تفكيك قانون مناهضة العنف الأسري

آراء وأفكار 2020/09/20 08:13:52 م

تفكيك قانون مناهضة العنف الأسري

أو في مناهضة العنف الأسري في المجتمع، قَبلَ مناهضته بالقانون

 د. محمَّدحسين الرفاعي

[I] 

ماذا يعني تشريع قانون يناهض العنف بعامَّةٍ، وإنَّه يحمي الأسرة من العنف الأسري- المنزلي؟ وبأية معانٍ يترتب عليه علاقات مجتمعيَّة جديدة، في المعنى، والدافع، والأهداف، والوسائل؟ 

العنف علاقة مجتمعيَّة مباشرة. فثمَّ، دائماً قَبْلِيَّاً، طرفٌ يريد من الطرف الآخر أن يُصبح على شاكلته- هيئته- على ما هو عليه بعامَّةٍ. أن يُصبح المرء نسخةً، أي أن يحذف نفسه من أجل [الـ- ـهو]، أو [الـ- ـهُم] يمكن أن يُظفر على فهم به، أي بالمعادلة هذه، بواسطة التَّساؤل عن معنى العلاقة بين طَرَفَيْ ثُنائيَّة [الأنا- والآخر]. وعن معنى هذي العلاقة، وجدواها. إنَّ التَّساؤل هذا إنَّما هو تساؤل الوجود في المعنى المجتمعيّ- الواقعيّ له. وبذلك هو تساؤل [شروط- إمكان- الوجود- المجتمعيّ- للذات]. 

[II]

يبدأ العنف من تَصوُّر الآخر، وفهمه. ماهيَّة هذا الفهم هي التي تجعل من الأنا متوفرة على شروط ممارسة العنف. تتصمن شروط إمكان ممارسة العنف أربعة مصادر مجتمعيَّة على أقل تقدير: 

I- المجتمعيّ: يتضمَّنُ القوة الأساسيَّة في القضاء على ما هو فردي، وذاتي بعامَّةٍ. يُرغم [المجتمعيُّ] الفرد، وممارساته، وسلوكه، بواسطة جملة نماذج مُثل للفعل المجتمعيّ، على جملة بعينها من الممارسات؛ وهو بذلك، كما إنَّه يمنع الفرد، فإنه يُحدِّدُ حقل وجوده، ويغلقه. 

II- غلق باب التَّفكير، وتغيير الفكرة: يترتب على غَلْقِ المجتمعيّ لحقل وجود الفرد، تلك الأفكار التي لا يمكن أن تتوفَّر على شروط التغيُّر اِنطلاقاً من [الواقعيّ].

III- اِنغلاق الهَويَّة بتصورات واِفتراضات تراثية بعينها: أي ضروب التحديد الممارسة من قِبَلِ [المجتمعيّ] للهوية الفرد، وتثبيت وجوده المجتمعيّ بواسطة جملة الأفكار المسبقة عنه. 

IV- العلاقة المجتمعيَّة الساكنة، وتسكين التاريخ في لحظة منه: إنَّ الوجود ضمن علاقة بعينها، بطرق وجود محدَّدة قبليَّاً، وضمن وظائف مجتمعيَّة مُلقاة على كاهل الفرد، هي في جذرها العميق تجعل منه ذاتاً ساكنة. 

[III]

العنف، وفقاً لمصادره أعلاه، مؤسَّسَةٌ مجتمعيَّة قائمة بحد ذاتها. وإنَّ ذلك يرتبط بالتساؤل الأصليّ عن طبيعة تخلُّله في العلاقات المجتمعيَّة. إنَّ [العنفَ- مؤسَّسَةٌ- مجتمعيَّةٌ] إنَّما هي تشير، مباشرةً، إلى أنَّنا أمام أربع عناصر تتطلَّب تفكيكها: يتمثَّل العنصر الأول في طبيعة تحديد العلاقة المجتمعيَّة بواسطة العنف، مجتمعيَّاً، ويتضمن العنصر الثَّاني معنى تحديد الفعل المجتمعيّ اِنطلاقاً من مفاهيم تراثية- تاريخية من نوع: الرجولة، الفحولة، الذكورة، الشجاعة،...إلخ، كما يشتمل العنصر الثَّالث على معنى اِنتقال هذه المفاهيم من جيل إلى آخر بواسطة التنشئة المجتمعيَّة، والتربية، والتعليم، والنظريات والمناهج فيها، فيما يرتبط العنصر الرَّابع بطبيعة التغيُّر المؤسسي داخل مفهوم العنف، أي بالعودة إلى مصادره وتغيير معناها، وتعليمها، والتربية عليها. 

[IV]

يقف الفرد، في أوَّل الأمر، وعلى الأغلب، أمام مجتمعه، قَبلَ أن يقف أمام ذاته: أي إنَّه يقف أمام جملةِ الإمكانات الذاتيَّة التي يتوفَّر عليها في أن يكون متميِّزاً عن الآخر، في وعي هويَّتِه هو. ولا يكون مثل هذا الوقوف إلاَّ ضمن تحديدات قبليَّة له، هو بذاته، بواسطتها، ينسى نفسه. يكون مجتمعيَّاً أكثر ممَّا يكون ذاتيَّاً. [أن- يكون- الفرد] معناه أن يخرج عن كونه مجتمعاً، بعديَّاً، من جهة، ومعناه أنَّه لا يمكن أن يخرج عن كونه مجتمعاً إلاَّ حينما يكون، قبليَّاً، مجتمعاً، من جهةٍ أخرى. ويصطدم، هكذا، في الطريق إلى فرادَتِهِ- وفردانيَّتِهِ، بتناقض بنيوي يهزُّ روحه- وجوده الكُلِّيّ. إنَّه الصراع بين أن يكون نفسه، وأن يكون لا- نفسه. ولا يُحل هذا التناقض إلاَّ اِنطلاقاً من قفزة. إنَّها تتمثَّل في المحطات الذاتيَّة الآتية: 

المحطة الأولى: لا تتمثَّل الذَّات، ولا تقبع في مواجهة [المجتمعيِّ] بل به، وفيه، وله، في الطريق إلى أن تكون بالاِنطلاق منه. وهذا يتضمَّنُ معنى البحث عن كل الإمكانات الذاتيَّة التي تتوافق مع [المجتمعيِّ] في السَّبيل إلى بلوغ طُرُق إمكان [أن- نكون]. 

المحطة الثَّانية: لا يتضمَّنُ [المجتمعيِّ] حذفَ الذَّات، أو حجبها، أو تنكُّرها بردائِهِ، بقدر ما يتضمَّنُ تحديد الطرق الذاتيَّة لها في [أن- تكون] ضمن الوجود المجتمعيّ. وبذلك، هو يذهب نحو فتح أفق البناء، بناء الذَّات، في الوقت الذي هو يُحدِّدُ هذا الأفق. 

المحطة الثَّالثة: وهم علاقة الصراع يقوم على علاقة الصراع مع الوهم: علاقة الوهم بـ[المجتمعيِّ]. لأنَّ العلاقة القائمة بين [الذَّات- المجتمعيَّة- والمجتمعيِّ] لهي علاقةُ العلاقات الإنسانيَّة- الوجودية. تلك التي يقوم التاريخ عليها. علاقة العلاقات معناها تلك العلاقة التي تجعل من كل العلاقات الأخرى علاقاتٍ ممكنةً. وحينما نكون أمام ذاتٍ فإنَّنا مباشرةً نتفحص [المجتمعيَّ] فيها. أي نتساءل عن المعنى، والهدف، والوسيلة، والدافع، والكُلِّيَّة التي داخل الفرد، التي، أي هذه العناصر، تتضمَّنُ مجتمعيَّتَهُ. وبالتالي، لا تقوم هذي العلاقة على وضع حدٍّ بقدر ما هي تقوم على اِنفتاح الحدود على بعضها البعض. 

[V]

إنَّ نقد قانون مناهضة العنف الأسري، إنَّما هو يتكوَّن من ثلاثة عناصر، على أقل تقدير: I- ضربُ الأب للإبن تأديبٌ، II- وضربُ الزوجِ للزوجةِ تثبيتٌ للحياة، والعائلة، III- وإجبارُ البنت على الزواج من رجل بعينه هدايةٌ. تقوم هذه الضروب من النقد على الأفكار المُسبَّقة- الأوهام الآتية: 

I- اِعتبار العلاقة بين الأب والإبن علاقةً عبوديَّة؛ يخضع فيها الإبن للأب كما يخضع العبد لسيده، وذلك يقوم على نظرة الأب الكلاسيكية للإبن بوصفه يد عاملة، ونظرة الإبن للأب بوصفه المُنقذ- السوبرمان، 

II- فهم المرأة والتعامل معها اِنطلاقًا من نصوص تراثيَّة بعينها تعتبرها إنسانًا من الدرجة الثَّانية، وهذا يتضمَّنُ معنى التعامل مع المرأة اِنطلاقاً من مقولات من نوع "المرأة ناقصة عقل، ودين، وإيمان"، "الرجال قوامون على النساء"، "على المرأة أن تتحمل كل ضروب العنف عليها"، 

III- التَّفكير بدلاً عن المرأة بوصفها، اِنطلاقًا من نصوص تراثية بعينها، إنسانًا لا يستطيع أن يقرر- ويختار- ويميز- ويفضِّل. 

[VI]

... في ما يتعلَّق بالتأديب، والتثبيت، والهداية، أؤكد أنَّ لا ثَمَّةَ علاقة إنسانية تتوفَّر على إمكان أن تقوم من دون المحبة، والمحبة الأصليَّة، أي تلك التي لذاتها، بذاتها، وفي ذاتها، هي تُعطي... فأتساءَل: أيُّ زواجٍ هذا الذي يستمر بالضرب؟ أيَّةُ عائلةٍ هذي التي تثبت بالضرب؟ أي أبناء- مرضى نفسيين تُنتج العائلة التي تقوم التربية فيها على الضرب؟ أيَّةُ محبةٍ يمكن أن تقوم بواسطة إجبار الفتاة على الزواج من رجل بعينه؟

[VII]

فإذن ما هي الاِقتراحات التي يمكن أن تناهض العنف في [المجتمعيِّ] قَبلَ أن تناهضه بواسطة القانون، وسلطة الدولة؟ إنَّها اِقتراحات حل للأزمة، أزمة تفشي العنف داخل المجتمع، تتطلَّب تمعُّناً عميقاً، من قِبَلِ الجهات المعنية، بمسائل أربع على أقل تقدير، هي الآتية: 

المسألة الأولى: تحديث النظريَّات، والمناهج التي تتعلَّق بالتربية، والتعليم، وإعادة تأهيل المتزوجين بواسطة ندوات، وورش عمل، ومناقشات عامَّة، يديرها متخصصون في التنشئة المجتمعيَّة، وسوسيولوجيا العائلة بالتحديد. 

المسألة الثَّانية: تأويل، وهَرْمَنطَقة النص الديني على نحو يتناسب، بل يتوافق مع مفاهيم ومقولات، وطرق عيش العصر الحديث. 

المسألة الثَّالثة: حماية الوجود المجتمعيّ للمرأة، وفسح المجال أمامها من أجل تطوير- وتحديث ذاتها في المجتمع، عَبرَ برامج التنمية بعامَّةٍ، وتمكين المرأة، بخاصَّةٍ، على نحو بحيث هي لا تصطدم بالرجل، بل تتكامل معه. 

المسألة الرَّابعة: تحديد العلاقة بين المرأة- والرجل اِنطلاقاً من مفهوم حُرِّيَّة الاِختيار، وحرية الإرادة، وفكرة التكامل الوجودي. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top