العدالة الاجتماعية ..دين الانسانية الجديد..

آراء وأفكار 2020/09/22 07:34:46 م

العدالة الاجتماعية ..دين الانسانية الجديد..

 سلام حربه

العدالة الاجتماعية احد النظم التي من خلالها تتحقق المساواة بين افراد المجتمع الواحد من حيث توفر فرص العمل وتوزيع الثروات بالتساوي بين الأفراد وأحقية التعليم بكل صنوفه والتأمين الصحي للافراد واحترام حرية الفكر والمعتقد وان ينعم الجميع بالحرية الشخصية ويصان حق الافراد في التصويت في الانتخابات واختيار نوع الحكم الذي يرغبون ،

وان لا يكون هناك تمييز على اساس اللون او العرق او الديانة، والجميع يخضع الى سلطة القانون من الامبراطور والملك ورئيس الجمهورية الى ابسط مواطن في المجتمع..هذه العدالة الاجتماعية لا تتحقق الا في ظل نظام سياسي مدني قائم على منظومة اقتصادية تحارب الاستغلال والهيمنة والاحتكار وتعمل على التنمية السليمة للموارد المادية والبشرية بحيث يكون هناك نصيب لكل مواطن من الثروة حسب الحاجة والطاقة المبذولةوتقسيم للعمل الذي يتناسب والامكانيات العلمية والجسدية وانهاء البطالة ليتولد في النهاية شعور عام بالسعادة والاطمئنان على الحاضر والمستقبل.. 

العدالة الاجتماعية اصبحت الشغل الشاغل لجميع المجتمعات كما انها اصبحت الشعار الذي يتصدر نضال الاحزاب السياسية، حتى ان الكثير من الاحزاب اليسارية والاشتراكية لم تعد تبشر علنا بنظام شيوعي او مجتمع لا طبقي، على غرار الاشتراكيات السابقة، ولكنها توعد الناس بالعدالة الاجتماعية التي اصبحت مطلبا ملحا للشعوب في ظل التنافس الدامي بين الانظمة السياسية وتصاعد الصراع الطبقي خاصة في المجتمعات الرأسمالية وشركاتها الاحتكارية التي تحاول تحقيق أوفر الارباح وان تطلب ذلك اشعال الحروب وخلق الازمات السياسية والاجتماعية في كل بلدان الارض الغنية منها والفقيرةكدول العالم الثالث..ان مطالبة الشعوب جميعا بتوفير العدالة الاجتماعية تصاعد في العقود الاخيرة وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومة البلدان الاشتراكية التي كان من شعاراتها الاساسية، ولم يتحقق، ترسيخ العدالة الاجتماعية كبنية متقدمة. كما أن الشيوعية ، المرحلة النهائية في البناء الاشتراكي كما مدون في ادبياتها،أصبحت كما روج لها البعض من المنظرين الماركسيين المتزمتين عقيدة ملزمة كالعقيدة الدينية شعارها المساواة وزوال الفوارق الاقتصاديةوالثقافية والعرقية ويدّعون، في ظلها،ينعم المواطن بالعيش في سلام وأمان وتذيب الطبقية والاستغلال بين البشر اي خلق جنة ارضية على غرار الجنة التي عرضها السماوات والارض التي جاءت بها الاديان السماوية.

المشكلة عند الكثير من الشعوب ليست فكرة الشيوعية التي ظهرت الى الوجود كنظرية ونظام اقتصادي وسياسي منذ ما يقرب من المئة والسبعين عاما ولكن العقبة الحقيقية مع الاديان التي عمرها من عمر البشرية..هذه الاديان وخاصة السماوية منها تكاد جل نصوصها المقدسة تتكلم عن العدالة والسلام والمساواة ومحاربة الشر الذي يتربص بالبشر، لكن ما حصل ومنذ الاف السنين ان تحولت هذه الاديان بسبب القراءات الخاطئة والتأويلات المتعددة وتفقيسها للمذاهب والتيارات العقائدية والمدارس الاصولية من قبل المؤسسات الدينية والتكيات الفقهية المتسلطة عليها والمتحكمة بنصوصها، وحظي مؤسسوا المذاهب والفرق الدينية، من خلال اتباعهم ومريديهم، برفع مقاماتهم وتفسيراتهم الى مرتبة القداسة بحيث ما ينطقون به لا يأتيه الباطل لا من قريب ولا من بعيد وما كتبوه لا يقل أهمية عن النص الالهي اذا لم يكن هو البديل في مواقف عدة..اختفت بمرور الازمان الديانات السماوية وظهرت مكانها ديانات جديدة ابتدعها الكهنة والعلماء الفقهاء وشيوخ الدين وهذا الامر حصل منذ الايام الاولى لظهور الاديان ومن لحظة التبشير بها من قبل الانبياء وما زالت عملية الانشطار الديني قائم حتى يومنا هذا..لقد دفعت البشرية ومنذ الاف السنين مئات الملايين من الضحايا البشر وخربت بلدان وتسلطت حكومات وبإسم الدين اذاقت الشعوب الويلات وقذفت بهم الى الجحيم وما تاريخ الاديان الذي صاغه ودوّنه رموزهذه الاديان الجدد الا سير حافلة من الارهاب والعنصرية وسبي النساء والمجتمعات والقتل الجماعي لكل من يختلف معهم في العقيدة. مسلسل الدم هذا لم ينقطع منذ الاف السنين وحتى يومنا هذا والعدالة الاجتماعية التي نادت بها الاديان السماوية تحولت بيد زعماء الاديان واحزابهم السياسية الى تفرقة اجتماعية ومظالم وتخريب للنسيج الاجتماعي وتقسيم البلدان حسب الالوان الدينية والمذهبية..

لقد غسلت الكثير من الشعوب يديها من الاديان الجديدة وعدالتها واخذت تبحث في النظم السياسية التي تكون بديلا عن الاديان خاصة ، وأنه قد ظهرت في العديد من البلدان المستقرة سياسيا واقتصاديا ومنها البلدان الاسكندنافية والبعض من الاوربية والآسيوية أطياف من العدالة الاجتماعية وبمقاييس جيدة وشعر المواطن بالأمان حين لمس بيديه أن هناك من يسهر عليه ويوفر له اسباب السعادة والعيش الرغيد فعملت شعوبها المحافظة على بلدانها ونظمها السياسية التي وفرت لها الأمان النفسي وحلقت الروح الى مديات رحبة ونمت فيها الفضيلة ومكارم الاخلاق والسلوك الانساني القويم. اذن ما عجزت عنه الاديان وفرته الانظمة السياسية والتي اصبحت بمرور الوقت بديلا عن هذه الاديان ومعادل موضوعي لها وهذا ما ولد اشبه بالقطيعة بين الكثير من الشعوب وممارسة التدين في المعابد والكنائس والجوامع حتى تدنت نسبة التواصل الروحي مع الطقوس والاعياد الدينية والشعائر التي تقام في كل اسبوع ، او في مواعيد المناسبات وانخفضت المشاركة في بعض المجتمعات الاوربية الى أقل من ثلاثة عشر بالمئة من مجموع السكان واقتصر الحضور على كبار السن والعجزة والمرضى وآخرين يعانون من الوحدة والاغتراب الاجتماعي واختزل الدين الى صور دينية لا روح فيها..الاديان السماوية رسائلها روحية واخلاقية وتدعوا للعيش في مجتمعات تسود فيها العدالة الاجتماعية رغم انها لا تمتلك انظمة سياسية لتحقيق هذا الأمر سوى التهذيب المثالي الروحي والاخلاقي والسلوك الايماني المستقيم.لكن منظري هذه الاديان ودراويشها اجترحوا انظمة سياسية قالوا انها موجودة في باطن النصوص المقدسة وكشوفاتهم هذه اعجازية لأن الله اصطفاهم من دون البشر كي يحققوا عدالته ولكن بدلا عنها حققوا مطامحهم الدكتاتورية ومصالحهم ومنافعهم الشخصية والفئوية والحزبية على حساب غالبية الشعوب ووجودها ومن يعترض يساق الى الموت وبأبشع صوره. هذه التجارب تكررت بأشكال مختلفة وعبر التاريخ حتى وصل الأمر أن دخلت المجتمعات، خاصة المتطورة منها،بقطيعة بكل ما يمت الى الاديان بصلة وتم عزلها عن السياسة وحجرها بين جدران أبنيتها، وانطلقت للنضال من اجل انظمة سياسية حديثة ومتطورة تكون بدائل عن الاديان تتوفر فيها العدالة ومطلقَها العلم بكشوفاته المذهلة وثورته التكنولوجية التي اصبح المستحيل في السابق ممكن الحصول في الحاضر، واجابت نظرياته ومختبراته التجريبية عن اسئلة الانسان وشكوكه.

بقيت الامور على حالها في بلدان العالم الثالث التي تعاني شعوبها من الاستبداد والانظمة السياسية الفاسدة وعيون ابنائها ما زالت ترنو الى السماء رغم أنها لم تر شيئا وامورها تسوء يوما بعد آخر.. الانسان هو سيد الارض وهو الذي يصوغ الجنات الارضية التي تتوفر فيها السعادة ما يغنيه عن جنات السماء التي اصبحت بسببالاحلام المريضة لإرهابيي الاديان بعيدة المنال ، ولا سبيل للوصول اليها ، وكل يوم يمر تصبح صورتها مشوشة وضبابية ومن شطحات الخيال.. 

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top