مركز  حيدر علييف  الثقافي  في باكو: عندما تمحو العمارة الحدود

مركز حيدر علييف الثقافي في باكو: عندما تمحو العمارة الحدود

د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

من حسن الصُّدَفِ أن تكون "زهاء حديد" (1951 -2016)، هي مصممة <مركز حيدر علييف الثقافي> (2007 - 2012) في باكو بأذربيجان،

ومن محاسن الصُّدَفِ لي شخصياً، أن تكون هي ذاتها مصممة المركز إياه؛ لنرى كيف يمكن أن تكون نتيجة فعالية التأويل والتفسير للقيم المعمارية المحلية، التي تستقي بعضاً من مرجعيتها التراثية من العمارة الإسلامية (التي انتمي اليها مثلما تنتمي المعمارة إليها أيضاً!)، ولنشاهد كيف تعمل في صياغة منجز معماري مدهش! ذلك لأن المُصممة، ما فتئت، تشير بأن عملها ذاك ناجم أيضاً من حضور المبادئ والقيم الخاصة بالعمارة الاسلامية. وها نحن، في النتيجة، إزاء حدث معماري مبهر، تتطلع مصممته ليكون حدثاً لافتاً، إن كان لجهة اصطفاء لغته المعمارية الخارجية الآخاذة، أم لناحية خلق تنويعات أحياز فضاءاته الداخلية الفاتنة!

وبادئ ذي بدء، يتعين القول، وقبل الحديث عن عمارة المركز في باكو، بأننا أزاء مقاربة تصميمية خاصة، لا يمكن إدراك ماهيتها التكوينية عبر الأسلوب التوصيفي Descriptive. إذ يظل هذا الأسلوب معنيا ومحددا بالنتائج المرئية للمعطى التصميمي، في حين ان المطلوب هو الغوص في كنه تلك المقاربة واستجلاء جوهرها. وهذا يتأتى من فهم عوامل عديدة أثرت في صياغة وظهور تلك المقاربة، وهي عوامل عديدة ومتشعبة، قد لا تكون خاصة فقط في الشأن المعماري. بتعبير آخر، إن المطلوب هو معرفة خواص "الماكنة" المفاهيمية، المؤهلة لاستيلاد مثل تلك التصاميم، عند ذاك يتم إدراك واستيعاب مسوغات "العمل الأذربيجاني" بكل غرائبية "فورمه" الاستثنائي، مرة كتبنا عن منجز زهاء حديد مايلي ".. أيكون، إذن، منجزها التصميمي عابراً لمعنى التأطير المفاهيمي؟ هل يؤسس ذلك المنجز المتمّيز، هو الذي أعلن قطيعته تماما مع كل ما هو مألوف ومعروف في المشهد المعماري وخطابه، نهجاً خاصاً به بعيداً عن نطاق التصنيفات وأنساق الطروحات؟ بالنسبة إليها، بالنسبة الى زهاء، هي معنية أساساً، كما تقول دائماً، في توسيع مفهوم العمارة المهني والمعرفي في آن؛ في مدّ تخوم مجال عمل العمارة، وأحياناً "تحطيم" حدودها و"محوها" أيضاً، والتطلع نحو آفاق مهنية جديدة، لم تكن سابقاً ضمن اهتمامات العمارة وحتى مجالها الحيوي المؤثر عادة، في قرارتها التكوينية. إنها تأخذ بعين الاعتبار كل تلك المتغيرات الكبرى التي طرأت على المعرفة، وتوظفها في إبداع عمارة تتجاوز بها المفهوم التقليدي، لتضحى منتجاً متأثراً بكشوفات تلك المتغيرات المشغولة بها البشرية الآن.... إنها بالتالي، تدعونا الى نسيان وحتى هجر ما وسم العمارة السابقة من قيم ومبادئ، وإحلال بدلاً عنها قيم جديدة تكون متساوقة مع متطلبات العصر، عصر المعرفة المتجددة، والبيئة المعلوماتية المتحكمة بها الالكترونيات، إنها باختصار تدفع في اتجاه إلغاء قوانين الهندسة الاقليدية المألوفة، والتوجه نحو صياغات تكوينية تتحدى قوانين الجاذبية، وتكون متخمة بالالتواءات والانحرافات والهشاشة والتنافر والتشظي وعدم التناغم بين عناصرها التصميمة". فالمنجز، هنا، يذهب بعيداً في خطاه نحو تخوم إبداعية ومعرفية، قد لا تكون معلومة جيداً للكثر من المتلقين. وهذا "التقدم" الجريء (هل أقول المقدام؟!)، يجد ضالته ومكانته هناك، في ذلك المكان القصي.. وغير المألوف. وزهاء حديد نفسها تذكرنا بهذا، عندما تقول ".. يتعين أن يكون كل شيء بالغاً حد الكمال، وعلى جانب كبير من الاتقان. كل شيء، حتى الأفكار، ثمة أبواب عديدة غير مغلقة لاتزال موجودة، هناك الكثير الذي يتعين فعله، وأجتراحه، وابداعه. فأنا، ببساطة، لا اعتقد بأن ثمة نهاية للإبداع!". 

من المعروف، أن المشاريع المصممة من قبل مكتب "زهاء حديد معماريون"، قد تم تنفيذها، في الغالب الأعم، باستخدام برامج حاسوبية "كمبيوترية" خاصة. فزهاء من أوائل المعماريين العالميين، إنْ لم تكن الأولى، في استخدام الكمبيوتر "كأداة" لتنفيذ أفكارها التصميمية ، وهي تتذكر ذلك وتقول "..عندما بدأت مشواري المهني، كان ثمة شعور لدي، بأن الثورة التكنولوجية قادمة. وهو ما تأكد لاحقاً، إذ بدأ التقدم المذهل في تكنولوجيا الكمبيوتر يعمل عمله في تغيير كل شيء . ولم ينحصر ذلك فقط في إيجاد تلاحم سلس لارتباط المبنى بالأرض، وإنما يتمظهر أيضاً في غياب التناقضات بين الفكرة وتمثلاتها التكنولوجية والتصنيع". 

ولكن ماذا يميز عمارة زهاء حديد، عن عمارة أقرانها المعماريين الآخرين، وعن مقارباتهم؟، ماذا يُفرقها عن العمارة "الأخرى"، ويتخالف معها؟ ما يميزها ويمنحها فرادتها، هي: اللغة؛ اللغة المعمارية، مضافاً اليها أسلوب تنطيقها. "اللغة" و"التنطيق"، هما، بالتالي، عماد المقاربة <الزهائية>. دعونا، إذاً، نتفحص هذه اللغة، ونعرج على أسلوب تنطيقها، في المثال الذي نحن بصدده وهو "مركز باكو"، بغية إدراك أعمق لما هو مجترح من "عمارة". ولكن قبل هذا وذاك، علينا أن نشير الى طبيعة المبنى ومحتوياته.

أُختير "مكتب زهاء حديد معماريون"، لإعداد تصاميم"مركز حيدر علييف الثقافي" في مدينة باكو عاصمة آذربيجان، بعد أن فاز المكتب في مسابقة معمارية نظمت لهذا الغرض سنة 2007. وفي العاشر من شهر أيلول من نفس السنة (2007)، وضع حجر الأساس إعلاناً لبدء التنفيذ، وفي العاشر من أيار سنة 2012 تم افتتاح المركز بصورة رسمية بحضور رؤساء دول عديدين. كان من جملة أهداف التصميم أن يعبر المركز عن ديمومة الثقافة الآذرية، في الوقت الذي تدلل عمارته عن تطلع الأمة بتفاؤل نحو المستقبل. يقع "المركز الثقافي" في وسط العاصمة الآذرية، في موقع لا يبعد سوى 2 كم عن <أرخبيل باكو المائي> المتشكل في بحر قزوين. وكان يشغل موقعه، ذو التضاريس غير المستوية في السابق، معمل تم تفكيكه ونقله الى مكان آخر. قدرت المساحة الكلية لمبنى المركز مع مجاوراته من فضاءات مفتوحة Landscape يضمنها حدائق منسقة وبرك مائية ونوافير ومسارات مكشوفة، بـ 16 هكتاراً، منها 13.6 هكتار مساحة الفضاءات المكشوفة لوحدها. في حين تقدر مساحة المركز الإجمالية بـ 57.5 ألف متر مربع، وهو يتألف من ثلاثة أقسام أساسية هي: "متحف حيدر علييف"، و"فضاءات للعرض" والقسم الثالث خاص بـ "صالة الاحتفالات" Auditorium. في قسم العرض الذي يشغل تسعة طوابق هناك قاعات للعرض مختلفة وكذلك القسم الإداري للمركز بالإضافة الى مطعم ومقهى. أما قسم صالة الاحتفالات، الذي شغل أربعة طوابق فثمة قاعة رئيسة، تسع لنحو 1000 مقعد، مع قاعتين آخريتين وغرف للقاءات الرسمية ومركز صحفي. وعدا بناية المركز الظاهرة للعيان، يضم المجمع موقف سيارات تحت الأرض ومنطقة تنزه، تبلغ مساحتها الاجمالية حوالي 13.6 هكتار. 

معلوم أن ”زهاء حديد” في جميع مشاريعها تتكئ في مقارباتها التصميمية على ستراتيجية ”التفكيك" Deconstruction، تلك الستراتيجية التي تدرك الفضاء المصمم و ”غطاءه” معاً، كقيمة تصميمية مميزة، تفضي الى تشكيل هيئات معمارية غير عادية ”تتلبسها” حركة موارة، تحيل تلك الهيئات الى محض كتل، تندمج فيها وظائف مفردات الإنشاء فيما بينها، وتتلاشي خصوصيتها، ويتأسس هذا الإدراك على قاعدة التفسير الذاتي والتأويل الشخصي لمجمل البرنامج التصميمي للمنشأ المصمم، مع الاهتمام بخصوصية المكان، ومن ثم ترجمة كل ذلك الى رسومات تخطيطية تقود لاحقاً الى تشكيل نماذج تصميمة عديدة. ومن خلال الاشتغال على هذا الأسلوب، فإنها نجحت في دمج متطلبات برنامج ”المركز” المتشعب نوعاً ما، للخروج بهيئة معمارية نادرة حافلة بحضور أسلوب ”انسياب” الفضاءات بصورة معبرة وجريئة. وهي تقول عن تصميمها للمركز: "..كانت لدي إمكانية أن انطلق بعيداً عن الأرض، ناشرة جناحيّ محلقة في الأفق البعيد!".

كما إنها تشير أن التصميم بشكل وبآخر اعتمد على أطروحة العمارة الإسلامية فيما يخص الحضور المتنوع "للانسيابية"، وهي تذكر بأن " نوعية الفضاء المنساب كان دوماً متأصلاً تاريخياً في منتج العمارة الإسلامية، وهنا، في هذا التصميم، تمنح العديد من الأحياز المتعاقبة والأشكال المتوالية، دفقاً من الإحساس بـ "اللانهائية"، تماماً مثل الأشجار في الغابة، خالقة بذلك حيزاً بتسلسل هرمي . ويمكن أن نجد تلك الاستمرارية عند الرسوم الزخرفية وأنماط الكتابة التي تمتد وتنتشر من السجاد نحو الجدران، ومن الجدران الى السقوف، ومن السقوف نحو القباب، مؤسسة لترابط سلس بين العناصر المعمارية والبيئة المحيطة، لاغية في الوقت ذاته الاختلافات فيما بينهما". وتضيف ".. لقد شرعنا في منح هذا المفهوم المعماري التاريخي، نبضاً جديداً، مجترحين بذلك "هوية جديدة" عمادها تلك التقاليد!". وفي النتيجة فنحن أمام بلاغة متقنة لصياغة معمارية لافتة، ليس فقط لجهة الإحساس بها لذاتها، وإنما أيضاً لناحية الارتقاء بالامكانات غير العادية، المرتبطة بالأسلوب المبتدع للفضاءات المنسابة.

لا يوجد أي حضور للخط المستقيم في جميع كتل وأشكال المركز، مثلما لا توجد زاوية قائمة فيها. كأن زهاء تتوق بهذا لتأكيد صدقية <بديهية> "انطوني غاودي" 1882 – 1926 A. Gaudi، القائلة بأن الطبيعة خالية تماماً من أي وجود للخط المستقيم فيها! وعلى العموم فان النظام الإنشائي في مركز باكو يعتمد على منظومتين أساسيتين متكافلتين وهما: النظام الهيكلي الخرساني، والتركيب الفضائي، Space Frame بغية اجتراح أحياز يمكن للمشاهد وزائر المركز أن يحس بخاصيتها ذات النزعة الإنسيابية. وقد استطاعت المعمارة أن "تطفئ" حضور العناصر الشاقولية للنظام الإنشائي وتغيبه من خلال دمجها داخل الجدران الستائرية أو ضمن الألواح الفاصلة، زيادة في حضور تأثيرات "الفضاء المنساب" الذي شكل ركناً اساسياً من عناصرتكوين المشروع المصمم.

شكلّت معالجة الغلاف الخارجي "وتضاريسه" أهمية بالغة في الحل التكويني للمركز. وقد جاءت الهيئة العامة للمبنى تستدعي الى الذاكرة حالة الأمواج، في حركتها الموارة، وهي تتعقب بعضها البعض الآخر. فالسقف الذي يغطي مساحة قدرت بـ أربعة هكتارات، تألّف من 2027 قطعة بأشكال هندسية مختلفة، كالمثلث والمربع والمستطيل وشبة المنحرف. واستخدم نوع خاص من الألياف "البوليستراتية" المقواة بالألياف الزجاجية، كمواد تكسية مثالية لسطوح المركز الشاسعة، لجهة توفيرها مرونة عالية لهيكل المبنى، في الوقت الذي تلبي مجموعة متنوعة من المتطلبات الوظيفية. ولا يرمز اللون الأبيض لهذه الألواح الى المستقبل المشرق فحسب، إذ بفضله ومن خلال تسليط أشعة الشمس على تلك الألواح، يتم اظهار الأشكال غير العادية للمبنى. ثمة تأكيد لاتصال مستمر بين خارج المبنى وداخله، تسعى المعمارة وراء تثبيته في الحل التصميمي من خلال إنارة المبنى سواء نهاراً أم ليلاً. فالأشكال المميزة وغير التقليدية للمركز تتغير هيئتها مع مرور وقت ساعات الإنارة النهارية، في حين أن تلك الأشكال تبدو في صيغ وحالات أخرى أثناء الإضاءة الليلية، حيث يتم توجيهها من الداخل نحو السطوح الخارجية، كاشفة بذلك محتوى تكوين المبنى الاساسي، ومحافظة على شدة الانسجام بين الداخل والخارج. 

لقد قدمت زهاء حديد (وبالتعاون مع مكتبها الاستشاري)، في عمارة "مركز علييف" الثقافي في باكو، نموذجاً لعمارة غير مسبوقة، إن كانت لجهة اللغة المعمارية الموظفة في التصميم أم لناحية تنطيق مفردات تلك اللغة. وبهذا النموذج اللافت والمميز، استطاعت المعمارة أن تؤسس "قطيعة نقدية" خاصة بها، كاشفة، بمهارة وإبداع، عن جملة من المتغييرات الجذرية التى وسمت مؤخراً خصوصية المشهد المعماري، هي التي أتاحت بفضلها ظهور ذلك النموذج المعماري المدهش! ويبقى "مركز علييف" الثقافي، من التصاميم القريبة جداً الى فؤاد معمارتنا المجتهدة، كما تصرح بذلك دوماً "زهاء حديد". وقد اعتبرت عمارة المركز "أفضل مشاريع العام" لسنة 2014 وفقاً لقرار "متحف لندن للتصميم" في بريطانيا، متخطية بذلك أسماء عالمية مرموقة عديدة كانت من بين تلك التصاميم المرشحة في هذا التقييم الرفيع. 

و "زهاء حديد" (1950 -1916)- معمارة مركز باكو، ولدت في بغداد / العراق في 31 اكتوبر1950، وحصلت على شهادة الليسانس من الجامعة الاميركية في بيروت، بفرع الرياضيات عام 1971. لكنها درست العمارة لاحقاً، في مدرسة الجمعية المعمارية بلندن/ المملكة المتحدة، وتخرجت منها عام 1977، وفي ذات السنة عينت كمعيدة في المدرسة التى تخرجت منها، ولاحقاً أصبحت استاذة زائرة في العديد من الجامعات المرموقة: الأوروبية والاميركية منها. صممت زهاء مشاريع كثيرة في بريطانيا وخارجها، وأحصيت البلدان التي صممت المعمارة مشاريع لها بحوالي 45 دولة، بضمنها وطنها الاصلي العراق، حيث صممت له مبنى البنك المركزي العراقي سنة 2012. حازت على جوائز مرموقة بضمنها جائزة "بريتزكر" عام 2004.

توفيت إثر نوبة قلبية في مدينة ميامي/ فلوريدا – الولايات المتحدة في 31 آذار سنة 2016.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top