باليت المدى: أول فتاة أحببتها

ستار كاووش 2020/08/23 06:55:25 م

باليت المدى: أول فتاة أحببتها

 ستار كاووش

لكل فنان مصادره الشخصية التي ينهل منها أشكاله وموضوعاته وتقنياته، وكل مبدع يحمل في صندوق عدته بعض التفاصيل الخفية التي تعود الى أيام بعيدة مضت، تفاصيل ترجع الى البدايات أو حتى أبعد من ذلك بكثير، حين كان هذا الفنان يتلمس طريقه وسط زحام خطوات الآخرين وعتمة تدافعهم،

وتستحضر مخيلة الفنان هذه الأشكال ليستلهم منها بعض الخطوط الموحية أو الإيماءات الملائمة أو التعبيرات التي تستقر على سطوح قماشاته وتدفع عمله الى الأمام، وهناك طاقة عظيمة تمنحها بعض الأشكال التي لا تريد أن تغادر الذاكرة، وحتى لو غادرتها بعض الوقت، فهي تعود دائماً بحلة جديدة، وترجعُ بإلتماعة ماكرة وحضور متجدد. 

اعترف بأني غريب الأطوار نوعاً ما، لكن لا مناص من ذكر ذلك، فعالم الفن هو في الأساس عالم يحمل الكثير من الغرابة والتداعيات وحتى العودة الى الطفولة والنهل منها، فالحياة تمضي بسرعة ونحن عادة ما ننسى قول أشياء أو توضيح تفاصيل كان يتوجب علينا ذكرها، لذا سأتحدثُ هنا عن أول فتاة شغلتني وأصبحت المثال الكامل لي فيما بعد وأنا أنظر الى النساء واختيار أشكال النماذج التي أرسمها في لوحاتي. 

كانت البداية حين رأيت بالمصادفة بعض الصبيان يلعبون خلسة بكارتات الكوتشينة قرب سياج المدرسة، فاقتربت منهم وحاولت مشاركتهم بذلك. قبلها كنت أعرف أشكال ورق اللعب بشكل عابر وغير دقيق، لكن هناك قرب سياج تلك المدرسة، حين وقع نظري على شكل البنت المطبوع في واحد من الكارتات وتأملت خطوط وجهها، كم شعرت بأنها قريبة مني وبأني أعرفها، منذ ذلك اليوم شغلتني (صورة) هذه البنت التي أثرت على حياتي، وما برحتُ أبحث عن هذه الكارتات، وأجمع شكل (الملكة) التي كنت أضعها بين أوراق الكتب بشكلها الباهر وخطوطها المختزلة وشكلها الواضح الصريح واسترخاءها المذهل. بقيت تلك البنت في مخيلتي كل الوقت، حتى أني أهملت بنت الجيران عكس ما يفعله كل الصبيان عادة، وانشغلت بفتاتي المصنوعة من الورق. ومنذ أول رسوماتي كانت هي التي تشغل تفكيري لأنها هي المثال وهي الطموح للوصول الى الشكل الخالص في الرسم، بسبب جمال خطوطها وحضورها الآسر، لذا تأثرتُ بها كثيراً عند رسم لوحاتي التي سار الكثير منها على طريق تلك الفتاة البعيدة والقريبة، الحقيقية والخيالية في ذات الوقت، إنها الحبيبة الخالدة التي دخلت مرسمي وتوزعت على قماشات الرسم وأوراق التخطيطات، وكانت كل البنات اللواتي احببتهن قريبات منها بشكل أو آخر، لأني كنتُ استحضر شكلها مع كل امرأة أحاول التقرب إليها في الحياة أو في الرسم كموديل، وهذا ما دفع ذات مرة الشاعر حسام السراي حين اخبرته بأن تلك الفتاة هي أهم مصادر إلهامي في الرسم، أن يكتب (ستار كاووش يحب فتاة من ورق). 

بقيت تلك البنت الجميله المسترخية حاضرة الى الآن في لوحاتي، وحتى لو حدثت تغييرات في أسلوبي أو معالجاتي، فهي لم تنفك عن الظهور هنا وهناك بين تقنيات الرسم لتبهرني من جديد، فأستل شيئاً من ملامحها أو خطوطها واضع ذلك على قماشة الرسم. 

ففي الطبيعة عادة ما نميل الى شكل شخص معين ثم نعكس هذا الشكل على القماش أو الورق، لكن مع هذه البنت حدث العكس، فهي جاءت من الورق لتكمن في ملامح من أحب. 

لقد تنقلت الفتاة عِبرَ هذا الكارت بين ملايين الناس، وتحسستها الكثير من الأصابع في كل زاوية من هذا العالم تقريباً، لكنها بقيت فتاتي الصغيرة التي لم يفطن اليها أحد غيري، فتأتي التي كان عليَّ أن أمنحها شيئاً ومكاناً جميلاً تستقر فيه وتكبر، أن أؤطرها بإطار من ذهب وأنا أتأمل براعة تكوينها وجمال خطوطها. شكراً يافتاتي الجميلة لأنك منحتيني الكثير من اللوحات، والأهم من كل هذا أنك أعطيتيني هذا الإلهام الذي لن يتوقف. محبتي ياصغيرتي، فمن خلالك عرفتُ ما يفعله الفن، وهو يمنح الأشكال المصنوعة من ورق، حياة أخرى وحضور إيقوني ساحر. 

وانتم يا أصدقائي وصديقاتي الذين تقرأون هذه الكلمات، ألم أقل لكم بأني رسام غريب الأطوار؟ لكني في كل الأحوال لن أنسى من يمنحني السعادة والإيمان بالرسم... حتى لو كانت فتاة من ورق. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top