الـوثـائـقـيـات الـعـلـمـيــة

الـوثـائـقـيـات الـعـلـمـيــة

لطفية الدليمي

" العلمُ مزيّة جميلة ، وهو أداة عظيمة المنفعة "

مونتين

تختزل عبارة مونتين الأيقونية ، وعلى نحو مكثّف رائع ، أهمية العلم الجوهرية في جانبيه القيمي والنفعي منذ أن صار العلم قوّة راسخة في تطوير الحياة البشرية والارتقاء بها نحو مستويات أعلى ؛ لكن ماذا عن العلم باعتباره نسقاً ثقافياً ؟ ، أو لنجعل السؤال مُصاغاً بطريقة أكثر دقّة من الناحية المفاهيمية : ماذا عن البنية التحتية القيمية التي يساهم العلم في ترسيخها والإرتقاء بها وبخاصة في بيئتنا العربية ؟ تلك موضوعة معقّدة ومشتبكة ، وهي موضع دراسة مبحث تأريخ العلم وفلسفته بالإضافة إلى أنثروبولوجيا العلم وعلم اجتماع المعرفة العلمية ، ولستُ هنا بالطبع في موضع تناول كلّ هذه الإشتباكات المعرفية ؛ بل سأعمل على إلقاء الضوء على موضوعات محدّدة في هذا المبحث الحيوي . 

عندما قرأت كتاب ( ألف باء النسبية ) للفيلسوف البريطاني ( برتراند راسل ) قبل سنوات بعيدة، دفعتني تلك القراءة للمضي في قراءة كتاب ( النسبية : النظرية الخاصة والعامة ) الذي كتبه ( ألبرت آينشتاين ) ذاته واضع تلك النظرية .تتراءى أمامي تلك القراءات كلّما تابعتُ على إحدى الفضائيات أو على اليوتيوب سلسلة وثائقية تتناول إحدى الموضوعات العلمية التي يحفل بها عالمنا المعاصر ، ولطالما تساءلت بعد كلّ مشاهدة مثمرة : لِمَ يبدو العلمُ لدينا مملكة عصية الإختراق لاتفتح مغاليقها إلا لصفوة من النخبة ( أو بتعبير أدق : لمن نتصوّرُ أنهم الصفوة البشرية المنتخبة ) ؟ وماالسبب الذي يجعل العلم لدينا أقرب إلى الملغزات المفاهيمية المستعصية على الفهم الجمعي ؟ ولماذا يبدو لنا آينشتاين - على سبيل المثال - أحد الشخوص الأسطورية في الوقت الذي يتعامل معه الغربيون باعتباره شخصية ثقافية حالها حال الكثير من الشخصيات الثقافية التي نتعامل معها بصورة يومية ! 

ثمّة عنصر محدّد أصبح الأكثر تأثيراً من سواه في تشكيل الأنساق الثقافية العالمية منذ عصر النهضة الأوربية ، وأعني به ( العلم ) الذي أصبح القوّة الثورية القادرة على إعادة رسم خارطة التضاريس الثقافية في العالم وبخاصة بعد أن ساهمت تطبيقاته التقنية في الإرتقاء بنوعية الحياة البشرية ، وكبحت المعوّقات التي تقيّد مسيرة التطوّر الإنساني وفتحت آفاقاً غير مسبوقة من الممكنات أمام العقل البشري . 

من الواضح اليوم أنّ العلم - وتطبيقاته التقنية المتسارعة - صار الأداة الأولى المعتمدة لخلق الثروة في عالمنا المعاصر بعد أن كانت الثروة قائمة على الملكيات العقارية الضخمة ، ثمّ صارت تعتمد على الموارد الطبيعية في وقت لاحق قبل انفجار الثورات العلمية المتلاحقة التي تُوّجت بالثورة المعلوماتية - تلك الثورة التي تبشّر بولادة عصر مابعد الإنسانية حيث سيكون نموذج ( العقل البشري المعزّز بوسائط الذكاء الإصطناعي ) هو النموذج المتوقّع بعد عشرين سنة من يومنا هذا ( كما يتوقّع المُنظّر المستقبلي وعالم الذكاء الإصطناعي راي كيرزويل Ray Kurzweil ) . 

من جانب آخر يُنظَرُ إلى الثقافة باعتبارها ممارسة بشرية تختصّ بالكائنات البشرية التي غادرت منطقة الحاجات البيولوجية البدائية (طبقاً لمُخطّط ماسلو Maslow في التراتبية الهرمية للحاجات الفردية ) ، وبلا شكّ فإنّ العلم هو القوة الأساسيّة التي حرّرت الإنسان من عبء العمل الميكانيكيّ الرتيب ووفّرت له الكثير من الوقت والمال اللازمين لكلّ ممارسة ثقافية وتمكين معرفي على الصعيد الفردي . 

ليس العلم بذاته محض قوانين ومعادلات رياضياتية حسب ؛ بل هو توليفة متكاملة ومتناسقة من أنساق مفاهيمية تمنح الفرد قدرة على رؤية العالم بطريقة متمايزة نوعياً عمّا يراه الفرد غير المؤهّل علمياً ، وتنعكس آثار هذه الرؤية على كيفية تشكيل الثقافة إلى حدّ أصبحنا معه نشهد الكثير من المنظّرين الثقافيين وممارسي الثقافة المؤثّرين من الحائزين على أرقى المؤهلات العلمية في الفيزياء والرياضيات وسواها . 

بالإشارة إلى هذه المؤثرات الثلاثة ، وبقدر مايختصّ الأمر ببيئتنا العربية ، يبدو أنّ إختلالاتٍ هيكلية عميقة ضاربة الجذور قد تمكّنت من رسم معالم الأنساق الثقافية العربية ودمغها بتلك السمات المعروفة عنها وهي - في معظمها - تتمحورُ على إعلاء شأن الإشتغالات النسقية الفكرية العتيقة وترسيخ سطوتها ، وتقليدية المناهج الدراسية وتخلّفها ، وغَلَبَة الدراسات اللغوية التقليدية التي جعلت اللغة العربية أقرب إلى ألاعيب حُواة وسَحَرة تعتمد على الفذلكات والمناورات بدل جعلها عاملاً مساهماً في النهضة الثقافية الشاملة عبر تطويعها المهذّب والمتناغم – البعيد عن التصنّع - مع التطوّرات الثقافية العالمية . 

لايمكن فصل التأثير المتبادل المفترض بين العلم والأنساق الثقافية في المشهد العربي عن نمط تشكّل الثروة لدينا ؛ إذ لازالت كثير من الأوساط تُعدّ العلم إشتغالاً فوقياً بعيداً عن ملامسة قاع البنية التحتية للثقافة، وتتعاظم معالم هذه ( الفوقية ) كلّما كان الاقتصاد ريعياً لايتطلّب تفعيل الإشتغالات المعرفية التي تحرك ماكنة الاقتصاد وتوفر المصادر المالية التي تديم زخم الثقافة وارتقائها . 

فطنت المجتمعات المتقدمة ومنذ عقود إلى هذه الحقائق الستراتيجية ؛ الأمر الذي دفعها إلى السعي وراء توظيف كلّ الوسائل الممكنة لنشر الثقافة العلمية وجعلها مادة مشاعية بكلّ الطرق المُتاحة . القراءة - بكل تأكيد - هي إحدى أهم وسائل الإطلاع على تنويعات الخارطة العلمية وبخاصة أن تلك المجتمعات تمتلك تقاليد عريقة في تعزيز أهمية القراءة منذ البواكير الأولى لنشأة الصغار؛ غير أن التجربة المتواترة كشفت لهم أنّ القراءة وتقاليدها الراسخة ، لم تعُد الوسيلة الوحيدة للإطلاع على المتغيرات المتسارعة في العلم والثقافة العلمية بسبب زيادة الجرعة التقنية التخصصية التي تتطلب تدريباً شاقاً في معظم الفروع العلمية الحديثة فضلاً عن الضغوطات الحياتية التي ماعادت تتيح للمرء أن يحافظ على تقاليد قرائية كلاسيكية الطابع بمثل ماكان شائعاً في القرن التاسع عشر وفترة ماقبل الحرب العالمية الثانية . 

تأسيساً على هذه الملاحظة لجأ المسؤولون عن رسم وتنفيذ السياسات العلمية الحديثة إلى الإستعانة بالوسائط البصرية والأفلام السينمائية في تقديم المعرفة العلمية المطلوبة ؛ فالانسان العادي، يظلّ كائناً حسياً تجتذبه الصور المرئية التي تخاطبُ حواسه أجمعها، وهذا أمر لايتاحُ له عند القراءة التي تشغّل الطاقة العقلية والخيال إلى إلى أقصى المديات ، إلا أن هذا الأمر لايحصل إلا لدى فئة قليلة من البشر . كانت هذه الحقيقة هي الإنطلاقة التي دفعت بتلك المجتمعات أن توجّه اهتمامها نحو أفلام الخيال العلمي والوثائقيات العلمية ، وهي في مجملها منتجات بصرية رفيعة الصناعة وقيمّة المحتوى . ورافق ذلك شيوع الكتابات العلمية التي تتوجّه للقارئ العام ( على شاكلة كتاب " موجز تأريخ الزمان " للراحل ستيفن هوكنغ ) ؛ لكن تبقى الوثائقيات العلمية أكثر شيوعاً ومتابعة ؛ بل صار تقليداً أقرب إلى سياسة ثابتة أن يتمّ تحويل الكتب العلمية التي تلقى مقروئية عالية إلى سلسلة علمية وثائقية يقدّمها مؤلف العمل ذاته ممّا أدّى إلى نشوء طبقة من مقدّمي السلاسل العلمية الذين يشغلون غالباً مواقع أستاذية في جامعات مرموقة وباتوا ينافسون أبرز مُقدّمي برامج الترفيه الشائعة ( على شاكلة أوبرا وينفري ) . 

وسأذكر هنا خمسة نماذج مميزة لمقدّمي هذه السلاسل الوثائقية العلمية ، وهم علماء مرموقون ممّن لعبوا أدواراً عظيمة الأهمية في إشاعة الثقافة العلمية وجعلها عنصراً إستراتيجياً في الأنساق الثقافية الغربية، وأحسب أن إشارتي هذه هي دعوة لمتابعة السلاسل العلمية لهؤلاء ( وهي متاحة بالمجان على الشبكة العالمية ) :

1 . ميتشيو كاكو Michio Kaku : بروفسور الفيزياء النظرية في جامعة نيويورك الذي يخبرنا بأنه حاول في طفولته بناء مسرّع للجسيمات الدقيقة في مرآب منزله !! . أنجز كاكو العديد من الوثائقيات الملهمة ؛ إنما تبقى - برأيي- سلسلته المسماة ( رؤى مستقبلية ) هي الأفضل من سواها . 

2 . جِم الخليلي Jim Al-Khalili : وهو - كسابقه - بروفسور للفيزياء النظرية في بريطانيا . يذكر الخليلي العراقي الأصل أيام نشأته الأولى في العراق باعتبارها من أطيب ذكرياته ، وقد بلغ به تميزه العلمي - فضلاً عن مساهمته في إشاعة الثقافة العلمية الجمعية – أن تكرمه ملكة بريطانيا بمنحه رتبة ( فارس ) . أرى أن سلسلتيه الوثائقيتين ( قصة الذرة ) و ( الفوضى ) رائعتان ومبهرتان إلى أقصى الحدود . 

3 . ماركوس دو سوتوي Marcus du Sautoy : الأستاذ اللامع للرياضيات في جامعة أكسفورد ، الذي قدّم الكثير من الوثائقيات الرائعة وفي مقدمتها سلسلة ( قصّة الرياضيات ).

4 . بريان كوكس Brian Cox : الشاب الوسيم الذي إبتدأ حياته عضواً في إحدى فرق الموسيقى الشعبية في بريطانيا ، ثمّ أكمل دراسته في الفيزياء حتى حصل على شهادة الدكتوراه في فيزياء الجسيمات الأولية . ثمة الكثير من الوثائقيات العلمية الرائعة التي قدّمها البروفسور ( كوكس ) وبخاصة في ميدان الكوسمولوجيا ( علم نشأة الكون وتطوّره ) .

5 . بريان غرين Brian Greene : الفيزيائي والبروفسور في جامعة كولومبيا الذي حقّق كتابه ( الكون الأنيق The Elegant Universe ) مبيعات هائلة دفعت إلى تحويله لعمل وثائقي بتقديم البروفسور ( غرين ) ذاته . يمكن للمتابع الشغوف أن يعثر في الشبكة العالمية على العديد من الوثائقيات العلمية للبروفسور ( غرين ) تتناول موضوعات فيزيائية مهمة في عصرنا الراهن ( مثل فيزياء الكم والنسبية ) . 

إنّنا مُقبلون خلال عقدين من الزمان على عصر غير مسبوق ستكون فيه المعرفة العلمية الرفيعة والدقيقة ركناً أساسياً من مشهد المعيشة البشرية اليومية فضلاً عن الثقافة بكلّ أنساقها المتنوّعة ، ولن يكون هناك متّسع لمن تعوزه مفاهيم العلم الجوهرية ( مثل : نظرية كلّ شيء، الدماغ المعزّز بالقدرات الإحتسابية، الذكاء الإصطناعيّ العميق ، الهياكل وخوارزميات البيانات، الحوسبة الكمّية ،،، إلخ ) ولن يكون بوسعه مجاراة العيش في الغد مالم تشكل هذه المفاهيم ركناً جوهرياً في ثقافته العامة مثلما في حياته اليومية .

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top