إصلاح التعليم العالي: آفاق سوق العمل 1-2

آراء وأفكار 2020/09/20 08:15:12 م

إصلاح التعليم العالي: آفاق سوق العمل  1-2

 أ.د. محمد الربيعي

ترتبط التحديات الرئيسة التي يواجهها العراق في التعليم العالي بعضها مع البعض وتتشابك، لكونها تؤثر على، وتتأثر بكل مجالات العمل الجامعي.

فمن الواضح انه لابد للمواءمة مع سوق العمل الضعيف والمتغاير في احتياجاته أن يتم إعادة هيكلة البرامج الدراسية ومحتوياتها، وإعادة النظر في عملية ضمان الجودة من خلال تغيير طرق التدريس المعتمدة على التلقين والحفظ، وتنمية المهارات الملموسة وغير الملموسة، ويمكن للاستقلالية والمساءلة والشفافية ان تؤثر على معظم مجالات العمل الجامعي. وتشترك في كونها تمثل التحديات الأكبر التي تواجه التعليم العالي والجامعات العراقية.

لقد أصبح تحقيق الجودة بما يتناسب وحاجة السوق مهمة صعبة للجامعات، فمن دون توفر تدريسيين على مستوى عال من التدريب والمعرفة، وتوفير مرافق جامعية ملائمة، وبيئة جامعية محفزة للتعلم والتعليم، وسياسات تنموية تتناول الاحتياجات القطاعية بالتفصيل واحتياجات القطاع العام والخاص لن تتمكن الجامعات من تأدية واجباتها بصورة كاملة. وينبغي أيضا أن تهدف البرامج التدريبية للتدريسيين إلى تعزيز الصلة بين الممارسة النظرية والمشاركة في المعارف والخبرات بين أعضاء هيئة التدريس المتمرسين والمستجدين. ويساعد التقييم الفعال لتدريب التدريسيين ودعمهم، وخاصة من حيث نتائج الطلبة، على تحسين جودة التعليم والتعلم في الجامعات.

متطلبات سوق العمل 

بتركيز شديد، يحتاج التعليم العالي في العراق الى ستراتيجية تعتمد على تلبية حاجة السوق بالرغم من ضعفه، وليس لمجرد تلبية الرغبات الاجتماعية والسياسية. وتعتبر هذه المواءمة مع سوق العمل من اهم العوامل لمجابهة البطالة وتحقيق اهداف الجامعة. ويعود الضعف إلى سببين: أولهما انخفاض الكفاءة النوعية للجامعات كتـدني التأهيل المعرفي والتخصصي، وضـعف القـدرات الابتكاريـة والتطبيقية والتحليلية، وثانيهما هو أعـداد المخرجات الهائلة في تخصصات لا يحتاجها المجتمع ولا سوق العمل مـع وجـود طلـب كبير فـي تخصصات أخرى، وكذلك الزيادة الهائلة في مخرجات الدراسات العليا التي لا يوجد لمعظمها سوق عمل ولا حاجة مجتمعية ولا أهمية معرفية او بحثية او ابتكارية.

أهمية المهارات

تعد المهارات من العوامل الرئيسة لتحديد درجة مشاركة القوى العاملة وإنتاجية العمل. من المعروف أنه نظرًا لتأثير التقنيات الحديثة - والتي غالبًا ما تكون مرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات - والتغييرات في تنظيم العمل، فإن الوظائف التي تنطوي على مهام روتينية والتي يسهل أتممتها تختفي بسرعة، بينما يتضمن خلق فرص عمل جديدة مهام تتطلب مهارات غير روتينية (على سبيل المثال، مهارات تحليلية، وإبداعية، واتصالية)، والتي لا يزال البشر أفضل فيها من الآلات. يحتاج خريجونا الى اكتساب مهارات جديدة من خلال المقررات نفسها وليس من خارجها، أي الى المهارات التي يبحث عنها المسؤول الإداري، او مدير المستشفى، او مدير المشروع، او صاحب العمل من تفكير نقدي وبرمجة حاسوب، وحل المشكلات، وقيادة وتنظيم ومرونة وتوثيق وتواصل واخلاق مهنية. 

لا يزال التعليم في العراق غالبًا ما يتميز بالتعلم عن ظهر القلب، والتكرار (أي التلقين والحفظ)، بدلًا من تدريس المنطق والتحليل والتركيز على مهارات حل المشكلات، وقضايا العالم الحقيقي. ينطبق هذا بالتأكيد على التعليم الابتدائي والثانوي، وبالتأكيد على التعليم العالي. وبالتالي، أصبح عدم توفر المهارات عائقا شديدا أمام النمو والتطور وقد برزت هذه المشكلة بصورة جلية في كل مجالات الاختصاص والعمل حتى السياسي منها.

والسؤال المطروح علينا اليوم هو كيف يمكن لنظام التعليم العالي أن يستجيب لهذه التحديات ويلعب دورًا أقوى في إعداد الشباب لسوق العمل حتى ولو كان هذا السوق ضعيفا وليس له دور مهم في الوقت الحاضر؟

يمكن أن يكون التعليم العالي محركًا قويًا لبناء مجتمع أفضل، من أجل رفع مستوى الإنتاجية والنمو. يساهم من خلال إنتاج المعرفة والمهارات والكفاءات العالية، ومن خلال البحوث الأساسية والتطبيقية ولكن أيضاً من خلال ما يسمى بـ "المهمة الثالثة" وهي خدمة المجتمع. وهنا لكي يكون فعالا يجب على التعليم العالي أن يعمل كنظام مترابط من الجهات الفاعلة حيث تتفاعل المؤسسات مع بعضها البعض، وأصحاب العمل، والوزارات، والشركات، والمؤسسات البحثية وأجهزة التخطيط. كما انه إذا لم تخلق الدولة وظائف جديدة عبر الاستثمار في الصناعة والزراعة والصحة والسياحة والبناء والتعليم، وتستمر في سياسة استيراد كل حاجة صغيرة وكبيرة من دول الجوار فلن يكون للجامعات حاجة الى تدريب مهارات جديدة وإذا لم تنجح هذه الروابط، فمن الصعب على الجامعات أن ترقى إلى مستوى إمكاناتها. 

لذلك على الجامعات أن تعد وتعيد تدريب المهنيين لعالم اختفى فيه الطلب على كثير من الاختصاصات والمهارات بشكل منهجي، حيث حل الاستيراد محل الإنتاج المحلي. لكن الطلب على الاختصاصات الطبية، والقوى العاملة الوسطية وموظفي الخدمات لا يزال في ازدياد. وهكذا، إلى جانب التعليم الأولي ووظيفة التدريب على مستوى التعليم العالي، يمكن للجامعات، بل ينبغي لها بالفعل، أن تلعب دورًا مهمًا فيما يتعلق بتدريب المهارات وبالتعلم مدى الحياة.

ربط الجامعات بسوق العمل

هناك مجال آخر مهم لربط الجامعات بسوق العمل. يجب أن تستند المناهج الدراسية إلى نتائج (مخارج) التعلم العامة والمهنية أو الفنية - التي يتم تطويرها بشكل مشترك من قبل قطاع التعليم العالي، وأصحاب العمل وأصحاب المصلحة الرئيسين الآخرين- والمؤسسات اللازمة لدعم الطلاب من خلال المواضع العملية والتدريب الداخلي والتوجيه المهني ومعلومات سوق العمل، ولا يكتفي بان تكون المناهج الدراسية معتمدة تماما على ما هو موجود في الكتب المقررة والجامعات الخارجية. ومن هذا المنطلق يجب ان تكون عملية وضع المناهج ومخارج التعلم مرنة ومتغيرة وعلى الوزارة ان تسحب يدها من مهمة السيطرة على المناهج والامتحانات وارجاعها الى الأقسام والتدريسيين وكما هي عليه في معظم نظم التعليم العالي العالمية. 

أود أيضًا أن أذكر ببرامج التجسير في سياق قابلية التوظيف، أي البرامج التي تساعد الطلاب للحصول على بداية أفضل في الجامعة من خلال بناء جسر بين مستوى إعدادهم المدرسي والخبرة الجامعية. يمكن أن تساهم هذه البرامج بشكل كبير في نجاح المتعلم وكذلك في مستقبله الوظيفي. ومن الأمثلة على ذلك برنامج التجسير في إطار مشروع البنك الدولي للتعليم الثانوي في رومانيا، وكذلك برامج التجسير في الجامعات الغربية لبعض الطلبة من الدول النامية.

بشكل عام، يجب أن تكون هناك أنظمة مناسبة للحوكمة والإدارة والتمويل وضمان الجودة من أجل تمكين الجامعات من الوفاء بمهامها المتعلقة بمتطلبات المجتمع وسوق العمل.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top