مقالة لاكشين المنسية عن تشيخوف

مقالة لاكشين المنسية عن تشيخوف

أ.د. ضياء نافع

يرتبط اسم فلاديمر ياكوفليفتش لاكشين (1933 – 1993) بظاهرة البحث العلمي الاصيل والمعمق في تاريخ الادب الروسي (انظر مقالتنا عنه بعنوان – لاكشين والادباء الروس الكبار)،

ويمكن القول ايضا، ان لاكشين يرتبط باسم تشيخوف في بداية مسيرته، ومازال كتابه الشهير - (تولستوي وتشيخوف) يعدّ - ولحد الان - احد المصادر المهمة لدراسة تشيخوف وابداعه والمقارنة بينه وبين تولستوي، رغم ان الطبعة الاولى لهذا الكتاب صدرت عام 1963، وعندما احتفلت روسيا بالذكرى (160) لميلاد تشيخوف في شهر كانون الثاني / يناير من هذاالعام ( 2020)، اهدى لي أحد زملاء الدراسة الروس بجامعة موسكو في الايام الخوالي عددا قديما من مجلة (فبروسي ليتيراتوري)(قضايا الادب)، الصادر في عام 1960، وقال لي، انه حصل على هذه المجلة صدفة، وقرر ان يهديها لي قائلا – (ان هناك مفاجأة طريفة لك على صفحات هذه المجلة العتيقة، وانك يجب ان تكتشفها بنفسك). أثارتني هذه (الهدية!) والكلمات التي سمعتها حولها، وعندما بدأت بتصفّح المجلة، فهمت طبعا، ان زميلي يقصد مقالة لاكشين عن تشيخوف، اذ انه يعرف (ولعي الشديد!!) بتشيخوف، وانه يعرف ايضا، باني (احب كلمن يحبه !!!) كما يقول ناظم الغزالي في اغنيته الشهيرة. وقرأت المقالة تلك طبعا بكل سرور، واود ان (ادردش) حولها قليلا مع القراء العرب، لاني اظن، ان الدردشة هذه ستكون ممتعة لهم ومفيدة على الاغلب، اذ ان تشيخوف هو واحد من الادباء الروس القريبين روحيا لهؤلاء القراء. . 

ابدأ الدردشة بالحديث عن ذلك العدد العتيق من مجلة (قضايا الادب)، اذ انه صادر قبل خمسين سنة مضت، اي في عام 1960، وهو العام الذي احتفلت به روسيا بالذكرى المئوية الاولى لميلاد تشيخوف. ومن الطبيعي ان يكون هناك ملف خاص في تلك المجلة حول هذه الذكرى. وساهم بالكتابة في هذا الملف عدد من الباحثين الروس، ومن بينهم لاكشين، الذي انهى دراسته الاولية في القسم الروسي بكلية الفيلولوجيا في جامعة موسكو عام 1955، والتحق بقسم الدراسات العليا في نفس القسم والجامعة بعدئذ، وحصل على شهادة الكانديدات ( دكتوراه فلسفة) عام 1962. وكل تلك الوقائع تعني، ان لاكشين كتب مقالته تلك في مجلة (قضايا الادب) عندما كان طالب دراسات عليا وفي السنة الاولى من دراسته ليس الا. عنوان المقالة هو – الارث الفني لتشيخوف اليوم، وتشغل 19 صفحة من المجلة المذكورة، وهي مقالة واسعة وشاملة، وتتضمن نظرة دقيقة على كل ابداع تشيخوف من قصص ومسرحيات، وهي بالتالي خطوة جريئة فعلا من قبل باحث شاب لم يكن يمتلك بعد الخبرة والتجربة في عالم الكتابة الجميل والشائك في آن. الانطباع الاول عن هذه المقالة هو شجاعة لاكشين الادبية، اذ قرر طالب الدراسات العليا ان يكتب في مجلة بمستوى (قضايا الادب) عن (كل تشيخوف !) رأسا، وهي خطوة يقدم عليها فقط الشباب الشجاع والذي لا يأخذ بنظر الاعتبار – وكما يجب – بالنتائج النهائية لعمله، والانطباع الثاني، هو ان لاكشين قد نجح فعلا في خطوته الشجاعة تلك نجاحا علميا باهرا.

الافكار الاساسية في تلك المقالة انعكست لاحقا وبشكل واسع في كتاب لاكشين – (تولستوي وتشيخوف)، وهي موضوع اطروحته آنذاك في دراسته العليا، ولا يمكن طبعا تلخيص هذه الافكار في عدة أسطر، ولكننا نريد ان نتوقف عند جملة واحدة منتقاة من تلك المقالة، والجملة هذه هي مثل نموذجي يمكن - من وجهة نظرنا - ان تعبّر عن طرافة النظرة العلمية للباحث تجاه ابداع تشيخوف، مثل يبيّن كيف ان لاكشين نجح برسم الخصائص الاساسية لهذا الابداع . الجملة هذه وتعليقاتنا عليها هي كالآتي:– 

(... كان باستطاعة تشيخوف ان يرسم اللوحة بضربة واحدة... ). هذه الجملة التي كتبها لاكشين عن تشيخوف بحد ذاتها تعني، ان هذا الباحث قد فهم - وبعمق- كل خصائص تشيخوف الفنية وقيمته الجمالية وكل الاجواء الجديدة التي ارتبطت باسمه في تاريخ الادب الروسي، فأي كاتب روسي آخر يقدر ان يرسم لوحة كاملة بحركة واحدة من فرشاته، التي تحمل كل تلك الالوان الزاهية؟ ان قصصه القصيرة، والتي قال له عندها محررو بعض المجلات الروسية وهم يرفضون نشرها، انها (أقصر من منقار الطير) حسب ما كتب تشيخوف نفسه بعدئذ.

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top