التاريخ والرواية في يوميات (الخاتون)

التاريخ والرواية في يوميات (الخاتون)

زهير الجزائري

تيهتني الخاتون Gertrude Bell وأنا منغمس هذه الايام بإرشيفها الغني. ١٦٠٠ رسالة، تقارير في مواضيع مختلفة،

سبعة دفاتر يوميات تبدأ من عام ١٨٧٧و تنتهي عام ١٩١٩ ومعها ٧٠٠٠ صورة عنها وعن مواقع أثرية زارتها أو عملت فيها. هناك مجموعة رسائل بينها وبين الضابط العسكري شارلس داوتي وايلي Charles Doughty Wylie الذي ارتبطت به بعلاقة حب انتهت بمقتله في معركة غاليبولي عام ١٩١٤. تيهتني (الخاتون) مرتين.. في معرفة شخصيتها، وفي الوصول لمواقفها.

ابنة سادس أغنى عائلة في بريطانيا عملت في صناعة الحديد ومنها السكك. لكنها مثل زميلهاTomas Edward Lawrence الملقب بـ(لورنس العرب) كانت في شقاق دائم وعميق مع هذا العالم المرفه الذي عاشت فيه طفولتها وشبابها.لا تجد نفسها أبدًا في المكان الذي يفترض أن تكون فيه. هذا الانشقاق يدفعها إلى الفعل والمكابدة في أصعب الظروف. وجودها خارج الفعل يعذبها. 

حكاية حياتها تجسر التناقض بين عالمين، بين شمال بريطانيا الصناعي،شمال صناعة الفحم والحديد، حيث يزيد دخان الصناعة لسماء الرصاصية عتمة فوق عتمة.. هناك قضت طفولتها وشبابها، وبين الشرق الذي شهد سنوات نضوجها، حيث شمس الصحارى والمسطحات المائية في الأهوار." المشهد بسيط للغاية - كتبت لوالدها في 1 يناير 1917 وهي في زورق يشق النهر قرب قرية صالح- لا مدهش في المشهد ولا أعرف ما جذبني فيه. سهل مسطح موغل الامتداد ينزل إلى حافة النهر. بين الأشواك ومياه الفيضان التي غطت الروافد السفلية للنهر، وقليل من بقايا القمح والدخن في الحقول العارية. تقطع المسطحات قرية عرضية من القصب. المنازل والمراكب النهرية تجمع الجمال والمهابة".

قضت غيرترود طفولتها وشبابها في العقود الثلاثة الأخيرة من الفترة الفيكتورية التي بلغت فيها بريطانيا ذروة عظمتها بالسيطرة على البحار والموانئ والمضايق والبلدان الممتدة من أفريقيا الى الشرق الأوسط، افغانستان وسنغافورة وأستراليا، ومن جزر الباسفيك الى كندا. في هذا التنوع الهائل من اللغات والأديان يراد تاسيس قناعة بأن أسرار الحكم الرشيد محتكرة عند البريطانيين وإن وجود العسكريين البريطانيين ببدلاتهم الأنيقة يمنع بلدانهم من أن تغطس في الفوضى والدم. في هذه الفترة بالذات كانت غيرترود بل ومعها العديد من مجايليها يشعرون بالفخر كونهم حملة رسالة التاج للشعوب التي رزحت لقرون تحت نير الاحتلال العثماني. الانتداب الذي يتضمن الوصاية على الشعوب المستعمرة كان بالنسبة للطبقة الوسطى المتعلمة، مثل لورنس وبل، مبدأً اخلاقياً ذو اتجاهين، تمدين هذه الشعوب باشاعة النظام الويستمنستري وفي نفس الوقت نشر رسالة التاج "جئنا محررين لا فاتحين". لم يكونوا مجرد موظفين في سلطات الاحتلال بل حملة رسالة تدفع هذه الشعوب نحو المدنية بالمقاس البريطاني. قبل وصولها لبغداد كتبت يوم ١٠ آذار من البصرة "نحن الآن ننتظر خلال ساعات أخبار دخول قواتنا إلى بغداد. لقد استلمت اليوم رسالة من السير برسي كوكس من الجبهة، رسالة مشحونة بالثقة والفخر. اتوقع بلهفة أن يطلبوني عما قريب. إنه لأمر رائع أن تكون في الذروة بعد كل شهور الحرب هذه المليئة بالإنجازات... أنا على ثقة تامة بأننا سنجعل من هذا البلد مركزًا للحضارة العربية. وسيكون عليّ، كما آمل، أن اساهم في هذا الازدهار الذي أكاد أن أراه بعيني".. بهذا التفاؤل والفخر كانت تترقب دخول بغداد. ما يزيد فخرهم هو الآمال التي علقت على سمعتهم كبلاد متحضرة والتعويل على وعودهم كحملة حضارة. لن تجد حلا للفوضى إلا بوجودهم. بضائعهم سبقتهم، هي الأفضل"شغل أبو ناجي" و"يقول أبو لندن".

قرأت الكثير من رسائل ويوميات غيرترود ككاتبة موهوبة ورحالة بلا كلل ومتحدثة شجاعة ومستشرقة ومنقبة آثار. امرأة وحيدة بين حشد من الرجال. تتجاذبها بحدة التناقضات بين الأصول العائلية الثرية التي جاءت منها وبين فقر العالم الذي عملت فيه، بين السماء الداكنة في مدينتها وبين الشرق المشمس الذي أتت إليه، بين طاعتها للمركز البارد الدم في لندن وبين تعاطفها مع طموحات الناس الذين عملت بينهم، بين الأمل الذي بدأت به والخيبة التي انتهت إليها. بعد سماعها خطاب الجنرال مود وهو يَعِدُ سكان بغداد بالحرية توقفت وصعدت هواجسها "السؤال مفتوح: هل سنكون أكثر اذى لهؤلاء الناس أم أفضل مم".. هذه التناقضات تركت آثارها على مزاج غيرترود بل الذي وصفه لورنس العرب "مدهشة، ولكن من الصعب التكهن بسلوكها، لا يمكن التكهن باتجاهاتها والمدى الذي ستصله في كل اتجاه حين تواجهها تحديات ثقافية".

قرأت مذكرات وكتب عراقيين عاشوا تلك الفترة، وبعضهم ساهم في أحداثها، لكني وجدتها ممسوحة بالتجريد، الأحكام تطرد الترددات و تطغى على السرد الحسي. افتقدت السرد الذي يصف جغرافيا المكان وتاريخ اللحظات والجغرافيا الروحية للاشخاص الذين عاشوا الحدث. كنت أحلم دائما بنوع من إعادة كتابة تاريخ يجمع ثلاثة: التاريخ وحكمته المتأخرة، علم الاجتماع وما يحكم أفعال الناس الجماعية، والرواية التي تلم صدف اللحظة ومزاج وترددات الشخصيات التي تصنع الحدث وتصنع فيه. 

جامعة نيوكاسل Newcastle University نظمت وبوبت هذا الأرشيف المذهل حسب السنوات والأشهر والأيام والمواضيع ويتضمن اليوميات التي تنتهي عام ١٩١٩و الرسائل التي تستمر حتى وفاتها والتقارير والصور التي التقطتها خلال جولاتها. ثروة هائلة من المعارف والتسجيلات عن العراق في فترة حساسة من تاريخه الممتد من نهاية الحكم العثماني حتى تأسيس الدولة بعد الانتداب. لم الحظ وأنا أقرأ أية إشارة لكتاب قرأته. كأن الكتب و ما ترسب منها بداهة لا تستحق الإشارة، فخلال الممارسة تتعلم من الحدث الذي عاشته. الأفعال، وليست الكتب، هي التي توصلها الى المعرفة. وخلال عملية المعرفة هذه يتقدم الايمان على العقل، وتصبح مهمة العقل لاحقة، هي إثبات حقائق الايمان. بالفعل والتأمل تتخلى عن اللحظة الحاضرة لتعيش لحظات تفوق الحاضر. في حالة هروب دائمة من بيئتها المستقرة الى حيث الاضطراب والتغير، إلى بيئة غريبة عنها وناس غرباء. من الحاضر إلى التأريخ، من صداقة البشر إلى صداقة الأشياء بالبحث عن القلاع المهجورة والآثار القديمة. ولكن المعرفة عبر المكابدة والاستبطان هي معرفة سكونية ترى الحقائق والأشياء في حالة ثبات ولا تستطيع تصورها في حالات تبدلها. وتميل إلى تأبيد الموضوع معزولًا عن وسطه البيئي. ولذلك تخفق في معرفة الناس حولها وتفاجأ دائماً بانقلاب الصورة الثابتة التي رسمها عنهم، ويسبب لها الاكتشاف نوعاً من الانكسار المأساوي. 

عاشت وعملت في اجواء مدرستين سياسيتين متعارضتين، مدرسة الهند التي تقوم على السيطرة العسكرية المباشرة على مقدرات البلد مع وجود هيئة تشريعية موالية للبريطانيين ويمثل هذه المدرسة الحاكم الملكي البريطاني العام وكالة أرنولد ولسون Arnold Wilson. تقابلها مدرسة القاهرة التي تميل لتأسيس حكم وطني تحت ملك عربي وبرعاية بريطانية ويمثل هذه المدرسة لورنس العرب، كانت الخاتون تتردد بين المدرستين، ففي رسالة بتاريخ ١٤ حزيران ١٩٢٠ تقول لوالدها "كان لدينا أسبوع عاصف، فالدعايات في الجوامع رفعت حرارة المزاج الى درجة ١١٠ وخرج المتطرفون بعدها داعين للاستقلال حتى بدون انتداب رغم انهم في دواخلهم يعرفون أنهم غير قادرين عليه" . لكن هذا الموقف يتغير مع تطور الأحداث داخل البلد.

كان لديها مخبر اسمه (فتوح) يذهب لمواقع الاضطراب و يروي لها ما يحدث فتكتب تقريرها وترسله للجهات العليا. في ١-٦-١٩٢٠ "هناك،اجتماعات أسبوعية في الجوامع تضم الشيعة والسنة لتعبر عن الوحدة الإسلامية، اجتماعات سياسية اكثر منها دينية، كثير من القصائد الحماسية". لم تدرك جيرترود الحاجة الداخلية للاستقلال، إنما تحيلها لمؤثرات خارجية، مصالح رجال الدين الإيرانيين، تأثيرات القوميين الأتراك الذين هزموا في الحرب والبلشفية التي اقتربت مكانياً حتى حدود خانقين واقتربت فكرياً حتى أثارت انتباه أبناء رجال الدين. 

تغير موقفها بعد اندلاع ثورة العشرين "تقليل الضغط المعنوي الذي اتبعه أرنولد ويلسون لصالح مزيد من التفهم الانساني وصار متاحا للوصول الى نوع من التوازن بين فكرة ويلسون بالسيطرة المحكمة وبين فكرة لورنس بالاستقلال الناجز". هذه المساومة التي اعادت بيرسي كوكس كمندوب سام بديلا عن ويلسون.

مع اختلافاتها مع لورنس أدركت غيرترود الثقوب والنهايات الخائبة في نسيج السياسة البريطانية في الشرق الأوسط. ففي رسالة تالية، بعد فشل ويلسون في فرض الانتداب بالقوة العسكرية "أعتقد أننا على حافة حركة وطنية عربية أتعاطف معها الى حد كبير ويمكن لها أن تجبرنا على ان نترك البلد، واذا ما تركنا البلد، فسيؤثر ذلك على كل مواقعنا في آسيا". 

وأنا أقرأ يومياتها ورسائلها أوشكت أن امسك التاريخ بلحظاته الحية. التاريخ بمساره اليومي المتعرج صعودا ونزولا وعودة الى الخلف. الصدف والاختناقات والانفراجات . ما من حدث إلا وتوقفت عنده "ما أن يصيح أحد بوووو حتى يعزل الباعة دكاكينهم"، وفي قبولاتها الأسبوعية ولقاءاتها اليومية تلتقط آراء الناس وتعكسها بدقة. ما من شخصية التقتها إلا وكانت لديها فكرة عن هذه الشخصية وتاريخها العائلي، من الحسيني المفتي الى محمد الصدر مرورا بطالب النقيب وياسين الهاشمي. تبدأ من الانطباع الأول ثم تتابع تغيراته خلال الممارسة. المدهش في كتابتها يتجاوز قدرتها في الدفاع عن فكرتها ويكمن في براعة وصفها لمتاعب خيبات وانتصارات هذه الفكرة. أسلوبها في الكتابة خادع، يخفي أكثر مما يكشف، ولكنه يكشف غير ما أرادته. ففي مذكراتها يدخل القارئ عالمها الداخلي وتفاصيل العالم الذي تدخل فيه حتى وإن فقدت الطابع الأكاديمي في عكس الموضوع. في التوثيق الرسمي أو في اليوميات الخاصة تمزج بين كشف الواقعة وتحليلها في نفس الوقت، ويصل هذا الأسلوب ذروة تدفقه في الحظات الافعال الكبيرة حيث أثبتت جيرترود بل من خلال مغامراتها في الشرق أن باستطاعة امرأة من قمة الارستقراطية البريطانية أن تقتحم التاريخ تطارد أحلاما لا تستطيع تحقيقها ولا التخلص منها.

تعليقات الزوار

  • عادل الحمادي

    انتقاد وتحليل ممتاز للخاتون

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top