رشدي العامل.. شاعر لا يجيد سوى الحب

رشدي العامل.. شاعر لا يجيد سوى الحب

فاضل السلطاني

يا ولدي

من يكتب عن دنياي، إذا غبت، سواك؟

ومن يعرف، غيرك،

أن يرسمَ فوق الوجه،

البهجة والضحك ولون الأحزان؟

هكذا خاطب الشاعر العراقي رشدي العامل (1934 – 1990) عام 1986 ابنه علي، المغترب آنذاك، في قصيدته الطويلة المكرسة له «حديقة علي». وكان أول شيء فعله علي بعد عودته من منفاه الطويل بعد سقوط صدام حسين عام 2003، هو أن «يكتب عن دنيا أبيه» الذي رحل عام 1990 من دون أن يراه. لكن «دنيا أبيه» لم تكن سوى شعره المبثوث في أكثر من اثنتي عشرة مجموعة شعرية، وقصائد أخرى متفرقة. كان علي يدرك أن أي شكل آخر من الكتابة عن رشدي، سواء أكانت شهادات أم ذكريات، لا يقدم رشدي كما يقدمه شعره. وهكذا كانت مهمته الأولى، وهي مهمة وطنية وشعرية أكثر من كونها أبوية، أن يجمع شعره المتناثر في أكثر من مكان، وأكثر من زمن، ليقدمه وحدة واحدة في أكثر من 800 صفحة من القطع الكبير. كانت مهمة وطنية لأن حياة رشدي القصيرة لم تكن سوى نضال متواصل من أجل مبادئه التي آمن بها منذ كان صغيرا، ودفع ثمن ذلك سجنا وعزلة وصمتا. وهي مهمة شعرية لأن أية قراءة نقدية للشعر العراقي، باتجاهاته المختلفة، لا يمكن أن تتجاوز تجربة رشدي العامل منذ الخمسينات إلى الثمانينات، ولأن رشدي, ثانياً, لم يكن شيئا آخر سوى شعره، فهو من هؤلاء الشعراء القلائل، الذين وحدوا بين الشعر والحياة، والذين لم يعانوا من الانفصام بين الشاعر والإنسان. كان رشدي قصيدته في مختلف مراحل حياته. وكانت حياته القصيرة ممارسة عملية للشعر، سواء في التزامه الطويل الذي لم يتخل عنه يوما، والذي كلفه الكثير، سجنا وحرمانا وفقرا، وحتى في كتابة عموده السياسي الشهير.

ينتمي رشدي العامل إلى الجيل الثاني في حركة الشعر العربي الحديث بعد جيل السياب والبياتي ونازك الملائكة. وهو الجيل الذي بدأ النشر في الخمسينات، وتحكمت بمساره قوتان طاغيتان، اجتماعيا وثقافيا: صعود حركة التحرر الوطني بتيارها، اليساري، في العراق بشكل خاص، والقومي من جهة، بعد النكبة، وما أنتجته من خلخلة كبرى في البنية الفكرية والثقافية، التي تجسدت، أول ما تجسدت، في الثورة على الموروث الشعري العربي، وولادة ما بات يعرف بـ«الشعر الحر»، الذي أتاح مقاربة مضامين جديدة تنسجم مع العالم الجديد الذي بدأ بالتشكل بعد الحرب العالمية الثانية. في مثل هذا الجو، وجدت ظاهرة «الالتزام الأدبي»، تحت تأثير مدرسة الواقعية الاشتراكية، وبحكم الالتزام السياسي اليساري، انعكاسها في الأدب العراقي بشكل خاص.وعلى الرغم من الانحسار النسبي لهذه الظاهرة، منذ منتصف الستينات، ظل رشدي وفيا لمنطلقاته الأولى، مازجا إياه بحس رومانسي رهيف لم يفارقه طوال حياته القصيرة، شاعرا وإنسانا. لا نجد فرقا كبيرا بين قصيدة رشدي الأولى، في أوائل الخمسينات، وآخر قصيدة كتبها في آخر الثمانينات، حتى ليمكن القول إن رشدي لم يكتب سوى قصيدة واحدة، ابتداء من «أغاني بلا دموع»، الصادر عام 1957، مع استثناء مجموعته «حديقة علي» إلى حد ما، حيث يتراجع الغناء، ليحل محله التأمل الهادئ الحزين في الوطن والمنفى، والجلاد والضحية، والحب الناقص الذي لا يمكن أن يكتمل لأنه سيموت حين اكتماله، والحياة التي لا تكتمل إلا بالحب الكبير، والموت الذي يمكن هزيمته بالحب:

لا تركع يا ولدي

حتى للموت

يقولون بأن العالم يحكمه اثنان

الذهب الأصفر

والسوط الأسود في قبضة سجان

***

كذب يا ولدي

فالعالم ليس السجنَ

وأهداب الدنيا بستان

وزهور الدنيا قمح العالمِ، حلم الشاعر

كركرة الطفل تغني

صدر الأم يناغي شفتيه

هي البستان

العالم يا ولدي:

الإنسان.

هذا التطور في قصيدة «حديقة علي» أشار إليه الشاعر حميد سعيد في تقديمه للمجموعة:

«.. تطور قصيدة رشدي العامل يظهر واضحا من خلال (حديقة علي)، وهو تطور يذكرنا بنضج الإنسان في مرحلة من مراحل العمر، وهذا الإنسان قد لا يتغير في تكوينه أو في ملامحه، ولكن التغير يعبر عنه بالنضج والاكتمال الداخلي وهو نتيجة لمجموعة مؤثرات في حياة الإنسان.. أقول إن متسرعا لا يستطيع اكتشاف ذلك الفرق بين قصائد هذه المجموعة الشعرية وقصائد الشاعر التي قرأنا في مجموعاته الشعرية السابقة، لأسباب أشرت إليها من قبل، ذلك أن مكونات القصيدة لم تتغير كثيرا في جميع المراحل التي مر بها الشاعر».

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top