامل للمسرح الجديث في إيران بدءاً من جولات قراءة النص حول الطاولة والبروفات التي تستمر لعدة شهور وتعزيز مهارات التعبير واللهجة عند الممثل وميزان الحركات على المسرح وإستخدام المسرح الدوار والإهتمام بفن الديكور واستخدام الموسيقى الكلاسيكية المتناسبة مع مضمون المسرحية والإستخدام الدقيق للإضاءة ومراعاة النظام في قاعة العرض، مما أدى إلى أن يتأثر المسرح الإيراني وحتى جمهور المسرح بالحداثة، وتغير فن المسرح في البلاد كلياً. وكان عبد الحسين نوشين يردد على الدوام:" يجب على كل فنان مسرحي أن يتمتع بالإحساس والعلم والثقافة كي يستطيع الكشف عن القيم التي تتضمنها المسرحيات الكبرى وأن تصبح المسرحية قابلة للفهم من قبل الجمهور". 

في عام 1944، بادر نوشين إلى تأسيس أول فرقة مسرحية باسم "مسرح الثقافة"، التي قدمت أول مسرحية لها للشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي بن جونسون (1572 –1637)، وبذلك دشن المسرح الإيراني أول خطوة من خطوات 

تطوره. وعلى حد قول حميد سمندريان المخرج والأستاذ المسرحي:"ما أن شرع عبد الحسين نوشين في نشاطه المسرحي حتى أدرك الجميع بسرعة أن الفن المسرحي في بلادنا شرع بحقبة جديدة. فقد أولى نوشين أهمية إستثنائية للقاعة وخشبة المسرح وأتسمت العلاقة بين العاملين في المسرح والجمهورعلى الإحترام المتبادل. فبعد الشروع بتقديم العرض يتم غلق أبواب القاعة ويمنع التدخين والأكل داخلها، ولا يسمح أثناء العرض بالحديث أو الهمس إلاّ في نهاية العرض. وإعتبر أن للمسرح حرمة لا يجب إنتهاكها، ولذا كان ينتقي النصوص المناسبة ولم يسمح بتقديم أي من النتاجات المبتذلة أو التجارية.

في عام 1947، قدم نوشين على مسرح فردوسي الجديد حسن التجهيز، والذي تم تأسيسه برعاية حزب توده إيران، مسرحية "المستنطق" من تأليف الروائي والكاتب المسرحي الإنجليزي جان بوینتن پریستلي ( 1894-1984) . وبعد ذلك 

خطا خطوة أخرى إلى الأمام، ليتحول هذا الفن في إيران إلى فن يحظى بإحترام الرأي العام بحيث أقبلت المرأة الإيرانية بدون خجل أو وجل على الإنخراط في هذا النشاط الفني الرفيع. وبرزت فنانات قديرات منهن توران مهرزاد ومهين إسكوئي وأعلم دانائي وشهلا رياحي. وإلى جانب تقديم عروضه في مسرح فردوسي ، فإن نوشين قدم أيضاً عروضه المسرحية في نادي حزب توده إيران في العاصمة طهران. وقدم في ذلك الوقت على مسرح فردوسي مسرحية "الطائر الأزرق" لموريس مترلينك الشاعر والكاتب المسرحي البلجيكي ( 1862 - 1949) و "ثلاثة سراق" للكاتب الروسي ساراجيف و "مصباح الغاز" للكاتب المسرحي الإنجليزي باتريك هاميلتون ( 1904-1962) . إلاّ أن هذه الفسحة من الحريات لم تدم طويلاً، وعادت المضايقات والملاحقات تلاحق كل المثقفين والفنانين وأنصار الفكر الحر والقوى الوطنية والديمقراطية الإيرانية، وذلك بعد تعرض شاه إيران إلى محاولة إغتيال في جامعة طهران في الرابع من شباط عام 1949. وفبرك الإتهام كالعادة ضد حزب توده إيران، وجرى الحظر على نشاطه وملاحقة أنصاره ومنهم الفنان عبد الحسين نوشين، وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات في محكمة عسكرية، كما جرى الحكم على عدد من قادة الحزب بأحكام ثقيلة. وبعد إعتقاله والحكم عليه أرسل الكاتب الإيراني صادق هدايت رسالة إلى صديقه عبد الحسين نوشين وهو في السجن قال فيها:" إني لشديد الأسف لتعرضك لهذا الوضع غير قابل للتحمل والدنيء, في الحقيقة إنني لا أفهم ماذا يجري، ولكن مما يثير الضحك والعجب هو أن أفراداً يعيشون في بلد يعزف حكامه على نغم الديمقراطية والحرية يتعرضون للملاحقات والعسف بسبب أفكارهم خلافاً للقانون والإنسانية ويتعرضون إلى التعذيب والمهانة". إلاّ أنهم لم يستمروا في سجن قصر في طهران فترة طويلة حيث تولى تنظيم الضباط التابع للحزب عبر مخطط دقيق بإطلاق سراحهم وتهريبهم من السجن وانتقالهم إلى الإتحاد السوفيتي

ولكن على الرغم من التضييقات والملاحقات، استمر طلاب عبد الحسين نوشين بنشاطهم وأسسوا "مسرح سعدي"، وقدموا على خشبته أول مسرحية في هذا المسرح الجديد وهي مسرحية " مروحة السيدة ويندمير" لمؤلفها الكاتب والشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد. وقد حظي هذا المسرح الجديد بإستقبال الرأي العام في العاصمة والمدن الأخرى الإيرانية. وقد تولت إدارة المسرح بشكل رسمي السيدة لُرتا هایراپتیان زوجة عبد الحسين نو شين وحسين خيرخواه المساعد

الأيمن لنوشين، وكان نوشين يقدم لهم من السجن الملاحظات والتوجيهات ، بل وحتى اللقاءات مع الممثلين خلال موعد الزيارات مع السجناء، مما ذاع صيت هذا المسرح في عموم البلاد. كما عرض مسرحية "مونتسرا" للكاتب والشاعر والسيناريست والكاتب المسرحي الفرنسي عمانوئيل روبلز في عام 1953، وأعتبر ذلك مؤشراً على وقوف الرأي العام الإيراني بوجه الديكتاتورية العسكرية الحاكمة في إيران. ولكن ما أن مرت بضع شهور حتى قام أنصار الشاه وبدعم من المخابرات المركزية الأمريكية بإنقلابهم ضد حكومة مصدق الوطنية في آب عام 1935، ووجه أزلام الإنقلاب والشقاة كل حقدهم ضد حزب توده إيران في الأساس رغم الحظر الذي فرض على نشاطه سابقاً، وكان "مسرح سعدي" أحد الأهداف التي هاجمها الأوباش أنصار البلاط الملكي حيث جرى تحطيمه ومحاصرة العاملين فيه وتم إغلاق المسرح وإنتهى دوره، رغم أن الدور الإيجابي الذي لعبه هذا المسرح مازال باقياً في وجدان وضمير المواطنين الإيرانيين. وكان نوشين يردد على الدوام :" إن المسرح هو عرض، ولكن ليس كل عرض هو مسرح". 

في موسكو شرع عبد الحسين نوشين بالبحث في آثار الشاعر أبو القاسم فردوسي، وإنكب بشكل خاص على البحث في ملحمته "الشاهنامة" بالتعاون مع المستشرقين السوفييت، وترجمة عدد من المسرحيات الأجنبية لأنطون تشيخوف 

ووليام شكسبير(عطيل) ومكسيم غوركي ( في أعماق المجتمع) وآخرون. كما ألف عدد من المسرحيات (مثل ديك الفجر) و (تأثير المرأة الملتزمة) وعدد من القصص القصيرة (ميرزا محسن، فاطي)، حيث تناول فيها نوشين المشاكل الإجتماعية الحادة وركز عليها، وإعتبرها سنداً إجتماعياً يدين الأوضاع الشاذة التي يعاني منها المجتمع الإيراني. أما مسرحية " ديك الفجر" فهي الأخرى نموذج للإدب الإجتماعي والإلتزام السياسي للفنان في أوج نشاط نوشين السياسي، إضافة إلى كونها تعالج الأوضاع المأسوية للعمال آنذاك. وكتب نوشين هذه المسرحية تحت تأثير مسرحية مكسيم غوركي "الأعداء". أما مسرحية "تأثير المرأة الملتزمة" فهي تنتمي إلى الأدب الحزين والكئيب، حيث ينتقد فيها المؤلف ظاهرة الإفراط بالعربدة واللهو والبطالة والسلوك غير المسؤول تجاه الزوجة والأطفال، وتتضمن المسرحية دعوة إلى الإبتعاد عن إصدقاء السوء وتشجيع الحب النقي والتضحية، ولها طابع أخلاقي بحت.

توفي عبد الحسين نوشين في أحدى مستشفيات موسكو في يوم الأول من أيار عام 1971 إثر إصابته بمرض سرطان المعدة، وهكذا أفل نجم فنان وكاتب وإنسان متميز خلّف وراءه فيض من العطاء الفني والمعرفي والثقافي والإنساني.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top